سيف الرحبي: كرة القدم المقهى ولذّة اختراق المحرّم

سيف الرحبي كيكا 16
سيف الرحبي Saif Al-Rahbi

“اذا كان الإنسان يبحث عن أسرار الطبيعة، فلن يعثر إلا على مرآة ذاته”.. يذكرني هذا القول لماكس ارنست، وأنا أوغل بنزهاتي اليوميّة في الدغل والغابة والحديقة. متخففاً وهارباً من أثقال العالم ومجازره، ولو إلى حين، يذكرني برسومات، ذلك الفنّان الذي تخيله بورخيس في إحدى قصصه، وهو موغل في رسم خرائط الكون، في المتاهة اللامحدودة للوجوه والحيوات والأماكن.. وفي نهاية مطاف رحلة الخيال والمسافات التي قطعها والسنوات، يجد انه لم يكن يرسم إلا تضاريس وجهه وملامح هذا الوجه الغريب..
طائر ينقض على فريسته في البحيرة التي يسبح فيها البط والأوز وسائر مخلوقات الله في هذه الظهيرة القاتمة التي تبشرُ بمطر وشيك على عكس أحلام (الخواجات) أصحاب المكان الحالمين دوماً بطقس مشمس يتعرون تحت سطوته بحريّة كاملة..
تبحر مواكب الطبيعة في هذا البلد الشمالي، كي ترضي بدوياً مثلي لوّحته شموس الهاجرة الجنوبية، حتى الجنون والعُصاب، تبحر بالمطر والضَباب والغابات..
أواصل المشي بين السرعة والبطء التأمليّ طاوياً مسافات لا بأس بها في أنحاء الغابة بمحاذاة البحيرة الشاسعة أحس برغبة التوقف والاستراحة، ألمح كرسياً من بعيد على حافة الماء، أتجه نحوه، وقبل أن أجلس شدتني تلك الشجرة المتدلية الغصون والأوراق الهائلة بكثافتها، شجرة الصفصاف الباكية، والتي غالباً ما تعرّش حول الأنهار والبحيرات بما يشبه التوحّد والحلول، بين الشجرة شآبيبها الحاضنة للمياه والفضاء والمحيط، صرتُ أطوف حولها عدة مرّات مثل طواف البدو الرُحّل حول أشجار (الغاف) قبل أن يحطوا الرحال في ذلك الفضاء الصحراوي المترامي، مُوقدين نارهم بعد ترحال طالَ أمدُه..
الشجرة الباكية (ويللوتري) على نحو ما تشبه شجرة الغاف وتُذكر بها، إلا أن الأولى متدلية الأغصان كخيوط دموع منسكبة في مجرى المياه السرمدي..
تهاويتُ على الكرسي لاستراحة عابرة، لكنني فوجئت بأنني أغطس في فضلات البط والطيور الأخرى، وبرازها، حيث الخضرة تستبد بالألوان حتى براز الطيور أخضر وكذلك الكرسي جزء من نسيج المحيط.
نزلت إلى بساط العشب لأنظف ما يمكن تنظيفه.. فأمامي مسافة أقطعها حتى أصل إلى المنزل الذي استأجرناه من التاجرة الهندية أمام الحديقة.. وفوجئت أيضا وأنا أفتش في حقيبة الكتف، أن زجاجة الماء اندلقت على مسودات أوراق كثيرة وحزنت، لكنني واصلت الجلوس محدقاً في البحيرة وأشجارها الدامعة الباكية..

***
لذة المحرّم تبدأ بعالم الأطفال التلقائي البريء، ولا تنتهي بالفرزدق وأندريه بريتون. هذا الصباح اصطحبت ابني (ناصر) إلى الحديقة هروباً من اشتباك دامٍ مع أخيه.. أخذنا نتجول في أنحائها، زواياها وممراتها وردهاتها المأهولة بتماثيل لملوكٍ وقادة غابرين… وهناك ممر عشبي صغير مليء بأنواع الورود، وهو لا يشكل من فضاء الحديقة إلا الهامش أو أقل منه مساحة. هذه المنطقة الصغيرة مكتوب حولها تنبيهات بعدم المشي فيها أو اللمس والاقتراب، على عكس مجمل الحديقة بهوامشها ومتونها التي لك أن تمارس فيها حريتك الواسعة.. وتلك المنطقة بمثابة فضاء للبيوت التي يقطنها عجائز ومعوقون.. (… نحن لنا بهاء الفردوس المُرتجى).. على رغم سعة الحديقة أخذ ناصر في اقتحام المنطقة الممنوعة تاركاً فضاء الحديقة الشاسع، المرة تلو الأخرى أحاول منعه من دخول تلك المنطقة، وهو لا يفتأ فيما يشبه الهياج، يحاول اختراقها واللعب فيها، حتى انتقل الاشتباك الذي تفاديتهُ مع أخيه بيني وبينه والذي لا يمكن فضّه إلا بالعودة إلى المنزل القريب أو الانتقال إلى مكان آخر.. فهذه اللحظة اتخذ لا وعي الطفل قرار حريته الخاص مع المكان والقوانين ومعي..
