“بنت الباشا” مقاطع من الرواية الجديدة للكاتبة السورية لينا هويان الحسن

Lina Hawyan Alhassan 6
لينا هويان الحسن Lina Hawyan al-Hassan

كانت صداقة نسليهان مع ابنة عمها الآنسة نورجيهان، القادمة لتوها من مدينة أزمير التركية، ثمرة لتناقضات حادة بين الشخصيتين.
حضور جيهان الهادئ، كضوء صباحي خجول، أيضاً جمالها الوادع كان من الصعب أن يلتقي بحضور نسليهان الكثيف والمرير، لولا ولع البشر بالمتناقضات.
احتاجت نسليهان وقتاً طويلاً لتكتشف ما يخلّفه حضورها الواثق لدى قريباتها وتحديداً الشابة الجميلة “نورجيهان”، التي ولدت وتربت في مدينة أزمير، بسبب اشتغال أبيها بالسياسة – كان من أولئك الذين يريدون من الأتراك مغادرة دمشق- عكس ما كان يرغبه محمود باشا الذي كانت تربطه علاقة وطيدة مع السلطات العثمانية.
“نور جيهان”، تتكلم التركية، والفرنسية، والإنكليزية، وتجيد اللغة العربية، وتعزف على البيانو، وجلبت معها صناديق مليئة بثياب مستوردة من إيطاليا وفرنسا، استطاعت نسليهان الحصول على أثمن تلك الثياب من خلال الفوز بلعبة البوكر.
لم يخطر على بال عائلة “العم” القادمة من أزمير، ما يمكن أن تخبئه بنت الباشا من أسرار، لا يمكن أن تمتلكها إلا أنثى ذكية تربت بين ثلاث نساء خطيرات. والدتها “فرلان” التي وصلت حرملك الباشا، لتكون الجارية الأخيرة التي تُهدى إلى الباشا من والي بغداد. نجحت “فرلان” بتحقيق حلم الأبوة للباشا عندما بلغ الستين من عمره، لم تحبل فوراً، إنما انتظرت عشر سنوات في حرملك الباشا وهي تواظب على شرب كل تلك الخلطات العشبية التي تطبخها العجوز الصابئية آسيا، وتلك التمائم السحرية التي تجيد تحضيرها الزنجية بحري. لكن السّت توركان لم تكن واثقة بأن فرلان قد حبلت فعلاً من الباشا!

* *
في ذلك اليوم، عندما اضطرت جيهان إلى أن ترفع بيد مرتجفة غطاء الصندوق الكبير، لتطلق سراح “شي- شاه”، الهرة البيضاء ذات الوجه المفلطح والعينين الزرقاوين والفرو الكثيف المترف، تيقنت أنها تخشى من شيء خفي لا تدرك حقيقته ينضح من عيني ناسلي.
كانت الهرّة “شي- شاه” مثل صاحبتها نسليهان، هادئة، وقورة، واثقة بكل الظروف. رغم أن “شي-شاه” خرجت من مكان معتم وضيق، لكن لم تكن لتموء، فقط ركزت عينيها على عيني جيهان المرتبكة.
عقب تلك الليلة، عندما ضربت جيهان، ابنة عمها نسليهان، بعد أن صدمتها كيف عرفت بشأن زيارتها للطبيب الفرنسي، خطر على بال جيهان أن تنتقم من ابنة عمها.
يعرف الجميع مقدار تعلق نسليهان بقطتها “شي شاه”، حالما اختفت القطة الشيرازية البيضاء، طرقت باب دار عمها، فُتِح لها الباب، دخلت دونما تردد، تعرف تماماً أين كانت ذاهبة.
وقفت في الباب، نسليهان مثل قطتها، تقول أشياء واضحة بعينين مغمضتين.
كان يكفي نظرة منها إلى الصندوق. للحال أخرجت جيهان التي بدا كأنها تلقّت أمراً صارماً، بإخراج “شي شاه” من الصندوق. ظلت الهرة هادئة، لم تبد أي انفعال، وإنما أخذت مكانها المعتاد بين ذراعي صاحبتها لتكمل حياتها المتمهلة.
على الطرف الآخر تكدّس الحقد أكثر بقلب جيهان التي كان وجهها ينضح حنقاً ورعباً بآن واحد.
غادرت نسليهان، بينما جيهان بقيت في مكانها مثل نهار كئيب، لبدته غيوم لا تمطر.

