إلى أين ترحل الأنهار؟ قصة قصيرة للكاتبة المغربية حنان درقاوي

حنان درقاوي 8
حنان درقاوي Hanan Derkawi

صيف 1976 واحة تنجداد
لم نعرف صيفا بهاته الحرارة. نفذت ينابيع الماء والآبار. مات أطفال كثيرون من بينهم جمال ابن عمتي عيشة. ذهبنا لزيارة القبر الصغير. كومة رمل فوقها حجارتان بدون شاهد. لم يكن إسمه مكتوبا لكن عمتي تعرفت على القبر بسرعة. كيف ستعيش العمة بدون جمال؟ ذلك الطفل الذي كان يضحك باستمرار. يمد يديه الصغيرتين ويلمس وجهي أو يقمشه. تحت التراب لن يفعل ذلك أبدا ولن يمد يديه إلى أي مكان. بماذا سيتسلى إذن في العدم؟ ماذا يلعب الأطفال في العالم الآخر؟
لن يضحك جمال في وجه أحد هناك أو ربما سيضحك في وجه الملاك الذي سيقوده إلى الجنة وهناك سيكون طفلا أبديا. سيضحك وهو على يمين الله. الأطفال لاشك يخلدون على يمين الله, لايكبرون أبدا ولايعرفون هموم الحياة الشاقة. فقط ينامون ويحلمون ويحتفظون بوجههم الطفولي البريء فيما علي أن أكبر في عالم لا أريد العيش فيه, أفضل الجنة حيث الله يضحك.
لم أمت في ذلك الصيف رغم وهن صحتي ومرضي الدائم. مالذي بداخلي يجعلني أقاوم العدم في واحة يموت فيها السقماء؟
في اليوم الذي دفننا فيه جمال جاءت صديقتي ميشا لزيارتي. ميشا هي الطفلة التي تعرفت عليها قبل أشهر. كان عظم رجلها مدفونا في أرض بيتنا الجديد. تعارفنا وصارت تأتي لزيارتي. هي لم تمت بل تعيش في عالم لايراه الآخرون. الكبار يعتقدون أن الموت نهاية شيء ما وميشا تقول أن الموت ليس إلا شروعا في زمن الحلم. مع ميشا أحلم باللحظة التي سألتحق بها هناك على مقربة من الرب. نتحادث كثيرا ميشا وأنا. قالت لي أن الموت لايخيف. إنه عبور هادئ إلى عالم الحكايات, حكايات يحكيها الأحياء لبعضهم البعض لكي يحتموا من خوفهم الدائم. هل أحسست بالموت ياميشا؟
أنا لا أحس بالحياة هنا لهذا فالموت فتنتي. أراقب الجئائز وأمضي إلى مقبرة سيدي بولمان وأنتظر أن ينفض الموتى ستائر الطين عن أجسادهم ويقوموا لكي يحكوا كيف هو العالم الآخر.
المهم ياميشا هو الحكاية. مايخيف الناس في الموت هو النسيان, نسيان حكايتهم وانقطاع ذكرهم لهذا ينجبون ويتصدقون ويتبادلون الزيارات.
الناس هنا يحتمون من الموت بالأغنيات. منذ أن أغلق مصنع الثمر أبوابه من زمن بعيد صارت الواحة مصنع أغنيات: أغنيات للأشغال المنزلية, أغنيات للأعراس والختان وأغنيات للجنائز. كل شيء هنا غناء ولاملاذا آخرا من قدر النسيان ومن الحر.
أحب أن أرافق أمي إلى النبع لغسل الملابس. تكون فرحة مع صديقاتها. النبع يحرس فرح أمي حين تضع يديها في المسحوق. ينفجر مخزونها في الفرح. تنفجر غناءا وأكاد أرى روحها الصغيرة ترفرف أمام عيني, تلمع عيناها المخفضتين وترفع صوتها بالغناء. يلمع الغسيل وعيني أمي. كل شيء لامع حين تضحك أمي لكنها لاتضحك على الدوام. النهار أن ترفع عينيها وتصدح بالغناء. بعد الغسيل نعود إلى البيت. نملأ اللامبة بالغاز ونقعد حول أمي نتلقف منها فطائر الشحم والبصل. هاته الفطائر مأدبة في سنة الجفاف هاته. الجوع قابع في كل مكان هنا. حين يعود الرجال يعرف اللحم طريقه إلى موائدنا وتختفي الأغنيات. الرجال لهم قدرة خارقة على إفساد فرح النساء. أفضل اللحم على الأغنيات فهي لاتطفئ جوعي لكنها تسعف الأمهات على الإنتظار.
كنا في انتظار لاينتهي, إنتظار أن يعود الأب. انتظار أن يفرج الله كربتنا بمطر سخي. إنتظار أن تتزوج إبنة الجيران لكي نفرح وانتظار الموت الذي سيريحنا من الإنتظار. بين انتظار وتعب تتوزع حياة الجميع هنا. هناك كماشة ضخمة تقبض على الجميع ولاتترك إلا وقتا قليلا لفرح مؤقت نخشى عواقبه دائما. نسير على الصراط المستقيم ولانحيد عنه كأننا وقعنا في فخ. تأتي الريح وتحمل كل شيء إلى العدم القادم : الصحراء.
