“مزمور التُرابِ” قصيدة للشاعر العراقي يحيى الشيخ

عمل فني للرسام العراقي يحيى الشيخ
من مخطوطة “الغايات”

فَرَشتُ لغتي على الأرضِ،
وركعتُ،
ألِفَ الترابُ فمي،
من يكفِلَني… بذنُوبي؟

أنا أبنُ اليتيمةِ،
ما فَتِئْت سدرةُ جدِها تُطعمُ الإنسانَ والأنعامَ،
وتُعَرّفُني سبلي،
ليسَ في الموتِ… ما يُذكرُ غير الحياةَ.

أما أنا فقد سقيتُ الأرضَ،
بماءِ مَشيمَتي وصُراخي،
فباركَني النهرُ،
ونبُتتْ نخلتي،
مِظَلّتي… ضبابُ المياهِ وظلامُ الغمامِ.

قليلٌ من الوعظِ،
كثيرٌ من التواضُعِ،
ونعمةٌ فائضةٌ من رطبٍ جنيٍ،
على حَصِيرتي.
ليس في الشكرِ ما يبطلُ الكلامَ.

خطأً اعتقدتُ؛
أن المجدَ للإنسانِ وحده؛
صانعُ العجلةِ، والقلمِ، وأغاني الحربِ.
في مستوطنةِ النملِ،
بين الأشجارِ المتآخية،
فوقَ انسجةِ التفسخ،
تحتَ أعشاشِ الغربانِ الهوجاء،
تبدّد اعتقادي،
مثل وثني ظهر له الرب بغتة،
رمى بوجهه نظام الأشياء:
نظام التكافل السرمدي.

ليس لهذا وحدُه،
آمنتُ بنظامِ الأشياءِ الصريحِ،
بل، مذ كنتُ فكرةً ساذجة في الطينِ،
لعبةً في الكُور،
حبراً تحت الأظافر…
كَفِلتُ هذا الكونَ… وربَ الكونِ.

كَفِلتُ طيف الألوانِ اللانهائي،
ورياحَ الأرضِ،
ليلَها ونهارَها،
نساءَها ويتامى البارود،
وكَفِلتُ الموتى،
وما هبّ… وما دبّ،
والنجمَ القطبي في مدارِه،
وطيراً لا يعرف داره،
كَفِلتُ التنورَ والتبنَ والروثَ،
ورائحةَ الطحينِ في كفِ امي،
كَفِلتُ حناءً باتت ملفوفة في خرقة،
مخضبةً بالحلمِ،
كَفِلتُ سربَ الوزِ في السواقي،
الشبوطَ في الشبكة،
الماءَ في قربةِ طلعِ النخيلِ،
القنافذ في حَجْري،
كَفِلتُ البراري والمقابر، وجحور الأرانب،
القارَ على أضلاع الزوارق الرشيقة،
كَفِلتُ صُنّاعها المندائيين؛
قومٌ يغسلُ أنبياؤهم اقدامَ الفقراءِ،
كَفِلتُ الأنهار … بلا أسماء.

منذ “أور” مازال البرديُ يمنحَنا لقاحه الأصفر،
منذ الفجر، قطعان الجاموس في الاهوار،
تنتظر كلكامش يعود مندحراً.

بلا منةٍ،
أكفِلُ الرعشة في رقاب المذبوحين من قومي،
ومن غير قومي.

ألقي لغتي على الأرضِ،
ليس تواضُعاً،
بل شَغَفاً بالتراب،
واعترافاً بأمومته،
وأركعُ.

أركعُ للمرأةِ/اللَبّوَةِ المفعمةِ بالحكمةِ، الفخورةِ بالحَلَمَةِ،
التي تكفِلُ الرجلَ من الموتِ،
وتُرضِعُه.
أركعُ للنظرةِ الأخيرةِ… في عينِ الشاةِ قبل الذبحِ،
للرضيعِ ينامُ الحليبُ في شدقيّهِ،
لخطوتِهِ الأولى في ساحةِ المعركةِ الأبديةِ،
معركةِ الحياةِ بلا معنى.

لا نملكَ ما نقولُه في النهايةِ،
فليسَ هناكَ ما يستحقُ أن يُقال،
أهمُ مما نقولُه الآنْ.

كما كَفِلتُ يدي،
كَفِلتُ بلاداً جائرة ذبحتني،
وما زلتُ أُسمى باسمِها… عراقياً.

رسام وكاتب عراقي مقيم في النرويج
alsheikhyahya@gmail.com