* *

تجلس “شي شاه” هانئة بحضن نسليهان التي تستمع إلى ما تقوله “بحري”، المعتادة على ما يريده الرجال من النساء ليلاً. بعد مدّة أربع سنوات أمضتها ضمن حريم يُفترض أنهن يقدمن المتعة لثلاثين من أبناء السلطان اليافعين. كانوا تقريباً بأعمار متقاربة؛ لأن السلطان كان يحتفظ بحوالي خمسين امرأة للإنجاب. كانت بحري تفهم ما يريده الرجال من الأنثى.
عندما كانت نسليهان تسألها عن تصرفهن حيال حالات الحمل، تشرح لها بحري كيف كن يخضعن لعملية تبخير سنوية تضمن عدم حملهن، وإذا ما حدث حمل غير مرغوب فيه فإن القومصو سوف تتوالى أمر خنق الفتاة التي تحبل والتخلص منها سريعاً.
تكمل “بحري” سيرتها، وتحكي لنسليهان كيف استطاعت نيل رضا الباشا بسبب خدماتها المتفانية والدقيقة والذكية.
“عندما واجهتنا عاصفة ممطرة أتيحت لي الفرصة لإظهار بعض مهاراتي. كان الباشا أخيراً مرتاحاً لخدماتي، حيث قمت بحفر حفرة في الرمل برمح أخذته من أحد الحراس، وقمت بدفن قمصان الجميع في الرمل، وعندما انحسر المطر حفرت من جديد وأخرجت الثياب وكانوا سعداء جداً وهم يلبسونها جافة تماماً، فالرجال لا يتأثرون إطلاقاً بتعرض أجسامهم العارية للعاصفة، بينما الرجل الأبيض الباشا محمود كان يعاني من البرد والرطوبة.
في إحدى الليالي عاد عمر بعينين براقتين، وخمنت أنه استمتع بخدمات واحدة من النساء اللواتي يبعن الخضار على ظهور عجول تحملهن من قرى قريبة إلى سوق الواحة القريبة التي كانت القافلة تمر منها. وبالفعل سمعت الرجال يتهامسون حول شيء كهذا. كانوا يحسنون استغلال عطايا الباشا لمقايضة الطعام. تحدثوا كيف أن امرأة واحدة قدمت خدماتها لهم الستة مقابل مرآة صغيرة.
مع الوقت اكتشفت أن الباشا كان يتعمد إعطائهم زيادة، بحيث يضمن حصولهم على متع النساء، حتى لا يتذمروا خلال النهار من مشقة الترحال، وليبعد شهواتهم عن جسدي. كنتُ الأنثى الوحيدة بالقافلة والباشا يريدني لأجل العناية بطعامه.
أحياناً كان يكفي أن يعطيهم قليلاً من النشوق ليحصلوا على عدة نساء يقضين الليل معهم”.

