“ليس ثمة ما يُثير” قصيدة للشاعر العراقي ماجد عدّام

ماجد عدام 17
ماجد عدّام Majid Addam

أكتبُ بممحاةٍ،
باقلامِ هواء
على غبار الوجوه،
وسطوح العيون.
..
تمرُّ الايام غريبة، ناظرة بوجوهنا، مرور طائر ووعل، خلف الدار.
النهاية التي لا نفكِّر بها، تخبئها المارة خلف عينيها.
ثقيلة تمرُّ، تطبع على حياتنا، طبع أصابع الأقباط العريضة على حجر هرم.
كانت اياما، من فوهة القلم انظرها، رائحتها تطل من بين جدران الحروف، تصل قلبي ضعيفةً رطبة.
..
ايام متجمعة على السقف، تنظر الى تحت. لفها الليل، حفلة الشيطان يديرها المطر، والسقف يخرّ.
..
بظل باخرة تُفرغ حمولة، وِفَاضي خالٍ، قلتُ أملأ الوقت، بين ارصفةٍ ضيقةٍ لسفن عملاقة، فكرت بالحديد الصلب الصدىء، لسلاسل رابطة أوتاد الرصيف والباخرة، بالماء الميناء الأخضر، والمخلوقات المهمشة في هلام الطحلب، بالسمك الضال واسيويين يخبئون مصائد وشباك ذكية. فكرتُ بامرأة حنون عليَّ، تشاركني البكاء على رحيل العراق، وما بقي من العمر. فكرتُ بما جعلني اصدق بالجائز والمباح، بعد الجنسية المكتسبة، وكذبت الرؤيا. المرأة صارت سلحفاة، قادتني الى ساقية وسط غرفة النوم، ركبتها وغاصت بي الى عوالم الاخطبوط، والجنيات.
..
حول منضدة، يتهامسون، حاسروا رؤوس حليقة، ثلم ذقون، آثار خشوم، روائح طين عميق تحت وُشُحٍ رمادية مثقبة، يتمتعون بما عرفوه، بعد موت طويل.
..
لم توفّق الى حلِّ الرِجل من الرِجل، مشاعر محلولة، اجساد ممزوجة، تركت على الرصيف.
اقدام موثقة تمشي خلل أقدامك، بضائع ونساء صارت ريح غبار عاصفة. يالَ جنسهم يَقتلُ بالجملة لأجلِ فكرة.
..
احرق ما شئت من صورنا، أرجلنا بالرمل غاطسة، من ركابها الى إلتقائها، معنا أطفال هادئون، الرمل ينخل بالافواه والعيون، تنمحي رِجل وتخرج يد، ثم تنمحي ويخرج بيرق.
..
مقطع آخر، ويكون ابتدؤه النهاية. تقف عليه دون حراك، خصلات رؤوس مرمية، في نسيم المساء البارد، يختفي العراقيون، وتحلّ البركة في السكون، كفواصِلِ جملٍ شعريّة.
..
أشياء في الحلق، إبر وسكاكين.
..
الفصل الهادئ مع الله، يشرف على الانتهاء، ساقاضيه ويقاضيني، نبلش ببعضنا، انتزعُ خواتمه باضراسي، واخدّش وجهه بقواعدها الفضة والصُّلب. يملخ شعري ويدعوني بصفات العدو الناكر لفضل عدوه.
سنتجاذب كلمات مكسورة، ممحوه، بقايا أصوات حروف مرجّعة، في استراحة المحارب المنهك. نتفق على استِئْناف، بلا نَص او اعلان، نذهب، كل الى سريره المعدن الأسود، وبقايا خمرته.
..
يَلمسُنا، كل يومٍ، نحسّه، يتلمّس كشيخ اعمى، حواجبنا وانوفنا واصابعنا، كل يومٍ. يأتي منافقون ويذهبون، نحن باقون، ضمن معدن وخشب بابه المغلق.
..
مِبْكار امشي طريق مشجرة، الى محطة القطار، اصلي مع بقايا لُمعِ النجوم، مُبْتغٍ يقظة القلب، السامع اذان الفجر السعيد.
..
وانا امتّع قلبي بجواهره الفاخرة، أجدني كومة تراب جنب اخرى، توقظني، في نسيان عميق، ارى فرج المرأة الجميل.
..
وجَدتُ رحمةً في قلبي فاطبقتُ عليها، انسد الباب خلفي، وكان كلانا مشتاقين، صوّرنا فعل الغائب.
..
ولدت في قلب زهرة الليل، حبة يانعة يدخلها الكون، كلّه، وهي تبتسم، تشرف عليه.
وَلد الظَّبيةِ في قمرٍ مكتمل، متخلّق، نابتٌ، مخاط رحم وماء لزج وغذاء دم، يتكوّن.
..
بجناحين مرقطين، تعمل، تعمل، وتموت في المساء. ثم تخرج مع شروق ثانٍ، مرقّط الجوانح بألوان اُخر.
..
اكتب بكبدٍ، في صوت نزول المقصلة، هل يحصى زمن النزول، ما يُعدّ بكسر الثانية، يكفي الرجل نقش كلمة على كبدٍ، انتفخ همّا وخمر، قبل الانفجار بعشر الثانية، في الغيب الناشئ عن الانتهاء.
..
أُرخي جذعي الى نخلة، اسمع أصوات فؤوس على سعفاتها القديمة، والصغيرة الجديدة، وعذوقها الناضجة، وعذوق الفصل القادم. ما تحس به النخلة احسّهُ، وانا على جذعها مرتخ.
..
يلوح في الغروب كغانديّ، تستقر المعزة الوحيدة عند جدار الحوض، قرب حنفية البئر المترعة، يهدأ اولاد خلف الحُجُرات. تنير وجوه الجيران فتائل الشمع، اول الليل حزين، تَرْضى الروح، وتبلع لعنات امرأة، فتحت خزانتها واطلقتها بفضاء الغروب الداخن.
..
اذهب للنوم، يوم عادي في سدني المتعِبة، بَرِيء من دم الله في الاسواق. أودّ الغور في الطين العميق، وأكون نسيا منسيا.