منطقة جذْب وإغراء دائما هي المناطق المحرّمة، خاصة لدى الأطفال والشعراء والفنانين.
وكذلك بالطبع أهل المعرفة الفلسفية والعلمية رغم صرامتها. وإلا لم يمض العقل والخيالُ البشريان إلى هذا المستوى من الرقي والابتكار، لو ظلّ على الثابت والمستتب عبر القرون. أهل الأدب والفن لا يفعلون في صنيع الإبداع والجمال إلا استعادة فوضى الطفولة تلك، جموحها وانطلاقها وحرية أحوالها اللامحدودة يحاولون استعادتها استعادة عبقريّة حسب العبارة البودليرية، او غير العبقريّة ، كل حسب ما قُدّر له من قراءة وموهبة وإدهاش خيال.
أتذكر أثناء إقامتي القصيرة في العاصمة الانجليزية حسب ما أشرت في الفصل الأول، متأثراً بقراءتي للأدب السوريالي خاصة، كانت لي مقالة أو زاوية أسبوعية في مجلة «أوراق» بعنوان (المنطقة المحرّمة) استمرت حتى بعد مغادرتي لندن فترة غير قصيرة لا أعرف إلى أي مدى مارست فيها لذة المحرّم، لكن لا بد أن في ذلك العمر المبكّر حصل اختراق ما… اختراق المحرّم في الأدب، ربما لايرتبط بعمر بعينه، لكن حساب الزمان والمكان وارد، ويرد أيضا الاختلاف لنوع وتجلّي ذلك المدعو، اختراق المحرّم والمحضور لنسق التقاليد والعادات المهيمنة، أو الجرأة في ارتياد آفاق جديدة يحلم بها الكاتب والفنان.
***
سلاماً أيتها الشجرة، يتجدّد جلالك كل صباح مع هبوب الرياح بأمطارها، دورة الفصول التي تَهب نسغك البهاء، النَضارة والجمال.
***
هذه الزجاجة المقذوفة وحيدةً بين الأشجار بعد أن أُفرغت البارحة (السبت) في جوف رجل وحيد، امرأة وحيدةً تنام مع شبح الزوج التائه في الحروب.
***
ألعب كرة القدم مع الأطفال، أستعيد خيط ضوء لطفولة غاربة.. دائما تبقى كرة القدم هوايتي الوحيدة من بين الرياضات الأخرى.
جمالية المشاهدة في جماليات متونها العالميّة خاصة. فإحساسك بأنك جزء من هذا الكرنفال الكوني، وأنت قابع في غرفتك نصف المضاءة أمام الشاشة في صقع ناءٍ، يزيح عنك بعض العزلة التي تربط ذاتك على صخرتها الأزليّة، حين ساءت أحوال الطقس والجماعة وانْسللتُ تدريجياً من حلقاتها المدمرة للأعصاب والروح.
من منا في طفولته لم يجربْ كرة القدم، على الرغم من قسوة أجواء تلك الطفولة بشح المعيش وضيق الحال، كانت حرّة طلِقةً في تلك السهوب والشواطئ والوهاد. الكرة الشراب حسب التعبير المصري في الأحياء الشعبية الفقيرة، في عُمان يطلقون على الكرة اسم (التوفة) مثل (الطابة) في بلاد الشام.
