“حديقة الأرامل” مجموعة قصصية للكاتب العراقي ضياء جبيلي

حديقة الارامل 22صدرت عن دار سطور للنشر والتوزيع في بغداد مجموعة قصصية جديدة للروائي والقاص العراقي ضياء جبيلي. وجاءت المجموعة تحت عنوان ” حديقة الأرامل ” وتحتوي على ستة عشر قصة بواقع 140 صفحة من القطع المتوسط، تزين غلافها إحدى لوحات الفنان التشكيلي العراقي صدام الجميلي. وتجترح قصص المجموعة عوالمها من الواقعي والغرائبي لتنتج رؤية سردية مغايرة فنياً وأسلوبياً، وبلغة سلسة وواضحة تحاول أن تكسر توقعات القارئ وتصل به إلى نهايات صادمة، وبالتالي هي تنتج نوعاً من الإثارة من خلال عناصرها السردية المتمثلة بالترقب والإيهام، وتعالج موضوعات عديدة من أهمها الحب والحرب والوهم الإنساني. ومن أهم عناوين القصص التي تضمها المجموعة عمر الورد، الصمت والشاعر، انتقام المارلين، الذراع، قارئ جورج أورويل، ذروق التنين.
ويذكر أن لجبيلي خمسة إصدارات روائية : لعنة ماركيز 2007، وجه فنسنت القبيح 2009، بوغيز العجيب 2011، تذكار الجنرال مود 2014، أسد البصرة 2016 بالإضافة إلى رواية سادسة ستصدر عن منشورات الجمل خلال العام الحالي بعنوان ” المشطور – ست طرائق غير شرعية لاجتياز الحدود نحو بغداد ” . وأيضاً هو حائز على جائزة دبي عام 2007 عن رواية لعنة ماركيز، وجائزة الطيب صالح في القصة القصيرة لعام 2017 عن مجموعته القصصية الأولى ” ماذا نفعل بدون كالفينو “
مقطع من ” حديقة الأرامل ” إحدى قصص المجموعة :
كان آدم ذو الأعوام الأربعة عشر وحيد أمه الأرملة. كان يحب القراءة. يدّخر مصروفه، وأحياناً يسرق، ليوفّر ثمن الكتب التي تكرهها أمه وتعتبرها مصدر المجون. ولا تفرق بينها وبين المجلات الخليعة، تلك التي يتعاطاها الأولاد بعمره. وبالإضافة إلى ذلك، كانت تتمتع بحاسة شم كلبية، طالما مكنتها من العثور على الكتب التي يخفيها ابنها، فتسارع إلى إحراقها.
بدأ اهتمام آدم بالكتب منذ فترة مبكرة، عندما كان في الصف الخامس الابتدائي، فقد عثر في مكتبة المدرسة الصغيرة التي أنشأها معلم اللغة العربية، في وقت تكاد أن تنقرض ظاهرة المكتبات المدرسية في العراق، على كتاب صغير بغلاف رُسم عليه صرصار عملاق يجلس على سرير وينظر إلى ظله الآدمي بنظرة ذاهلة ومذعورة. وكان الكتاب عبارة عن رواية حملت عنواناً لافتاً أثار فضول الفتى الصغير : المسخ !
كان وجود تلك الرواية في المكتبة، بين قصص الصبيان والناشئة، غريباً وشاذاً. مثل خروف بين الأرانب. عندما أراد آدم استعارتها، رفض المشرف على المكتبة ذلك، متذرعاً أن مثل هذه الكتب كالسموم، يجب أن تُحفظ بعيداً عن متناول الأطفال.
” لكني لست طفلاً ! “
قال آدم بجسارة لم يعهدها المشرف من قبل. اعتبرها وقاحة منه، فدمغه على رأسه هازئاً :
” وماذا تحسب نفسك يا ولد ! أن بلوغك العاشرة من عمرك يجعلك مؤهلاً لقراءة مثل هذه الأشياء المخيفة ؟! “
كاد آدم أن يسأل المشرف عما يعنيه بـ ” الأشياء المخيفة ” لكنه فوجئ به وهو يخطف الكتاب من بين يديه، وينصحه بقراءة ألف ليلة وليلة :
” ستجد فيها من الفساء ما يملأ مؤخرتك أيها الشيطان الصغير ! “
إلا أن آدم لم ييأس. استطاع أن يعثر على الكتاب، ويهربه إلى البيت خلسة. فبدأ القراءة في ساعة متأخرة من الليل. أذهله الاستهلال، فراح يتابع القراءة حتى أكمل الكتاب، وأعاد الكرة مرة ثانية وثالثة. بل أنه قضى الليل وهو مستلق على ظهره، يقرأ ويعيد القراءة، حتى كاد أن يحفظ الرواية عن ظهر قلب. لم يستطع النوم خلال ساعتين متبقيتين على موعد الذهاب إلى المدرسة، فراح يعد الصراصير بدلاً من الخراف. وعندما أراد النهوض لم يستطع.
في صباح اليوم التالي، حملت الأم الأرملة رواية كافكا وذهبت إلى مدرسة سامر. كانت غاضبة، وقد عزمت أمرها على صفع المشرف. لكنها لم تفعل ذلك، إنما راحت توبخه بشدة، لأنه سمح لابنها باقتناء مثل هذا الكتاب. وكان المشرف يقف أمامها، مرتعداً، خائفاً بينما هو يسألها :
” هل تحول ابنك إلى صرصار ؟! “
” ليس تماماً ” ردت الأم الغاضبة الموشحة بالسواد، وقالت للمشرف بعد أن قذفت الرواية بوجهه : ” لكنه كان بحاجة إلى من يقلبه على بطنه ! “