نصوص للشاعر العراقي باسم الأنصار

العرّاف

باسم الأنصار مجلة كيكا
باسم الأنصار Bassim al-Ansar

الزوارقُ تعوم في السماء،
والغيوم تصبح شواطئها.

كثيراً ما أقتنص حقيقة السماء، ولهذا فأنّ انعكاسات الأفكار العلمية ضئيلة عليّ. عندما أتلقى مرايا الخيال، فأنني أكون مطالباً بالمعنى وبذكريات الطفولة. فيما مضى، كانت تنبت لروحي أجنحةً ذهبية، عندما أجلسُ في الصيف تحت ظلال بيوتنا القديمة. ليست المعرفة وحدها، ولا العقل وحده يخلقان الجمال. ثمّت سرٌ خفي يقبع خلف الابتكار. الشعر، لغة الوجود. الرؤى، لغة العرّاف.

الخوذة التي بلون الحليب والمعلّقة على الوتد الأحمر،
تداعبها شذرات الهواء الأزرق برقة.
والنحلة الكبيرة الواقفة على الخوذة
تنثر العسل عليها ببطء.
تعال أيها العرّاف،
وأخبرنا عن قصة صاحب الخوذة المجهول.

أتعبني المجهول. ماذا نريد؟ النجاة؟ يا سفينة نوح! لا أريد النجاة، دعيني أجلس فوق أجنحة الأناشيد المرصّعة بالأسئلة. ما زلت توّاقاً لقفزة واسعة بوسع أسئلتي ورغباتي. رغبتي الآن هي أن أرى القمر والشمس يجلسان معاً في مقهى فان كوخ، وهي أن لا أرى العفونة تنتشر في كل مكان. لكن لماذا كل هذا الغضب؟ العفونة تستبطن النظافة، مثلما الالحاد يستبطن الايمان. ربما التناقض هو سمة الحياة الظاهرة. ما نسعى إليه هو التكامل. من الممكن أن يكون التوافق هو جذر الوجود. ربما. لكن ما الضير في أن نسعى الى أشياء تبدو لنا مستحيلة؟ الحلم، عكازتنا الأبدية. منذ الطفولة وأنا أتعكز على القلق الممزوج بالرجاء. كان لي في زمن مضى، هواية التفرّج على أسراب النمل. منذ ذلك الحين وأنا أمشي نحو المحبة المطلقة والجمال المطلق، والى كل شيء يبني تمثالاً ذهبياً لغدٍ لا تغيب عنه الشمس.
ألستُ حالماً؟!

 

جولات المآسي

لم يزل لنا نحن المحرومين من نعمة النسيان، أن ننسى ما تبقى في قلوبنا من آثار حروب الطغاة. لم يسبق لنا أن رأينا الطغاة يسقطون في مزبلة التأريخ، مثلما رأينا سقوطهم في الربيع. عجلة الربيع تحرّكت ولن تتوقف. تلويحة لكم يا أبناء الربيع، مني أنا المعلّق بالقصيدة في شمال الكوكب. لقد حظينا بجولاتٍ من الفرح أقل مما حظينا بجولاتٍ من المآسي. كنتُ أشعر بالأمل كلما شاهدتُ من شرفتي، الأطفال يتلمسون الحشائش برقة. حينما أمشي في دربٍ ترابي صغير، أشعر بالحنين الى الطفولة. لكن الإفراط في الحنين يجعل حياتنا رجلاً أعمى، وخصوصاً بعد طلوع الضوء الأسود في دروبنا. علينا المغامرة في الدروب السود. المغامرات مهمة. سوف تنتفض البراكين الميتة ضدي. العقلانيون، كثيراً ما يمنعوننا من الاحتجاج. لا للرحمة التي تكرس الكسل، ولا للعطف الذي يهشّم الرغبة. ما نحتاجه هو الأساليب المرهفة والعدالة بيننا.

ها هي أغصان الزيتون ترفرف فوق رؤوسنا،
وها هي الصقور تكسّرها.
ها هو الغراب يحرق الغيوم،
وها هو يجعلها تمطر علينا ثلجاً أسود.

قلت: سنحارب التيار الأسود. وقلتُ: الحروب جميلة ولكن تلك التي تحرق الأخلاق والخرافة، وتلك التي ترسل الطغيان الى الموت. يا ترى ما الذي يفكر فيه الانسان في اللحظات الأخيرة قبل موته؟ لا لفكرة الحياة الأخرى الدينية. لا لفكرة الجحيم. الجحيم هنا على الأرض. هذا هو دليلي: الأقاليم التي نحلمُ بها تهشّمها الكواسر أمام أعيننا، والزمن السعيد أغرقته الكواسج في جحيم عدن. في طرق الوحشة هائمٌ أنا،
وفي أزمنة الصحراء ضائعٌ أنا. الأيام تفرّ من قواميسي، والحياة تلفّ جسدي بالقبلات.

أشعر بالاختناق. روحي تحترق. عيناي تذبلان. جسدي ينهار. لكن سحقاً، هل هذه هي النهاية التي كنت أحلم في الوصول إليها يوماً ما؟!

 

الجحيم الأخضر

ذات يوم، التقيت بامرأةً جهنّميةً،
ومنذ ذلك الحين وأنا أغني!

مهما يكن من أمر، فأنّ زهور الرغبة وحدها ليست بالضرورة تهبنا عطور الإبداع. الكون، إبداعٌ دائم. غاية خالقنا من الخلق هي الابداع والجمال الى الأبد. لذا فإنّ غايتنا في الحياة ينبغي أن تكون الحب والابتكار. لا لفكرة عبادة الله. العبادة سلبت الحرية منّا، وأرسلت جثث الأبناء الى الأمهات. صرخات الأمهات على أبنائهن المفقودين، ترسمُ صورة اللّبوة الجريحة في قلبي. قلوبنا بحاجة الى الهواء. الهواء المنعش، يهبنا القدرة على نحت تماثيل الجمال. ويدفعنا الى أن نضع الشمس على يميننا والقمر على يسارنا، عسى أن نترك خصائصنا الخسيسة.

ذات مرة،
رأيتُ العمال يتصببون عرقاً،
ورأيتُ قطرات العرق تُزهر شموساً وردية.

غداّ، ربما سنفقد الرجاء في الحياة، ولكن هذا لن يمنعنا من اختيار هذا الطريق أو ذاك للرحيل الى أحلامنا المؤجلّة. ليس غريباً أن نسعى نحو الحرية. لكن لماذا نفشل أحياناً في ممارسة الحياة؟ ربما لأننا نفتقد الى التكافل الإنساني. بالنسبة لي، أشعر بأنني مع الجميع، كلما لجأتُ الى العزلة.

أناسٌ وضعوا حياتي في موقدٍ منطفئ،
وآخرون وضعوها في أحضان الأفق.

الضوء بعيدٌ، لكنني سأعرف الدرب الذي سيأخذني إليه. هل أنا أهطل بمظلّة الوهم؟ ذات مرة، رأيتُ الهنود الحمر يأخذون الدرب الى القرية المنسية. لستُ متشائماً. كل ما في الأمر، هو انني أحب السير نحو الأشياء البعيدة دائماً، ولكن بهدوء.
أنا ابن الجحيم الأخضر!

 

 

شاعر وكاتب عراقي مقيم في الدنمارك
basimalansar@hotmail.com