2
فيدوشي اجانيا الأبله
انا الأبله، والله الراوي.
..
أقفُ على دكةِ دارِها حَرِيدا، كداخل نصوص غابرة. يأتين بالنفس المضعف سوؤها، ويتركنه بأهوال طرقٍ وحمى.
..
تقف الروح على الباب مرهقة، فاتناولها بأنامل الحب المريضة. أَجمعن بكَ، مطلب حب مؤبد بانسامك.
..
اليوم، خادعتُها، جعلتها تراني، مشيتُ أمامها، دخلتُ القطار بخاطر مسرحي. وقفتُ عند زجاج الباب، هي بذكاء الطيبات الخَبِيثَات، اهملتني لحظات، ثم استدارت، وانهمرت ابتسامات دافئات، ألهب الصبح البارد دفء ملاحة السمراء، مرحى للقهوة الدافئة.
..
وانا أميلُ على كتفكِ، في الطريق، قلتُ ما قلتُ، همساً، سمعتِ ما قلتُ، انَارتني اِبتسَامتك.
..
ليتني طوق عينيكِ، عينُكِ الأصل والمصدر، فأكون طوق الأصل والمصدر.
..
انا الآنَ، وانتِ فيَّ تفكرين، احْلمُ بغيرك، تحكي لي عنكِ.
..
كل الأحلام تنسى، يا فيدوشي، حتى رشْرَاش بدني أمامك، كل ما قيدني بك يكسر، مرة الى الابد، اعود ارعى غنمي في ارض النسيان، انفخ في ناي الايامِ الحرة، واشربُ ندى العشب الأحمر.
..
الخراب المميت حملته، كله، وانا اغادرها، لم ألمسها ولا طارحتها غرام، أو وهم.
..
قلبي مُستدير، وفنائي ضيق،
روحي تهمّ وتخشى الغياب.
تنسحب من عمري عطورك
..
اذهب للنوم، علّي ارى وجه أمي، أو وجه من أحب، او وجه الله الكريم.

 

 

سيدني، استراليا، 2017

majidaddam@hotmail.com