محمد سيف: قراءات في المسرح المغربي

محمد بهجاجي1من دون شك، إن هذا الكتاب المتوسط الحجم، لمؤلفه: محمد بهجاجي، الصادر، عن دار النشر المغربية، والذي يتألف من 111 صفحة، ليس بكتاب أكاديمي، وإنما هو كتاب يأخذ مؤلفه فيه وقته، للتطرق، بجدية مطلوبة، إلى مسارات (تتوزع بين قراءة المسرح في بعده النصي والمرئي وقراء التجربة الخاصة ونص الشهادة)، والذي يبدؤه بعنوان يبدو منذ الوهلة الأولى ملتبسا ببلاغته، ويشير ضمنيا من خلاله إلى مدى تعلق (محمد بهجاجي) نفسه بالمسرح واشخاصه الذين هو جزء لا يتجزأ منهم. ليس لأنه يحب المسرح فحسب، وإنما لأن هذا الأخير، أي المسرح، لازال يمارس عليه نوعا من الجاذبية والسحر اللذان لا يمكن أن نعرف لهما سرا. فالمسرح بالنسبة لبهجاجي، مثلما يمكن أن نستشفه من قراءتنا لكتابه الثري ببلاغته والتباسه، يهمه، ويمسه، ويثيره على الصعيد الحسي المطلق، بحيث يبدو لنا المؤلف، مثل العازف الذي يبدأ بعزف الموسيقى لأن عالم الأصوات يستميله، أو يقوم بالرسم لأنه يحب معرفة، علاقة الفرشات بالمواد، وكيف توضع الألوان ودرجاتها وايقاعاتها المختلفة على سطح اللوح.
. تتبع المقدمة عرضا موجزا لمحتوى الكتاب، وتعتبر مهمة جدا في تمهيديتها، لا سيما انها تحدد النغمة التي من خلالها يعلن المؤلف عن المناطق المحورية التي يتجول ويتشكل منها الكتاب: (بنية الشهادة ومقاربة السيرة ومحاولة قراءة الأثر المسرحي في تجلياته المكتوبة والمرئية). إذا كانت المقدمة التمهيدية تركز على مختلف المشاكل التي سيتم تناولها وترتفع نبرتها شيئا فشيئا فيما بعد، فإنه يبحر أيضا في صلب موضوع: أن المسرح بقدر ما هو نشاط جماعي، هو أيضا تجربة شخصية بشكل مكثف، وإنه أولا وقبل كل شيء، مسألة متفرج.

إن المكونات الاساسية لهذا الكتاب، قد وضعت بطريقة تراتبية غاية في الوضوح والدقة، استعرضت بشكل مختصر ومكثف، أهم مسارات المسرح المغربي منذ البداية الأولى للتجربة المسرحية الحديثة، وذلك بتطرقه إلى تجربة واحد من أهم رجالاتها المعاصرين، الذين واكبوا انطلاقته الأولى منذ الاستقلال وحتى اليوم؛ بإلقائه الضوء على مدى اهمية تجربة الطيب الصديقي وتأثيرها في المسرح المغربي، ودفاعه المستميت عن الشكل المسرحي الحديث، وتبنيه، لـ(طرق ومناطق جديدة في الكتابة والوعي)، وانتقاله المستمر بين ما هو عالمي ومحلي وعربي، كان في الكثير من الأحيان، وحسب الاقتضاء، تساعد على التعريف بالنظريات المسرحية وأشكالها، ومساراتها الملحوظة، التي تؤدي إلى إضاءة شروحات وتفسيرات، هي دائما مدعومة بذخيرة من الأمثلة العالمية (ارستوفان، بومارشية، شكسبير، موليير، بكيت، ويونسكو…) على سبيل المثال، لا الحصر، وكيفية تحديثها، ووضعها في سياقات إخراجية هامة ومميزة. وانتهاء (بتأسيس المسرح كفرجة شعبية تستقطب حكايات التراث ووقائع التاريخ وتفاصيل المعيش اليومي). بلا شك أن الطيب الصديقي، قد طرح أسئلة جديدة، كشفت عن متناقضات، بعيدا عن الصور النمطية، والمفاهيم الخاطئة. إن التطورات التي تطرق إليها في اعماله، كانت منهجية، وحججها دامغة، وتصور الأشكال الجديدة التي وصل إليها المسرح الحديث آنذاك، بشكل فعال. لاسيما أن الفن المسرحي هنا يغذي كل ما هو جديد ومذهل من أفكار.