نحن هنا نمضي إلى الصحراء, إلى الصمت والنسيان. سينسى العالم كله أننا عشنا هنا. أننا ها هنا أحببنا وها هنا غنينا. ستغطي كثبان الرمل واحة تنجداد ونصير حكاية يحكيها الآخرون ليراوغوا قدر العدم بدورهم. أخاف من الكثبان الرملية القادمة من جهة الجنوب. إنها تتقدم نحونا وستغيبنا خلف الحبات الصفراء. سنصير ذرات رمل تسافر في الكون الفسيح.
أخاف من قدر الصحراء ومن قدر النسيان. كيف نقاوم النسيان يا ميشا؟ أنا لن أنساك, ساحكي حكايتك, حكاية الطفلة اليهودية التي عاشت في تنجداد قبل أن تصاب بالتيفويد وتوضع تحت التراب وهي لاتزال تنضح بالأحلام. أعيريني احلامك ياميشا لأن الأحلام تعوزني. عظمك الذي هناك كان ينضح بأحلامك هل سيجد طفل ما عظم رجلي حين سأرحل عن هذا العالم؟ هل سيحكي حكايتي, حكاية طفلة تنجداد التي تعوزها الأحلام؟ حكاية الطفلة السقيمة التي تواصل الحياة في واحة يتناثر فيها الموت؟ أخجل من موت الأطفال الآخرين, أخجل من حياتي أمام موتهم, موتهم عند كل قيظ, عند كل برد, عند كل ريح ومرض. الناس في هاته الواحة أسماك إنكشف عنها النهر , رحل النهر إلى مكان آخر. إلى أين تمضي الأنهار حين ترحل عن القرى المنكوبة؟
أعرف أن هناك طيورا مخيفة ترصد الأسماك حين يرحل النهر ويترك القرى منكشفة وصدرها للعراء. إنها الطيور التي تخيف الجميع هنا. طيور بيضاء تحمل حكاياتهم إلى مكان بعيد. لايعودون منه أبدا ولأنهم لايعودون يحكي الأحياء حكاياتهم إلى أن تحمل نفس الطيور الأحياء الآخرين ليصيروا بدورهم حكايات. النهر حين يمضي يحمل أرواح أهالي الواحات إلى البعيد.
هناك طيور غريبة تعبر الطريق العمومية كل يوم هي طيور بأجنحة ملونة تحمل الآباء إلى المدن البعيدة للعمل لأنه لاعمل في الواحة. الطيور الحديدية حملت أبي أيضا في الموسم الماضي إلى مدينة بعيدة, لسانها ليس مثل لساننا. حين يعود أظل متعلقة بلسانه هذا ولا أعرف إلى أين ستقودني لغة المدن؟ بأي لسان كنت تتكلمين ياميشا؟ هل ينطق اليهود مثلنا؟ إلى أين حمل أهلك أنفسهم تاريكين لنا بيوتهم ورسومهم على الجدران وعظامهم في المقابر؟ أما كان يمكن أن يبقوا ليحرسوا الأسماك في النهر, ليحرسوا حكايات الواحة وأغنياتها؟ الناس هنا يتذكرون أهلك ويتأسفون على رحيل لم يتوقعوه. أود أن أحدث أهلي عنك, أن أروي حكاية الطفلة التي تحلم تحت التراب, تنفض كل ليلة غبار الأرض وتحكي حكايات فاضمة اودمي وحمواونامير, تحكي عن رفقة الرب والملائكة. وحدك ياميشا تخففين عني حرارة هذا الصيف الذي مات فيه أطفال كثيرون وبقيت أنا تحت الأغطية أقاوم العدم مصرة على الحياة. أندهش كل يوم من صخب الحياة في جسد عليل ومن استمرار الذكر في واحة تغرق في عزلة منذ الأزل وعزلتها الأولى هي الفقر. إنه أقسى أشكال الغربة فهو الحاجز بين الجسد والعالم, الجسد وأشياء العالم والأحلام. الناس هنا في فقرهم قابعون ومغلوبون على أمرهم, يشتغلون إذا وجدوا عملا, يتزوجون ويلدون امتثالا لأوامر تتجاوزهم, إنها أوامر السماء. السماء في واحة تنجداد قريبة , تكاد تلتقي مع الأرض من شدة الحر, ينزل أهل السماء لشد أزر أهل الأرض. تمشي الملائكة في كل شبر من أرض تنجداد ليستقيم الذكر على أرض غادرها الماء ورحل عنها النهر ولاشيء يفك عزلتها غير الطيور الحديدية التي تحط في مركز الواحة وتبتلع الآباء وتحملهم في طريق قال أهل المدن عنها أنها طريق الوحدة.
كلنا هنا نحلم أن تحملنا تلك الطيور الحديدية إلى أرض من ماء ومن مطر, أرض نبعث فيها من جديد, أرض تكون لنا من مطر نحن أبناء تنجداد المتعبين.

كاتبة من المغرب، فرنسا
hanaderkaoui@yahoo.fr