من منا لم يجرب لعب كرة القدم على اختلاف أشكالها الدائرية.. في القاهرة كنتُ مشجعاً لنادي الزمالك دون الأهلي على الأغلب مثل بقية الوافدين إلى مصر، كان تشجيعهم للزمالك أكثر.. مرة دفعني شغف التشجيع للذهاب وحيداً من حي (الدقّي) متشعبطاً على سطح الباص المكتظ بالركاب، إلى استاد ناصر بمدينة نصر. وحين وصلت دخلت في ذلك الخضمّ البشري الهائج، لا أعرف أين أتجه؟ ومن هم مشجعو الزمالك حيث اختلط الحابل بالنابل كما يُقال. والشرطة الراجلة ومن هم على ظهر الخيول يطاردون الناس على غير دليل، وهدى يخبطون بالعصيّ هنا وهناك، قيامة بشريّة من الفوضى والجري على غير اتجاه وجدتُ نفسي في حيرة من أمري تائها بين الحشود أنى هربت، حتى اتجه خيّال بقامة فارعة وعصاً طويلة نحو الكتلة البشرية التي كنت محشوراً بينها، يهوي بعصاه أنى اتجهت وانقضّت، حتى أصابني نصيبي، ضربة قاصمة طوّحت بي إلى ما يشبه الغيبوبة والدوران، بعد أن لملمتُ أشلائي إثر ضربة العصا القويّة، عُدت إلى البيت.. ولم أذهب إلى أي استاد لتشجيع الفريق الذي أحب، حتى حلت صدفة أخرى، حين سكنت لفترة قصيرة في حي العباسية قريباً من معهد البعوث (المدرسة الاعدادية والثانوية) وكانت الشقة التي سكنتها مع زملاء، من مصر قدموا من قرية قريبة من طنطا، أحدهم اسمه محمد والآخر قطب ونسيت اسم الثالث، إذ في ظل منحة عشرين جنيهاَ في الشهر لابد من اقتسام السكن مع آخرين.. كان الزملاء أهلاويّة، وحين أزف موعد (الكلاسيكو) المصري قرروا الذهاب إلى الاستاد القريب من حي العباسية.. ذهبت معهم ، لم تكن هناك صعوبات تذكر، حين تمركزنا في المقاعد المخصصة للأهلاوية.. بدأ اللعب ، وبدأ التشجيع ، والصراخ والشتائم الحادة بين مشجعي الفريقين العتيدين.. وجدت نفسي مضطراً للإفضاء بسري، إلى الزملاء (يا جماعة أنا زملكاوي مش أهلاوي)..
همسوا في أذني بعصبيّة، (اخرس) وإلا حلت بك وبنا المصيبة، يا نهار إسود..
***
ثلاثة أحداث في هذه الفترة استولت على وسائل الإعلام والرأي العام : دهس المئات في الجنوب الفرنسي بمدينة (نيس) المتوسطيّة من قبل شاب تونسي معتوه أو متطرف، وانقلاب مجموعة من الجنرالات في الجيش التركي، على الوضع الدستوري في بلادهم وفشله ، ساحباً وراءه أمواجاً من التحليلات والتكهنات كعادة أحداث مفصلية في هذا الشأن.. وتفجير مركز تجاري في ميونيخ، من قبل شاب ينحدر من أصل إيراني.. هل يعتبر اجتماع الجامعة العربية في نواكشوط حدثا، أم فقاعة تبتلعها دوامة مياه الحنفية مثل بنات جنسها ملايين الفقاعات الفارغة؟.
ما يخص أحداث التفجيرات والقتل الفردي والجماعي، ليست بحاجة لعناء التحليلات والاحتمالات فداعش جاهز أو جاهزة. دائما على الخط وحسب الطلب، وليس على المعلقين والساسة الذين يحتلون الشاشات بمختلف أحجامها، إلا سكْب سائل الكلام في القوالب الجاهزة.
الحديقة فاتحة أبوابها على مدار الأربع والعشرين ساعة، وهي العتبة الأولى للولوج إلى حدائق وغابات كثيرة في روعة هذا الطقس. ولَمنْ قدم من تلك القفار، في الجزيرة العربيّة أو شبيهها، والشعاب والمولات، مَن انحدر مِن تلك الذاكرة الشقية، يعرف قيمة اللحظة طقساً عليلاً وحرية شاسعة تندمجان في وحدة روحيّة كقيمة جماليّة عليا.
عمال القمامة ما زالوا يجمعون أشلاء الليل من علب وقنانٍ فارغة، المرأة المميزة مع كلبها، لم أرها منذ أيام ، تتنزه وحيدة كعادتها، تلقي التحيّة بالصوت والإيماءة وتمضي مثل البشر العابرين .. في هذه الفترة من غيابها ، فكرتُ أن مرضاً ما أقعدها في المنزل المسوّر بحديقة يانعة، زكام حاد أو مرض آخر، أو ربما ذهبت إلى عائلتها للزيارة في مدينة أخرى. هي الوحيدة دائما عدا الكلب الصغير ، مؤنسها في ليل العزلة الريفيّة .. مُطلّقة أو انها مثل كثيرات في أوروبا ، لم تر في الزواج طريقا يجلب السعادة والأمان ، فاختارت العيش على هذا النحو من انتظار اللامتوقع بدهشته ومسراته، وبمرارة الانتظار أيضا..