ثم يأتي الجزء المتعلق بالتجارب الاخراجية والنصية، المكتوب بطريقة غاية في الحرفية، ولم يترك أي شيء في الظل. خاصة عندما تناول العلاقة بين النص والعرض، من خلال مقالات نقدية قد تم كتابتها على مراحل ربما تكون متباعدة، ولكنها تبدو كما لو انها كتبت اليوم. أخذا بعين الاعتبار تجربة كل من المخرج والمؤلف المثيرة للجدل، وتطورهما بشكل واسع وملحوظ في المسرح المغربي: عبد اللطيف اللعبي (قاضي الظل)، يوسف فاضل، وعبد الواحد عوزري، في مسرحية (أيام العز)، جواد الأسدي، في مسرحية (المصطبة)، وكتاب عبد الواحد عوزري (المسرح في المغرب، بنيات واتجاهات)، الذي يطرح فيه، وفقا لبهجاجي، أسئلة ذاتية وموضوعية، بعضها يرتبط بالمؤلف، ومساره في حقل الابداع المسرحي المغربي، وتحديدا ضمن تجربة مسرح اليوم، والبعض الآخر يرتبط بواقع الممارسة، إمكاناتها وإكراهاتها. ويتعرض لتجربة محمد قاوتي، في مسرحيتة (نومانس لاند). ثم ياتي عنوان (ثريا جبران، دينامية الصداقة والاختيار)، الذي يسلط الضوء فيه على تجربة رفيقة دربه ثريا جبران، (لا فقط بالمعنى المجازي حيث تتقاطع خطانا على طريق المسرح والعمل الثقافي، ولكن أيضا بالمعنى الحرفي. فلقد نشأنا معا بدرب السلطان، وتحديدا بحي بوشنتوف بمدينة الدار البيضاء، ومن هذا الدرب شقت ثريا مسارات الفن والحياة بمثابرة عميقة وإيقاع فريد. إنني (يقول المؤلف) حين أستعيد هذه المسارات وأتأمل تفاصيلها وظلالها أجد أنها تنحت جوهرها وفق دينامية طريفة تتأسس على الوصل بين الصدفة والاختيار، وبين الحركة والسكون أو الضوء والظل). ثم يعود بنا محمد بهجاجي، من جديد إلى عنوان (جاذبية الصديقي لا تقاوم)، الذي من خلاله يؤكد لنا فيه مرة ثانية، على اهمية الطيب الصديقي كرجل مسرح ومعلم تمكن من نحت صخرة المسرح المغربي بطريقة مغايرة وواعية استطاعت ان تسائل العصر برؤيا مفتوحة على الاشكال الفنية والثقافية الحديثة. ثم يتطرق إلى التحاق ثريا جبران بالطيب الصديقي (هذا الصرح المسرحي الكبير) حيث قدمت معه العديد من التجارب، أهمها:
– (إيقاظ السريرة في تاريخ الصويرة) لمحمد بن سعيد الصديقي، ولسعيد الصديقي ، سنة 1980.
– (أبو نواس) للطيب وسعيد الصديقي، سنة 1984.
– (كتاب الإمتاع والمؤانسة) عن موت وحياة أبي حيان التوحيدي للطيب الصديقي، سنة 1984.
– ( ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ) من تأليف وليد سيف، سنة 1985. في إطار فرقة الممثلين العرب التي اسسها الصديقي مع نضال الأشقر، من خلاله تكرس اسم ثريا جبران كممثلة عربيا، بعد ان طافت المسرحية داخل وخارج الوطن العربي، وقد حصلت عن دورها فيه على جائزة تقديرية في التمثيل بمهرجان بغداد المسرحي. ثم ينتقل بنا الكاتب إلى نقطة الاخفاق والتحول في تاريخ ثريا جبران الفني، وكيف تعرضت هذه الفنان العظيمة في تواضعها إلى أشرس الانتقادات من طرف الصحافة الوطنية، عندما ظهرت كمنشطة لبعض (سهرات الأقاليم)، التي كانت تدر عليها الكثير من المبالغ التي (كنت محتاجة إليها)، وفقا لما تقول ثريا جبران، ولكنها سرعان ما عدلت عن رأيها واختارت بين العمل السهل والعمل الجاد، وتقول في هذا الصدد: ( ان غيرة الصحافيين كانت تحرسني باستمرار، ولذلك توقفت عن العمل لمدة سنة كاملة، وهي فرصة ليقف المرء ويتأمل اختياراته ويراجع شكوكه ويقينه ومساراته). لقد كنت سعيدا جدا بلقائها مؤخرا مع رفيق دربها عبد الواحد عوزري، بمناسبة تكريمها في الندوة العالمية لدراسات الفرجة، بطنجة، لعرابها الدكتور والناقد المثقف خالد امين.