* *

كان أهم ما تعلمته ناسلي من الحبوبة آسيا ودادا بحري: “حفظ الأسرار”.
لم تتحدث قط عن الأفعى التي تعبدها دادا بحري.
تصمت كلما لمحت أفعى، تراقبها عن بعد، ثمة شعور خفي ومبهم ومتواطئ مع ذلك الكائن الأملس الزاحف، رغم أن أمها فرلان لم تكن تجلّ الأفعى، ولا تخاف منها مطلقاً.
ذات مرة، في قصر العائلة المبني في الغوطة، كانت ناسلي تقطع البوابة باتجاه باحة الحرملك. في قاعة الاستقبال العلوية كان هنالك حفل استقبال نسائي، حيث تجمعت عدة خوانم مع كريماتهن للتمتع بشراب اللوز المثلج في صيف دمشق الحارق.
عدة نساء وفتيات أجمعن على أن ناسلي عندما كانت تعبر البوابة، صادفت حيّة رقطاء طويلة وعريضة في الوسط، الحية كانت تتحرك ببطء شديد وبدا واضحاً أنها ابتلعت دجاجة من الحظيرة. تجنبتها ناسلي بهدوء ولم تصدر أية صرخة أو زعقة كما تفعل الفتيات عادة، مرّت قريبة منها كما لو أنها تتحاشى إزعاجها.
لم يكن ذلك غريباً، فيما لو عرفت تلك النسوة أن الفتاة تربت بكنف امرأة تعبد أفعى، وأخرى ولدت في منزل حاو.
لمرات كثيرة روت لها بحري كيف عمد حبيبها عمر الفزاني إلى قتل ثعبان ليثير غضبها:
“قَتَلَ عمر ثعباناً ضخماً. علمت للحال أنه فعل ذلك ليعذبني. كان حيواناً مقززاً ومفزعاً بالنسبة للجميع، بينما رأيته كائناً أملس لا يستحق ما حدث له، وطلبت السماح والغفران من ربتي إيللويا.
كان الثعبان ما يزال يتحرّك عندما قام عمر بفصل رأسه عن جسده. وعندما شقوا بطنه، استخرج الرجال عدة أرطال من الدهون. قالوا إن السكان هنا يستخدمونها لعلاج الماشية المريضة، وستتمكن القافلة من مقايضتها بأكل وفير”.

* *

تجلس نسليهان مغمورة بالظل الذي ترميه جدران القصر العالية. “شي- شاه”، تغطي أنفها بذيلها، تنام، كما لو أنها تملك العالم بأسره.
لم تبح نسليهان قط شيئاً عن قطتها ذات المظهر الغريب، قطة جمالها هجين، حتى أمها فيرلان لم تعرف قط كيف وصلت “شي شاه” إلى حضن ابنتها ناسلي ولا حتى حبوبتها آسيا، لكن دادا بحري تعلم أن الهرة البيضاء كانت هدية من حمد الدرويش.
كانت المناسبة إحياء ليلة الإسراء والمعراج، رأته من خلال النوافذ المخرّمة المطلّة على السلاملك، حيث تجمع عدد كبير من وجهاء دمشق لسماع عزف الناي ورؤية رقص المولوية.
في ذلك الوقت كانت نسليهان قد بدأت تزور الكنائس سرّاً، تزور كنيسة القديس بولس لأنها بعيدة عن منازل ذويها وأقربائها. كانت مشغولة بفكرة “الإيمان”، بسبب تربيتها المختلطة من قبل ثلاث سيدات كل واحدة منهن تدين بديانة مختلفة.
في تلك الليلة أثارتها تلك الرقصات “الدورانية” حيث يرتدي فيها الرجال تنانير واسعة، ويبدأون بالدوران استجداءً للصلة بين العبد وخالقه.
في صباح اليوم التالي نبشت كل مكتبة أبيها لتقرأ عن جلال الدين الرومي، الشاعر الصوفي الذي أسس تلك الحركة.
من يعرف نسليهان جيداً يدرك أنها لم تلتق حمد الدرويش بسبب حبّها للمعرفة.
كانت تريد ملامسته، اشتهت أن ترمي بجسدها بين ذراعيه، استفزتها يده اليمنى التي كان يرفعها إلى الأعلى، بينما خفض اليسرى خلال دورانه.
يومها شرح لها سبب ذلك: “التخفف من الحياة الدنيا وأثقالها، ورغبة بالصعود إلى ربه”.
في ذلك الوقت كانت مراهقة، يمكن لأبسط الأشياء أن تُشعرها بالاندهاش، تصمت وتنظر إلى البعيد، وهي تسمع حمد الدرويش يردد أشعار الرومي:
(سأذوب في الهواء، وأصبح عدماً، حتى أصل إلى حبيبي. سأصبح ناراً، أحرق بيتي وأذهب إلى الصحراء. سأصبح ألماً حتى أبرأ. سأصبح متواضعاً وأصير تراباً، حتى تنمو أزهارك فيّ).
لم يكف حمد الدرويش قط عن النظر إلى السماء وهو يترنّم بكلّ تلك القصائد التي كانت تسحر ناسلي.
صرخت فيه مرّة واحدة، هي التي لا تصرخ مطلقاً: “قبّلني”.
بين ذراعي حمد الدرويش بحثت ناسلي لأول مرة عن كمالها المنشود، أرادت أن تصبح “امرأة”. حمد الدرويش رفض، ولم يكن قدر ذلك الرجل أن يفضّ بكارتها. بقرار منه، استمرت علاقتها العذرية لمدة سنتين، لم يمسسها خلالهما، لكنه فعل الأخطر من ذلك: ثقفها، قدم لها المعرفة.