زجاجة الأمس الوحيدة الفارغة التي لم يحطّمها شاربها في العطلة الاسبوعية، ما زالت تنتظر جامع القمامات، لتواصل مسيرتها إلى مجهول آخر ، وهي في هذا ليست أسوأ، من خط مسيرة الحياة البشريّة ، إذ أن المصير الغامض هو القاسم المشترك لجميع الكينونات الناطقة والصامتة المولودة بمختلف أعمارها، وتلك التي لم تولد.
***
في الشرفة الخارجيّة للمقهى أي مقهى، اذا كان مفتوحا على شارع المارة، عابرين بوتائر مختلفة، سريعة، بطيئة محتارة، أو تلك التي حسمتْ طريقها نحو الهدف الذي رسمتْه الأحلام والطرق..
في الشرفة الخارجية، تشعر أنك أقرب إلى الأفق المفتوح، على الصدفة والمفاجأة، على اللامتوقع البشري والطبيعي. رب حدث مفاجئ يغيّر مسار حياتك أو يطوح بها إلى فصل جديد كل الجِدّة يصل إلى المصير الحاسم . وإن لم يكن كذلك فقراءة كتاب جيد في الشرفة تكون أكثر صفاء وتركيزاً، تسترق النظر بين الصفحة والأخرى إلى المشهد المحيط، بحيث تنزاح القراءة وتثري بعضها كتاباً وحالة مشهدية واقعية تتعدد احتمالاتها ورؤاها. المرأة المسرفة في الإشراق، تمضي في الكتاب كما هي أمامك، فريدةً، حتى تكاد تضيع في الزحام أو تذوب في هباء المغيب. العازف المتجول يتردد صدى موسيقاه العذبة في الشارع والمخيلة. مغني (التربادور).. لم يبق من هؤلاء الجوّالين الذين يحملون الجَمال والآلات الموسيقية بكلابهم متسكعين بين الدروب والمدن. لم يبق من مجدهم الغابر، إلا أطياف تعبر بين الحين والآخر..
وحين تكون في «المغتربات» تجلس في شرفات المقاهي، يكون من هواجسك مرور أحد الأصدقاء والوجوه التي أحببت وألفت قبل أن ينعق غرابُ البين- كما تقول العرب- وتغادر إلى البلاد البعيدة. مع الأيام بالطبع، يخفت هذا الهاجس وان لم يختف ويتلاشى بالكامل.
وإذا تواتيك الفرصة وتكون أول زبائن المقهى في الصباح الباكر، ترقب ولادة مشهد الحركة بانبثاقاتها وتموّجاتها الأولى، إلى أن تكتمل وتستوي، ستفوز بوليمة باذخة من الرؤية والرؤيا.. من هذا الركن تدرك أن غياب المقهى من حياتك هو غياب لعنصر جوهري في إنعاش خيال الكتابة والذاكرة والحياة..
شرفات المقاهي الخارجيّة، جنّة، المشهد والذكرى وجحيمهُ أيضا.
***
غياب عنصر جوهري، هو غياب المقهى، في كل الأمكنة والبلاد، الأحياء الراقية حسب التوصيف، والمتوسطة والشعبيّة. في البلاد المتحضرة المضاءة بنور المعرفة والحريّة، والمتخلفة التي تمتلئ مقاهيها دائما بالعَسس الواضحين منهم والمندسين تحت ملابس وأقنعة ليست لهم، يتواجدون في المقاهي غالباً التي ترتادها النُخب الثقافيّة والفكريّة.. ولا تألو جهداً أن تلاحظ شخصاً أو أكثر يتوزعون على كراسي، في أيديهم أقلام وأوراق وكتب، على الطاولات خافضين رؤوسهم أو رافعينها إلى أعلى في لحظة تأمل وشرود، في دور تمثيلي ينضح بالفجاجة، رغم انهم تدربوا عليه في المخافر قبل أن يدخل طور الممارسة والتطبيق، ممثلين رديئين أمام مخرج يتقن أدوات العمل والتنكيل داخل المقرّات السريّة المظلمة، هذا النوع من العسس الذي تمتلئ به المقاهي في البلاد العربية، يقومون بمهمات استثنائية لا يقوم بها أولئك المكشوفون للرّواد والنظارة. مثل ذلك الشاعر الذي أخذته الراحُ وأدارت رأسه بحركة او إشارة إلى صورة الرمز الزعيم القائد التي تحتل ركنا كاملا أمام الكاونتر الخشبي، في اللحظة نفسها انبرى المخبرون السريّون بأقنعتهم والأقلام في أيديهم ، ضرباً وإذلالاً ورفساً أمام أنظار الموجودين . فترة من الوقت استغرق مشهد التنكيل الذي لم يكن تمثيلاً على الإطلاق، اذ أن الدم سال غزيراً، الدم المرتجف للشاعر الذي نسي نفسه ومصيره أمام دوّامات العرق الماكر.
