نوزت شمدين: فصل من رواية “شظايا فيروز”

غلاف نوزت شمدين شظايا فيروزأكملت نديمة طشت الغسيل الخامس لها في ذلك اليوم مختتمةً واجباتها التي
تقلصت كثيراً بعد قرار إفراغ السجن وتحويله الى ثكنة لسرية من جيش
العسرة. وخلافاً لما جرت عليه عادة العمل في سائر الأيام مسحت في الصباح
الباكر بقطع القماش المبللة أرضيات الزنزانات الفارغة وممراتها وتولت
زميلاتها تنظيف الحجرات ونشرن حصتها من الغسيل ظهراً، لذا وجدت نفسها في
عطلة وقررت استغلالها بزيارة مفاجئة لفيروز في المطبخ فربما تحصل هناك
على شيء آخر غير البرغل ومرقة البطاطس وأوراق الخس التي فرضتها الحاجة
رقية في وجبتي الغداء والعشاء لاختبار ثبات السبايا على دينهن الجديد.

سارت بهدوء متحاملة على آلام أطرافها ومتخلفة كالعادة عن الأخريات في
الممر ذو الأبواب الحديدية المتقابلة بين المبنى الذي فيه الحمامات وبناء
المطبخ وقاعة الطعام الملحق بزنزانات الأحكام الخفيفة حيث يبيتون. كانت
تترنم بلحن أغنية قديمة لم تحفظ أبداً كلماتها لتحجب عن ذهنها صوت قراءة
القرآن المنبعث من مكبرات الصوت المتدلية من السقف في طريقها وهي مقاومة
تدربت عليها وأتقنتها في سنوات رعايتها الطويلة لزوجها الراحل الذي كان
الشلل قد خرب عقله وجعله يردد كلمات بعينها آلاف المرات ليلاً ونهاراً
بلا توقف. جَفَلت عندما رأته فجأة واقفاً أمامها ضاماً يديه الى صدره مثل
صنم. هتفت بلا وعي”يا شيخ آدي” ثم تذكرت فوهات البنادق وعقوبات التلفظ
بأسماء رموز الشرك التي رددتها حُذام في كل درس مثل ببغاء وتؤدي جميعها
الى الموت فقالت مصححةً وهي تنظر في الأرض: ” يا الله “.

” تركتم حجرتي بلا تنظيف هذا اليوم ؟ “.

ردت متلعثمة:” نظفوها لك في الصباح الباكر”.

” لا تناقشي أيتها السبية. نظفيها بنفسك الآن وعلى الفور. أريد أن أراها
جاهزة بعد ساعة”.

” أمرك سيدي أبو عائشة “.

رجعت نديمة من ذات الممر جارةً خطواتها الثقيلة ومستبدلةً لحن الأغنية
التي لا تعرف كلماتها بسباب وشتائم لزميلاتها اللواتي ورطنها بأعمال
إضافية بسبب تقاعسهن. انعطفت صوب الحمامات وأخذت من هناك أدوات التنظيف
ودلواً فيه قليلُ من المياه ثم سارت تندب حظها العاثر عبر الممر الطويل
الموحش المنتهي بحجرات نوم القادة. خف صوت القرآن تدريجياً ثم لم تعد
تسمع بوضوح سوى أصوات أنفاسها المتعبة وجلبة المياه في الدلو المعدني
وقرع نعليها على بلاط الممر المتفاقمة عتمته كلما اقتربت من حجرة أبو
عائشة العفري.

كان الباب موارباً فدفعتهُ برجلها مبقيةً جسدها وما في يديها عند
العتبة وفتشت بأصابع يدها اليمنى في الظلام متحسسة الجدار من الداخل عن
زر المصباح فأشعلته ودلفت لتجد أمامها السرير الخشبي ذا الغطاء الأحمر
مرتباً والأحذية في مكانها والأرضية ملتمعة وسلة المهملات فارغة ولا شيء
يوحي بإهمال تنظيف فساورها شك في تواجدها بالحجرة المقصودة فقد عانت تلك
الفترة مما وصفته في اعتراف ليلي لفيروز بالخرف المنتقل إليها من والدتها
وجدتها وعلاماته الكبرى نسيانها الكثير من الأحداث المهمة في حياتها
وقضائها ساعات من الشرود في محاولة تذكرها وقيامها بغسل الثياب نفسها
مرتين وأحياناً دون إضافة مسحوق الغسيل لتظل روائح العرق الرجولي في
الثياب. وحدث أنها اكتشفت وجودها ولمرات عديدة في دورة المياه دون حاجة
فعلية لكنها لم تخبرها أبداً عن المرتين اللتين استفاقت فيهما في
الزنزانة لتجد نفسها سابحة في بولها. ابتسمت عندما تذكرت ذلك وقالت
ممازحة شبح كَلي:

“كنت سأخبر الجميع أنك من فعل هذا إن علموا بالأمر. لا باس أنا أمك الآن”

والتفتت لتغادر بحثاً عن الغرفة الصحيحة غير أنها صعقت بجسد أبو عائشة
الضخم قد سد الباب ناظراً إليها بِأجفان مرخية ويده على مقبض الباب.
أرجعتها الصدمة الى الخلف خطوتين فتعثرت بالسرير وسقطت على حافته ثم
انكبت على وجهها مرتطمة بالأرض.

