“قلبى بأمان ما دام فى العالم حكايات” قصة قصيرة للكاتب المصري محمد الفخراني

غلاف محمد الفخراني عشرون ابنة للخيال
مجموعة قصصية تصدر قريبا

لائقٌ بهذه الشابة أن تكون قِصة، مثلما لائقٌ بالقصة أن تكون شابة.
شابة فى بداية العشرينات من عمرها، تحب القصص، ويمكنها فى أىّ وقت أن تتحوَّل إلى قصة يحكيها أحدهم فى مكان ما.
“الفتاة القصة” تتجوَّل حافية فى العالم، ينجذبُ قلبها إلى القصص، تنجذبُ القصص إلى قلبها، تعرف أماكن تجمُّعات الحَكْى، أماكنها المفضَّلة، هى مُغرَمَة بالحكاية، مفتونة بها، تدخل وسط أىّ جماعة من البشر فى الشوارع، المقاهى، محطات السفر، القطارات، الساحات، البيوت مفتوحة الأبواب، وأشخاص لا يفعلون شيئًا غير الحَكْى، تُنصِتُ للحكايات بروحها وجسمها، وتبلغ معها ذروة لذَّتها.
تُشفِقُ على مَنْ يقولون إنه لم يَعُدْ فى العالم بشر يجتمعون لتبادل الحكايات، كيف يتصوَّرون هذا عن العالم، فما زالت هناك أماكن كثيرة جدًا للحَكْى، وبشر كثيرون جدًا يَحْكون، هناك دومًا شخص ما يَحْكى، ومكان للحَكْى، دومًا هناك حكاية.
هى تعرف ذلك الوعد: عندما يختفى مكان تُحْكَىَ فيه حكاية، فإن مكانَين يظهران بدلاً منه، لن يتوقف شخص عن حكاية يرويها قبل أن يظهر فى العالم اثنَين بدلاً منه.
يختفى العالم إذا اختفت الحكاية، العالمُ يعرف هذا عن نفسه، الجميع يعرفون ذلك، ولا داعى لأن يُذَكِّر أحدُنا الآخر بهذه الفكرة.
لا شىء أفضل من قصة يُمكن أن يَكسِر قلب الشابة أو يُصلحه، يُعجبها أنَّ لها قلبًا يمكن للقصص أن تكسره، تلك الكسور التى تمنحه القوة والأمان، قلب جميل، وعبقرى، تفكر أحيانًا أنه لم يَعُدْ فيه مكان لكسْرٍ جديد، أو أنَّ بعض الأماكن فيه قد تكَسَّرَتْ عددًا من المرات بحيث لن يمكنها تحمُّل المزيد، إلا أن قلبها المُحِب للقصص يُفاجئها دومًا بأن لديه مُتسَع لكسر جديد، وأن الأماكن التى تحمَّلَتْ كسورًا كثيرة سابقة يمكنها أن تتحمَّل المزيد.
صارت تقول: “قلبى بأمان ما دام فى العالم حكايات”.
“الفتاة القصة” لا تكبر فى العمر، تتجوَّل عَبْر الزمان والمكان مثلما تفعل كل القصص، تُغيِّر شكْلَها، لكنها تستعمل الملامح نفسها فى كل مرة، تبدو أحيانًا كفتاة وُلِدَتْ قبل مائة عام، ومرة أخرى كفتاة مولودة بعد مائة عام، فتُغيِّر تفاصيلها فى كل حالة بما يناسب روح الزمن الموجودة فيه، ولا تتوقف عن أنْ تظَلَّ شابة، ومُدهشة، مثلما هى القصة: شابة، ومُدْهِشة دائمًا.
هى فتاة لا يمكن العَبَثُ معها، تحب الحصول على لذَّة العالم ومتعته، عديمة الصبر، ولا تقبل بأنصاف الحلول، هى كذلك أيضًا عندما تتحوَّل إلى قصة، لا يمكن العَبَث معها ولو للحظة، يا لصراحتها، جرأتها، وانعدام صبرها، تعرف الفتاة أن القصة لعبة لا يمارسها الحُواة، كبيرةٌ عليهم، لا يمارسها إلا السحرة الحقيقيون، القصة تكشف أىّ حاوٍ، أو لاعب غير أصيل، قلبها قاسٍ على الحُواة، لا هوادة، قلبها رقيق مع السحرة، يلعب معهم ويضحك لهم، لديها كبرياؤها الخاص، غير متهافتة، إذا لم يعجبها أحد أو مكان غادَرَتْه على الفور، لديها القدرة على الاختيار، لا تُقدِّم تنازلات، لا تقبل بأشباه الحلول، صعبة المراس والإرضاء مثلما يليق بكيان شاب، ذكى، ومُتمرِّد، هكذا هى القصة، وهكذا الشابة.
تجلس “الفتاة القصة” أحيانًا على جانب الطريق، تتحسَّسُ قلبها، تَعُدُّ حصيلته من الكسور والإصلاحات، لا يُقلقها أن تقضى ليلتها ومعها بعض الكسور، أو حتى كلها دون إصلاح، لأنها ستحصل بعد قليل على قصة أو أكثر تُصلحه بها، أو يمكنها، إذا أرادت، أن تُعاود التجوال الآن فى الشوارع وتنام بلا كسور، لكن، يحلو لها كثيرًا أن تنام وقلبها مكسور بالقصص.
