قصتان قصيرتان للكاتب الأميركي جيمس ثيربر ترجمة ماجد الحيدر

James Thurber Kikah ة
جيمس ثيربر James Thurber

جيمس ثيربر (1894-1961) مؤلف، رسام كاريكاتوري، كاتب فكاهي، صحفي، وكاتب مسرحي أمريكي ذائع الصيت. نشر الكثير من أعماله في مجلة “النيويوركر” وجمعها في العديد من كتبه. كان واحداً من ألمع الكتاب الساخرين في زمانه، حيث ركز على تصوير حالات الإحباط وخيبات الأمل وغرابة الأطوار لدى الناس العاديين. كتب –بالتعاون مع إليوت ناجت- المسرحية الكوميدية الشهيرة (الحيوان الذكري) التي عرضت في مسارح برودواي وتحولت عام 1942 الى فلم سينمائي قام ببطولته هنري فوندا وأوليفيا دو هافيلاند. أما قصته القصيرة (الحياة السرية لوالتر ميتي) فقد وظفت للسينما مرتين (1947) و (2013)

(1)

الفَراش والنجمة

يحكى أن فَراشاً يافعاً مرهف الحس تعلق يوماً بإحدى النجمات. وعندما أخبر أمه بذلك نصحته بأن من الأفضل له أن يتعلق بمصباح الشارع. ” النجوم ليست أشياءً يمكن التسكع حولها” قالت له، وأضافت “المصابيح هي ما يستحق أن تحوم حولها” وأردف أبوه “إن فعلت هذا فسوف تتقدم في حياتك. لكنك لن تفوز بشيء إذا طاردتَ النجومً”
غير أن الفراش لم يعر اهتماماً لكلمات أي من والديه. كان في كل مساءٍ، وما أن يحل الغسق وتبدأ النجوم بالظهور، يشرع بالطيران صوبها ليعود الى البيت زاحفاً في الصباح وقد انهكت مغامرته الفاشلة قواه. في أحد الأيام قال له أبوه “أنت لم تحرق جناحا واحدا من أجنحتك طوال أشهر، وأظنك لن تفعل يا فتى. كل أشقائك أصيبوا بحروق بليغة وهم يحومون حول مصابيح الشارع وكل شقيقاتك سفعن أجسادهن وهن يطرن حول مصابيح المنزل. هيا، أخرج من هنا حالاً وأحصل لنفسك على سفعةٍ ما ! يا للعار، فراش طويل عريض مثلك ولا أثر لحرقٍ على جسمه!”
غادر الفراش بيت أبيه، لكنه لم يطر حول مصابيح الشارع، ولم يحم حول المصابيح المنزلية، بل شرع من فوره بمحاولة بلوغ تلك النجمة، النجمة التي تبعد ثلث سنة ضوئية، أو خمسة وعشرين ترليون ميلا، لكن الفراش كان يظنها عالقة بين الأغصان العالية لشجرة الدردار. لم يبلغ أبداً تلك النجمة، لكنه واصل المحاولة، ليلةً بعد ليلة، وعندما صار فراشاً عجوزاً، عجوزاً للغاية، أخذ يؤمن بأنه قد وصل اليها بالفعل وطفق يحدث الآخرين بذلك. منحه هذا متعةً عميقة مديدة، وعاش حتى بلغ من الكبر عتياً. أما والداه وأخوته وأخواته فقد هلكوا جميعاً محترقين وهم لما يزالوا في ريعان شبابهم.
المغزى: من يطر بعيداً عن نطاق أحزاننا سيكون ها هنا، اليوم وغداً.

(2)

