حسام السراي: عالم مارك الأزرق يوثّق فضيحتنا

“أَنْتُمُ الَّذِينَ لاَ تَعْرِفُونَ أَمْرَ الْغَدِ! لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ”
“الأصحاح الرابع من رسالة يعقوب- العهد الجديد”

Hussam Alsaray 2 kikah 8
حسام السراي Hussam Alsaray

تنفجرُ السيّارات والأحزمة الناسفة، ويتداولُ الناشطون فوراً صوراً لضحايا تلك الأحداث، ينتشرُ الدمّ بين صفحات الفيسبوك استنكاراً وشتماً للحكومة، فيكتب مدوّن أعزل من الصور، هو بالضرورة عراقيّ لم يصله الموت بعد، أن “إيّاكم ونشر كلّ هذه المذابح والأشلاء، فوجوهنا تلطّخت بما يكفي لعشر سنوات من بشاعة الأثر”.. لا أحد ينتبه إليه، فالغلبة لمن ينشر “موتنا” وينال حظوته من الإعجاب والتفاعل الافتراضي.

***
تُختطف الصحافيّة أو يُغيّب الناشط قسراً، والأسباب والدوافع شتّى، بين مِلل ونحل وجماعات، كلّ له تأويلاته وتبريراته للجريمة، فالجماعة (س) لها سننها وتفاسيرها التي تعتمدها، والجماعة (ش) لها مفاتيحها ووسائلها التي تفكّر بها، إلا أنّ المفارقة العراقيّة الأبلغ في قسوتها وقدرتها على تجسيد الانهيار الأخلاقيّ والإنسانيّ الكبيرين، أن تعلق على خبر الاختطاف طالبة تدرس في أكاديمية الفنون الجميلة، ومثلها من شاب مهتمّ بالشعر يتصفّح ما جرى للناشط المغيّب في بغداد. ملخّص التعليق الفيسبوكي عن المختطفة: “إلى جهنم، يا ربّ ألا ترجع″، ومنطوق ذاك المتصفّح لنبأ التغييب: “عساه ألا يعود”، صاحبة الرأي الذي لا يقلّ فتكاً عن شظايا انفجار حصل عن بعد، تدرس الجماليات، وربّما ستصبح رسّامة أو مخرجة أو فنّانة مسرحيّة ! وذاك المهتمّ بالشعر، ربّما سيطبع كتابه الأوّل بعد أشهر، يكتب فيه عن الوطن والإنسانية والحياة الخطأ التي نحن فيها.

***
يقول المكلوم من فَقد أخيه عن فيديو حصد رواجاً في عالم مارك الأزرق: “لكنّهم يا صديقي دواعش إرهابيون، وليس مهمّاً أن نرفض سحلهم وسحقهم سحقاً”، فيردّ عليه عاقل، هو جبان بمقاييس اليوم، “لكنّنا يا مكلوم، إن بقينا نُسحل ونَسحل، نُسحل ونَسحل، لن نرى المستقبل، بل سيرانا المستقبل ضحايا في متوالية من الكراهية لن تتوقّف.
الحزين على أخيه المسحول قبل سنتين، لا يرى غير ذكرى السحل، حيث وجه الأخ حينها صامت في التابوت والصراخ ينبتُ من حوله.

***
تركض الطفلة المُوصليّة، هاربة من بيتها وماضيها ومرحها السابق، والكاميرا “اللئيمة” تفتح عدستها على ما في يد الصغيرة، طَيْران من “الكناري” بألوان بهيجة تصطحبهما معها، نعم لؤم الكاميرا واضح جدّاً، غير أنّ حقيقة الكارثة تحتاج أحياناً إلى أن تقال من ألسنٍ غير ألسُننا نحن البشر، فثمّة من لا يريد أن يصدّقك وإن كنت تجهر بالحقيقة كاملة.
حسناً فعلت الكاميرا، وإن كان فعلها لئيماً ومقصوداً، هو المطلوب في زمن كلّ شيء فيه افتراضي، حتّى الصدق والكذب نفسيهما.

***
سريعاً ينسى الشعب همومه وبؤس حاضره ومصيره المجهول، ثلّة كبيرة منه تنشغل بمقطع فيديوي مسرّب من جنوب العراق المقهور، المقطع الفاضح ليس أكبر من فضيحتنا اليوميّة في مسرحية الراهن الذي نعيشه، مُثليّان جنسيان في وضع يخصّهما لوحدهما، شاب وشيخ في لحظة اختار كلّ منهما أن يكون مع الآخر.
سريعاً صار “الوضع الخاصّ” متاحاً للجميع..
سريعاً اعتذر الشيخ المفضوح؛ لأنّه شرب “الدارسين” ولا يدري ما تلا ذلك، فهو مخدّر..
سريعاً نال الشيخ لقب “دارسين”..
سريعاً سخر آلاف منه..
سريعاً أردته رصاصات غسل العار الافتراضي..
سريعاً عادت الجموع- بالبوستات- إلى إنسانيتها المفرطة، وشطبت على الموضوع بفضول معتاد يسأل: ما جديد الفضائح؟

***
يعبر سائق التكسي من الرصافة إلى الكرخ، ينتقد الساسة والفساد وضياع حقوق الناس وبطالة الخريجين، يَبرعُ في وصف صفحته على الفيسبوك، وكيف أنّه يروّحُ عن نفسه فيها بالبثّ المباشر وهدفه منه إشاعة الأمل، يلبسُ الشاب الذي نال البكالوريوس في “الإدارة والاقتصاد”، جينزاً بلون أزرق، ويضع نظارات ليست أصليّة، إلا أنّها بمظهر مقبول. يجاريه في الأحاديث المُرّة شاب بعمره، يتعمّق الحوار وينضج شيئاً فشيئاً، سائق التكسي يصرّ على تحويل مسار الكلام إلى تذكّر مكارم الأهل أيّام زمان، ثمّ ينصرف إلى الأعراف العشائريّة، مفصّلاً فيها، ومستعرضاً خبرته عن أعلام ورايات عدد من العشائر، الراية الحمراء لهذه العشيرة، والراية الخضراء لتلك..، يسكت الشاب الذي كان يجاريه قبل دقائق، وسائق التكسي للآن يلبس جينزه! الذي اختلف إنّه يسأل الراكب: “بروح أهلك أنت من أي أعمام!”.
في النهاية، يصيح الراكب “الساكت”: من فضلك نازل، نازل، ينزل وأمامه بيت فارغ مكتوب عليه: “البيت لا يباع ولا يؤجّر، مطلوب عشائريّن(1)*”.

(1)* عشائريّن: هكذا يكتب الجهلاء مفردة عشائريّاً، بمثل ما نتهجّى به تنوين الفتح على الألف، فيُكتب بوصفه حرف “نون”.

h_alsaray@yahoo.com

* شاعر وكاتب من العراق.