الفتاة لا تُكرِّر نفسها، تصير قصةً جديدةً فى كل مرة، ولا تُحْكَى إلا مرة واحدة فى الليلة الواحدة، يتم نسيانها بعدها، لكنها لا تُنسى بالفعل ولا تختفى من العالم، تعرف أنها تبقى فى روح كل مَنْ سمِعَها ووجدانه، تكون واثقة أنها قد تحوَّلَتْ إلى حقيقة فى العالم، وكل مَنْ كانوا فى القصة صاروا من لحم ودم: لا شىء حقيقى أكثر من قصة.
بمجرد أن تخطر قصة ما فى قلب أحدهم أو خاطره، بمجرد حَكْيها أو كتابتها فإنها تصير حقيقة، إنْ لم تكن موجودة من قبل بطريقة ما: للقصص أفكار كثيرة وعجيبة للتواجد فى العالم.
الخيال، الواقع، الوهم، السراب، والأحلام، ليسوا إلا حكايات، الحكايات هى المادة الخام للعالم، وكل تفاصيله منها، وحاصل جَمْع كل تفاصيل العالم ليس إلا حكاية.
فى بدايات بعيدة كانت الشابة تسمع أصوات الحيوانات، الطيور، الجبال، التلال، المياه، والأشجار، وهم يحكون لبعضهم بعضًا دون أن تفهم ما يقولون، وبمرور بعض الوقت صارت تفهم لُغاتهم، لم يتطلب الأمر منها غير أن تُصَدق جدًا أن هذه اللغات حقيقية، بها مشاعر وأفكار وحيوات كاملة، وأنْ تُنصِتَ إليها بقلبها أولاً، لم تخذلها الكائنات، كان الأمر سهلاً كما توقّعَت، فهِمَتْ لغاتهم سريعًا، وصارت تستمع لحكاياتهم.
قالت لنفسها إنها لن تَروى قصة حتى تسمع كل قصص العالم، تعرف أن القصص لن تنتهى أبدًا، مثلما تتمنى، تلك هى أمنيتها الكبيرة، وتعرف أنها ستحصل عليها، لأنه ببساطة لا نهاية للقصص، ومن المُبهِج أن يُذَكِّر أحدنا الآخر بهذه الفكرة من وقت لآخر.
بعض مَنْ يصادفون الفتاة أثناء تجوالها فى العالم يقولون لها: “كما لو أنكِ خَرَجْتِ من قصة ما؟”، يقولها الواحد منهم فى صيغة سؤال وإجابة معًا، وهذا يعجبها، تردُّ: “أنت وأنا، كلنا داخل قصة”، عندها يتلفَّت الواحد منهم حوله وينظر إلى نفسه كأنما يتفحَّص حاله، وينتبه إلى أنه بالفعل داخل قصة، وتلك القصة داخل قصة، داخل قصة، إلى ما لا نهاية، يقول لها: “نعم صحيح، لكنكِ، أقصد.. بكِ شىء مختلف”، تبتسم “الفتاة القصة” وتقول: “شكرًا، هذا إطراء كبير”، وتمضى.
يقول لها أحدهم: “أنتِ تذَكِّرينى بحكاية ما، تخَيَّلى، أنت تشبهينها”، تنتظر الفتاة أن يذكر لها اسم الحكاية أو مَقطَعًا منها، لكنه لا يتذكر، تبتسم وتقول: “يعجبنى أنى أُذَكِّرُكَ بحكاية، أنى أُشبه حكاية”، وتمضى.
يهمس أحدهم لنفسه بينما هو جالس وسط مجموعة من البشر يستمع إلى حكاية: “هذه الحكاية تُذكِّرنى بشابة رأيتها يومًا ما”، لكنه لا يعرف اسم الشابة ولا أين رآها ومتى، بينما تكون هذه الشابة جالسة خلفه أو إلى جواره تستمع إلى الحكاية نفسها، تمُدُّ يدها وتَربتُ كتفه، فيهزُّ رأسه دون أن يلتفت إليها ويهمس: “نعم، هذه الحكاية تشبه شابة رأيتها يومًا ما”.
تأخذ الكُسُور التى تُسبِّبها القصص فى قلب الفتاة أشكالاً مختلفة: مزهريَّات، مقطوعات موسيقية، خرائط للجمال، ورودًا، أمواجًا بَحَريَّة، أو بلادًا مُبتَكَرة، هى، “الفتاة القصة”، تتوقف فجأة فى الطريق، تشعر بقلبها يتكَسَّر، تتزاحم عليه القصص، فتكشفه لها، وتشعر بالكسور تتمادى فيه، حتى إنها عندما تضع يدها عليه ستشعر به يتفتَّتُ فى كفِّها، عندها، تجلس على جانب الطريق، وكلما مرَّ بها كائن قالت له: “أنا بخير”، تعرف أنها بخير، وأنها ناجية.
تبتسم وتقول لنفسها “قلبى بأمان ما دام فى العالم حكايات”.
تبتسم أكثر لأنها تعرف الوَعْد: لن تنتهى الحكايات من العالم.

كاتب مصرى
mohamedalfakhrany@yahoo.com