بعد هذا العرض الحيّ اختفى عامين كاملين، في حين داومت امرأته على حضور المقهى من غير أن تقول شيئاً عن أخباره التي اختفت تماماً.. وقد انتشرتْ الإشاعات في الوسط إياه ، بأنها كانت تُخبر عليه قبل مشهد الضرب والاختفاء في القعر المظلم. مما أكد الشائعة عند البعض، أن الشاعر المنكود حين خرج من سجنه ، كتب قصيدة هجاء مفزعة تجاه زوجته ، عبّرت عن تفجر ساحق الغضب لمُخان مظلوم.
المقهى مسرح بروّاده المتنوعين ونضّارته، مكان للصداقة والحميمية والحوارات التي تثري كيان الانسان وروحه، ومكان للقسوة والاشاعة ورعب الرقابة، في الحال العربي، ترمي إلى شلل الروح وتدميرها، المقاهي برهة صدق حقيقي ومعرفة، ترى فيها أنظمة الاستبداد والطغيان مساساً بكينونتها واستمرارها الهش المذعور في أساس تكوينه وبنيانه وان تدرّع بكافة دروع البأس وأقنعة السلطة بأنيابها الكثيرة الراعبة.
في البلاد الأجنبيّة الغربيّة لا تحمل المقاهي تلك الهواجس والحضورات، حتى ولو كان هناك بوليس بثياب مدنيّة، خاصة في هذه الفترة المضطربة، لا يلاحظ ذلك، على الأرجح تجلس بكثير من الحريّة المسنودة بقواعد وقوانين راسخة أو ما زالت كذلك.
يمكنك في شرفة المقهى ومن داخله في صمته وزواياه ، أن ترقب العالم تمضي تتأمله شعرياً وجمالياً، أطوار المقهى. جميعها تحمل شيئاً من إثارة ودهشة، تتجدد اللحظة والمشهد وتتغيّر الألوان والحضورات الواقعية، الخياليّة.
أن ترقب حركة الغرباء، مثلك والمقيمين بحيواناتهم، كتبهم وأجهزتهم في البرهة الحاليّة، إذا كان هناك رجل او امرأة، تقرأ في كتاب ورقي في زاوية المقهى أو شرفته، تكون أقرب إلى اللحظة الشعريّة، من القراءات الإلكترونيّة، والرقميّة… أن ترقب الغيوم تتوافد من حواف موج المحيط الأطلسي، إلى عرين سماء أنعمتْ على أهلها بصحو يومين أو ثلاثة، وها هي تعود إلى جِبلّتها القديمة الماطرة.
***
عبر زجاج المقهى، أرى النسوة في الخارج ، يتحلقن على طاولة، من أعمار مختلفة، جالسات واقفات، يتحدثن بهدوء وانفعال أحياناً، في صباح هذا اليوم النسوة على طاولة المقهى الذي يبدأ في الامتلاء تدريجياً.. عن أي شيء أو حدث تتحدث النسوةُ المرحات وقد طفحت وجوههن بالوعد والإشراقَ، عن سهرة البارحة ربما، مسألة عشق وزواج لزميلة في المكتب والشلّة. أشياء من هذا القبيل، وليس عن فلول الغضب والعنف المتطرف الذي أخذت حوادثه تتصاعد هذا الصيف، في الأنحاء الأوروبيّة، إذ أن سحنات الوجوه وحركاتها، لا تفصح عن حدث أليم..