البوم الإله

في منتصف ليلة ظلماء غابت عنها النجوم كان ثمة بوم جاثماً على غصن شجرة بلوط. حاول زوج من جرذان الخلد الأرضية أن ينسلّا بهدوء دون أن يلحظهما.
-“يوو!” صاح البوم.
-“مَن؟” أجابا وهما يرتعدان من الخوف والدهشة لأنهما لم يصدقا أن في مقدور أحدٍ أيا كان أن يراهما في هذه الظلمة الحالكة.
-“يو توو!” صاح البوم من جديد. (1)
أسرع الخلدان بالفرار وأخبرا بقية مخلوقات الحقل والغابة بأن البوم أعظم الحيوانات وأكثرها حكمة لأنه قادر على الرؤية في الظلام والإجابة على أي سؤال.
-“سأتحقق من الأمر” قال طائر السكرتير (2) ثم مرَّ على البوم في ليلة شديدة الظلام كسابقتها وسأله “كم مخلباً أحمل؟”
-“توو” قال البوم، وكان مصيباً.
-“هل يمكنك أن تعطيني عبارة أخرى لقولنا (بمعنى) أو (تحديدا) ؟” سأل طائر السكرتير.
-“تو وِت” ردد البوم.
-“ولماذا ينادي الحبيب حبيبه؟” سأل طائر السكرتير.
-“تو وو” قال البوم.
أسرع السكرتير عائداً الى بقية الحيوانات وأخبرهم بأن البوم هو حقاً أعظم الحيوانات وأكثرها حكمة على وجه الأرض لأنه قادر على الرؤية خلال الظلام والإجابة على أي سؤال.
-“وهل يمكنه أن يرى في ضوء النهار كذلك؟” سأل ثعلبٌ أحمر فانبرى سنجاب زغبي وكلب بودل فرنسي ليرددا صدى السؤال “حقاً. هل يمكنه أن يرى في ضوء النهار كذلك؟” ارتفعت عقائر الحيوانات كلها بالضحك من هذا السؤال السخيف ووثبوا على الثعلب ورفيقيه وطردوهم من المنطقة برمتها ثم بعثوا رسولاً للبوم ورجوه أن يكون قائداً عليهم.
عندما ظهر البوم وسط الحيوانات كان الوقت ظهراً والشمس ساطعة. تبختر في مشيةٍ وئيدة مما منحه مظهراً من الأبهة العظيمة، ثم نقّل النظر فيما حوله بعينيه الكبيرتين المحدّقتين مما أضفى عليه مسحةً من مهابةٍ لا تضاهى.
-“إنه الإله!” صاحت دجاجةٌ ما وعندها ردد الباقون الصيحة “إنه الإله!”. وهكذا صاروا يتبعونه أينما توجه، وعندما شرع يتخبط بالأشياء ويصطدم بها راحوا هم أيضاً يتخبطون بها. وأخيراً وصل الى طريقٍ عامٍ مبلطٍ بالإسمنت وتبسمر في منتصفه فحذا الآخرون حذوه. بعد هنيهةٍ لاحظ صقر كان يقوم بدور الفارس المواكب لجلالته أن ثمة شاحنة تتقدم نحوهم بسرعة خمسين ميلاً في الساعة فنقل الأمر الى السكرتير الذي نقله بدوره الى البوم.
-“هناك خطرٌ داهم” قال السكرتير.
-“تو وِت؟” قال البوم.
-“أعني ألستَ خائفا؟” سأل السكرتير.
-“هوو؟” قال البوم، لأنه لم يكن قادراً على رؤية الشاحنة.
-“إنه الإله!” صاحت كل المخلوقات من جديد، وكانوا ما يزالون يصرخون “إنه الإله!” عندما صدمتهم الشاحنة وسوّتهم بالأرض. صحيح أن بعض الحيوانات قد جرحوا فقط، لكن أكثرهم، وبضمنهم البوم، صاروا في عداد القتلى!

المغزى: يمكنك أن تخدع الكثير من الناس.. للكثير من الوقت!

(1) تقوم طرافة القصة على التشابه بين الأصوات الطبيعية التي يطلقها طائر البوم وبين بعض الكلمات الانكليزية: فصوت (يو) يطابق كما هو معروف كلمة (you) أي (أنت) وصوت (هوو) شبيه بلفظة (who) بمعنى (مَن) وصوت (يوتوو) يطابق عبارة (you two) بمعنى (أنتما الاثنان) وصوت (توو وِت) شبيه بتعبیر (to wit) بمعنی ( يعني أو بعباره‌ أخری) وصوت (تو وو) شبيه بتلفظ المصدر (to woo) بمعنى (أن يتودد لامرأة أو يطلب ودها)

(2) طائر أفريقي كاسر ذو ساقين كساقي الكركي وجسم يشبه الصقر.

ماجد الحيدر: شاعر وقاص ومترجم من كردستان العراق. ولد ببغداد عام 1960. يكتب ويترجم بالعربية والكردية والانكليزية. أصدر العديد من المجموعات الشعرية والقصصية والترجمات.
majidalhydar@yahoo.com