سَمِعته يقول وهي تنهض مستندة بالسرير:

” هل رأيت بنفسك، هنالك شيء لم يتم تنظيفه بعد”.

دارت الحجرة بنديمة بسبب نهوضها السريع فاستندت بكتفها على الجدار. قالت بلا وعي:

” سأنظفه الآن”.

أغلق أبو عائشة الباب وقلب المفتاح في القفل مرتين ثم جره ملتفتاً
برشاقة على قدمٍ واحدة الى نديمة التي كان الفزع قد جمدها. تقدم نحوها
قائلاً وهو يداعب لحيته:

” إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يُحب أن تؤتى عزائمه”.

لم تفهم شيئاً مما قال لكنها أدركت من غلق الباب وحركاته المخيفة انه
يريد بها سوءاً. قالت بعربية ركيكة:

” حجرتك نظيفة ماذا تريد مني؟ “

فقال مادا يده الى عضوه:

” نظفي هذا”.

لطمت صدرها ثم وجهها وقالت متوسلة:

” أقبل رجليك أستر عليّ فانا امرأة عجوز، انظر الى شعري أنه أبيض. دعني
أذهب أرجوك”.

أثاره صدرها المترجرج حين أسرعت نحو الباب فدفعها لتنحشر في الزاوية بين
الجدار والسرير. كَور يديه ووضعهما على صدره مشكلاً نهدين، حركهما يميناً
ويساراً:

“أنت ناضجةٌ مثل موزة وسأقشرك اليوم”.

تخلت عن تحوطاتها الدينية عندما رأته ينزع سترته العسكرية وبدأ يفك
أزرار قميصه الأسود ولاح شعر صدره فاستنجدت بطاووس ملك وما كان بمتناول
بالها من أسماء الصالحين وتذكرت تعليمات السبي والرقاب التي قرأتها حُذام
فقالت بعجل منبهةً إياه على الخطأ الجسيم الذي يكاد يقترفه:

“أنا أم لطفلة صغيرة”.

“تقصدين عمتها” قال أبو عائشة العفري، وألقى القميص بطريقة مسرحية على
السرير ثم أمسكها من رقبتها وجرها إليه دون أن تمنحها الصدمة فرصة
للمقاومة:

” فيروز ونعام وكَولي. ماتت أمهن بائعة البصل بنوبة قلبية وقبلها بعدة
سنوات أعدم أخواننا في الموصل أباهم الذي هو شقيقك بسبب سعيه في الأرض
فساداً ببيع الخمور التي حرم الله. وزوجك المصاب بشلل كامل توفي قبل
أشهر”.

استجمعت قواها وحاولت التخلص من قبضته وأخذت تصرخ مستغيثة، فقربها من
وجهه حتى لامست لحيته الكثيفة ذقنها وسألها:

” هل كانت لديه أعضاء غير مشلولة أم انه كان يستخدم فمه فقط ؟ “.

سحبها من خصرها بيده الأخرى فالتصقت بجسده وصرخ في أذنها:

“نحن خلفاء الله على هذه الأرض ونعلم صغيرها وكبيرها. وأنا من يأمر وينهي
في هذا السجن وأنت ملكي وسأستمتع بك كما أشاء أو أقتلك إن أردت دون أن
يجرؤ مخلوق على منعي. فوفري صراخك لما سأمنحك إياه الآن من لذة بعد طول
حرمان”.

ضربها بباطن قبضته على رقبتها من الخلف بقوة ودفعها على السرير فانهارت
متدحرجة عليه واستقرت على ظهرها غائبة عن الوعي. مال فوقها، تحسس بأصابعه
صدرها الناهد من فوق الثياب ثم مد يده الى أسفل بطنها معايناً بنحو مادي
غنيمته. تسارعت أنفاسه وهو يقول قبل أن يطبع قبلته الأولى على رقبتها
الدافئة:

“بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيطَانَ، وَجنِّبِ
الشَّيطانَ ما رزَقْتَنَا”.

الرواية هي الثالثة لـ نوزت شمدين، صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات
والنشر_بيروت بـ 284 صفحة.