بعد التوقف، تعود ثريا جبران برداء جديد مع عبد الواحد عوزري عندما فكر هذا الأخير، بالقيام بإعداد جديد لعمله (حكايات بلاحدود) الذي قدمه في محترف الفن المسرحي التابع لمسرح محمد الخامس، حيث دعا (ثريا جبران الى المشاركة رفقة صلاح الدين بنموسى، وميلود الحبشي، ما أعطى للعمل زخما قويا جعل (الحكايات) تشكل حدثا فنيا وإعلاميا كبيرا لم يحدث له مثيل في الوسط الثقافي منذ النجاحات الكبرى للصديقي ولبعض مسرحيات الهواة خلال عقدي الستينات والسبعينات). وقد تُوج هذا النجاح (بتأسيس مسرح اليوم بإمكانيات اليوم، وبطموح الغد، لمواجهة مسرح الأمس الذي كان يتوزع بين مسرح التراث والبوليفار). بلا شك أن تفاصيل ومسارات الكتاب كثيرة وغنية بحيث يصعب علينا تركها وعدم استعراضها، ولكن الوقت لا يتسع، ثم لا بد من ترك فرصة للقارئ لاكتشافها بنفسه، لا سيما أن قائمة العروض كبيرة ومخرجيها ومعديها متنوعة ومغرية حقا، مثل ، تجربة الكاتب محمد القاوتي في اعداده مسرحية (بونتيلا وتابعه ماتي) لبريشت، بصيغة مغربية بعنوان (بوغابة)، (نركبو الهبال)، نص وإخراج عبد الواحد عوزري، (النمرود في هوليود) لعبد الكريم برشيد، وإخراج العوزري، الشمس تحتضر، شعر عبد اللطيف اللعبي، إخراج العوزري، طير الليل، نص محمد القاوتي، شفيق السحيمي، فوزي بن السعيد وثريا جبران، إخراج العوزري، امتى نبداو، لمحمد بن بنقفطان، إخراج العوزري، البتول، نص محمد بهجاجي عن ميشيل ماني، إخراج العوزري، العيطة عليك، نص محمد بهجاجي، وإخراج العوزري، وإلخ. كل هذه الأسماء والتجارب تذكر أيضا لدعم انعكاسات وأفكار قوية، لا يمكن فصلها عن وجهة نظر المتفرج الذي يسائل بدوره الإخراج بطريقة حديثة. لا سيما ان المخرج لم يعد يبني خطبا ولا مواد جمالية موحدة، وإنما ينفذ مسرحة، بالاعتماد على اللعب الديناميكي للمعاني، التي يكون فيها المتفرج المتلقي النشيط والصائغ والمستنطق الحقيقي.
وينسج الكتاب في نهايته الأسئلة الأكثر تحديا، بشهادات يزخر بها بالمعلومات الدقيقة، حول : (هل تتصور أن تملأ خشباتك فكرة كبرى مثل محمد الكغاط)، وشهادة إلى مصطفى سلمات: بلا أقنعة التمثيل، وشهادة إلى محمد سكري: طيف فيلليني. مشيرا من خلالها إلى أدوات تفسيرية قيمة كثيرة ودقيقة، لا تزال تحمل قوة تماسكها الكامل.
الغريب في الأمر، إن الكتاب، على الرغم من حجمه المتوسط وعدد صفحاته 111، يذكرنا في كل منعطفاته، بأن المسرح هو فن، وإنه مكان للتبادل الحميمي، وهو الرابطة المشتركة، وإنه يدمج القلب، والجسد والروح، دون استثناء، ومن دون حدود. واخيرا، إن كتاب (بلاغة الالتباس، قراءات في المسرح المغربي) بقدر ما هو واضح ومفهوم، فهو مُتَطَلِّب، إنه واضح في تحليله وتركيبه، ويقدم للقارئ الخبير سعادة لا توصف. إنه غني ومطَمئِن، ومستوحى من حب المسرح.

مسرحي وكاتب عراقي، باريس
muhamadsef@hotmail.com