* *

“لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواحُ توراةٍ ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه، فالحبُّ ديني وإيماني.
كأن كل شيء حولها كان مزيّفاً، عدا تلك الأبيات الشعرية لابن عربي.
عندما قامت بتهريب يوسف، للمرّة الأولى، بثياب امرأة إلى مخدعها، كانت الذريعة أنها تريد منه أن يخط لها تلك الأشعار على الجدار فوق سريرها.
“المال، الثياب، الأقمشة الفاخرة، الخمر، الأكل اللذيذ، كلّها بدائل بائسة للحبّ. إذا لم نحصل على الحب فلن يضيف لنا أي شيء امتلاك تلك الأشياء.. إذا لم نستمتع بالحب الذي نشعر به..”. هكذا كانت تقول نسليهان هامسة لنورجيهان، التي غدت مؤرقة من تلك الأشياء التي تبوحها لها ابنة عمها.
رغم أن نسليهان سترمي الحجاب وستعيش بقية حياتها بعيداً عن تلك الأقمشة الفائضة على جسد أيّة أنثى، فإنها ستظل ممتنة للملاءة السوداء وذلك الخمار الأبيض المسدل حتى الأرض، بفضلها استطاعت تمرير يوسف إلى سريرها.
ابتكرت جنّتها ناسلي التي لم تكن تؤمن بالوعود أبداً، تفعل ما يسعدها بنفسها، تنفذ خططها دون الاستئذان من أحد، لا يهمها التاريخ، لا تعنيها العادات ولا التقاليد، لا تخيفها التهديدات، لا شيء يوقفها، إنها، ناسلي، الجديدة كل يوم، التي أعلنت مبكراً في مدرستها، وأدهشت زميلاتها ومدرّساتها وهي تتكلم بجرأة: “الحياة للأحياء، والموتى للموت”. أول يدين صفقتا لها كانت تلك الأنامل الرشيقة لناستيا.

* *

ما الذي قاله العرّاف “بُصرى” لنسليهان؟ لا أحد يعرف!
من ذا الذي لم يسمع بذلك العرّاف الذي قدم إلى دمشق من مكان مجهول؟ رجل أربعيني، أسمر نحيل، بعينين ناتئين، أمرد، جسده خالٍ من الشعر.
ذاع صيته بسرعة، أرسل بطلبه الوالي، أراد امتحان قدراته. العرّاف “بُصرى” أجاب على معظم أسئلة الوالي بنجاح. عندما سأله عن معرفته للغيب أخبره قصة غريبة، روى كيف أنه كان قد خرج إلى الصيد ذات مرة، وهناك رأى غزالة يطاردها ذئب، فقتل الذئب، للحال انقلبت الغزال جنيّة اسمها “ميمونة”، زعمت أنها ابنة أحد ملوك الجان “ميمون السياف”. كافأته “ميمونة” على صنيعه معها على طريقتها: جعلته قادراً على الإخبار بالغيب.
كانت نسليهان برفقة بنات عمها والقهرمانات. كان يقابل كل زبون على حِدة. جاء دورها، بضع دقائق وخرجت مسرعة، كان مقرراً تناول الغداء في بستان صدر الباز على ضفة نهر بردى، لكن نسليهان أصرّت على إكمال طريقها إلى القصر، هناك ولجت غرفتها وفتحت خزانتها وتفقدت فستان جدتها الشهير “النيلوفر الملكي”.

كاتبة سورية مقيمة في بيروت
linahawyanal@yahoo.com