في فيلم (برسونا) لانغمار برغمان الذي يبدأ بمشهد امرأتين في الغرفة المائلة إلى حمرة اللون القرمزي، تتحدثان بهمس صامت، وعلى المشاهد أن يخمّن نوع الحديث الحميمي بين امرأتيّ بلد الصقيع والحضارة (السويد) لا تلبث إحداهن أن تحط يدها على ظاهر يدِ الأخرى. تقترب الكاميرا الوقورة، لكن الفضوليّة في بحثها عن السريّ والخفيّ في نفوس البشر، النساء خاصة، من الوجوه الطافحةبالمشاعر، لكن من غير مرح وابتسام.. النسوة الانجليزيات المرحات لا أظن إنهن يتحدثن عن (سيلفيا بلاث) التي أدى بها القلق العاصف إلى القضاء انتحارا. (بلاث) التي كانت ترى، أن للـهِ نارين، نار العقاب والعذاب ، ونار السماء ، نار التطهر والجمال.
***
على الطاولة التي رُسم عليها علامة منع التدخين بالأبيض والأحمر والأسود، أجلس سارحاً في المارّة والأفق. المارة بعرباتهم، من عربة الأطفال، إلى عربات الشيوخ بعلامات الوَهن، والعجز الذي يستوطن الجسد على بوابة غروبه الوشيك..
يدخل رجل مع كلبه، يجلس على الطاولة المجاورة، دخوله يرجّ هدوء المقهى، قطعة العنف تتمركز قربي وتلتهم فضاء المقهى والطريق، بصمت مطبق وترقب حَذر، بينما الكلب البوليسي اتجه نحوي مباشرة من بين الزبائن. أخذ يشمشم من تحت الطاولة ويهوهو بنباح خفيف.. أنجز تعاليم صاحبه بحنكة ورويّة، ثم جثم إزاء الطاولة هادئاً وديعاً، انتقلت وداعته وطمأنينته إلى صاحبه، صاحب الهيئة العنيفة المتوترة، عرفت انه رجل أمن بلباسه المدني يطمئن على الوافد الغريب في هذه القرية التي يندر فيها السيّاح من خارج البيئة الانجليزية والأوروبية، كان الكلب المدرب وسيلته للكشف عما يرتاب فيه من أحزمة ناسفة ومتفجرات، في هذه الفترة شبه الاستثنائيّة في القارة الأوروبية والعالم.
العنف والتطرف بدأ بالانتشار فائضاً على بؤره ومناطقه المتشظّية بحرائق الحروب والإبادات، في بلاد الشرق العربي خاصة ، التي ترزح منذ سنين تحت أثقال هذا القدر التراجيدي العاتي..
بعد حملة التفتيش المحدودة التي قام بها الكلب المطيع، هدأ الثلاثة أبطال هذه المسرحية، أو بالأحرى هذا الاسكتش الصامت، واتخذت الحياة طريقها الطبيعي في غفلة من زبائن المقهى الذين لم يعرفوا شيئاً، ولم يلتفتوا إلى ما جرى. اعتبرتُ مثل السلوك البوليسي الذي من غير صخب ولا شوشرة، يؤدي مهامه، ذكاءً من البوليس الانجليزي (سكوتلنديارد) العريق على عكس البوليس الفرنسي الذي يسلك سلوكا صاخباً وفضائحياً حتى لمجرد الشك البسيط العابر. مثل ذلك اليوم من أواسط ثمانينيات القرن الماضي، حين كنت جالساً مع أصدقاء في مقهى تحت الشقة التي أسكنها والواقعة بشارع الشهداء (غودي ماغتيغ) حين شك في أشكالنا وهيئاتنا جرسون المقهى الجديد. وكانت باريس تعيش على إيقاع تفجيرات ارهابيّة من قِبل المدعو (جورج عبدالله) ومجموعته، حين داهمت المقهى كتيبة بوليسية، من عدة سيارات، دخل الضابط وعناصره المقهى متجهاً نحونا مباشرة. أمرنا بالوقوف ومن ثم فتشونا جسداً وملابس بدقة متناهية، طلبوا هويتنا، وكانت من حسن الحظ إقامتنا شرعيّة ولم تنته بعد كما في مرات كثيرة.. قال الضابط قائد الفرقة (مرسيه) وذهبوا.

* جزء من مقدمة نزوى في عددها الجديد وهو أيضاً من كتاب جديد.

سيف الرحبي شاعر عُماني، رئيس رئيس تحرير مجلة نزوى
nizwa99@nizwa.com