قصائد للشاعر الجبلطارقي ترينو كروث

Trino Cruz 1
ترينو كروث Trino Cruz

نحَّاتٌ يخْبِطُ ذاكرةَ الضبابِ

 

إلى محمد شكري

 

 

كلُّ السِّمات تضيقُ
وتنغلقُ
كلُّ الولادات تتوقفُ

كلُّ الأفواهِ تضيقُ
وتنغلقُ
كلُّ العباراتِ تتوقفُ

كلُّ الذّاكراتِ تضيقُ
وتنغلقُ
كلُّ الكائنات تتوقفُ

كلُّ الأنهارِ تضيقُ
وتنغلقُ
كلُّ التَّمارجاتِ تتوقفُ

كلُّ الجُسورِ تضيقُ
وتنغلقُ
كل الهُوَّاتِ تتوقفُ

كلُّ الرِّئاتِ تضيقُ
وتنغلقُ
كلُّ العِنَاقاتِ تضيقُ
وتنغلقُ
كلُّ الطَّعناتِ تتَوقفُ

كلُّ القلوبِ تضيقُ
وتنغلقُ
كلُّ الدَّماءِ تتَوقفُ

كلُّ المَدَاراتِ تضِيقُ
وتنغلقُ

 

وحدَهُ الليلُ يُسْلِمُنَا
وَحُدَهُ الضَّوْءُ يُغْرِقُنا
وَحْدَها الشَّظايا تنْحَتُنا
كما لو أنَّ كُلَّ هُنَيْهَةٍ تعيدُنا إلى اللونِ المُضْطرِبِ
إلى مشْهَدِ أنهارٍ تائهةٍ تُقَيِّدُ ذاكرَةَ
كلماتٍ ليْسَتْ سوى شُقوقٍ تتراءَى في الجُدرانِ
التي تَفْصِلُنا

ضَبابٌ ليسَ هو النِّسيانُ… ضبابٌ هو الإدراكُ فقطْ.

 

 

لا أحدَ عَرفَ

أين البدء
كثيرٌ من المقايضة وكثيرٌ من التدليس
كثيرٌ من اللاشيء مقابل لا شيء
كثيرٌ من الطير التي وُلِدتْ في الهواء
وليس جحراً قاسياً
وسادة اقتلعتْ عنْ خذٍّ

نتبَخَّرُ نتكثَّفُ نتبخَّرُ
الجناحان موثوقان إلى القدميْن
واليدان موثوقتان إلى الأغصان
كلُّ لسانٍ أختٌ سارقةٌ للمفاتيحِ
نحنُ تقمُّصاتُ الآلهةِ وما قبل التاريخ استعاراتٌ
كائناتٌ تسقطُ متمهِّلةً من الأشجار
مثلَ ثمارٍ، مثل أوراقٍ، مثل أغصانٍ منكسرةٍ
كلُّ استعارةٍ أجَمَةٌ غريبة
خليَّةُ نحْلٍ وهمٌ عميقٌ ينْقَضُّ علينا
غيمةٌ تعرِّينا

مرَّةً ركضتُ على متنِ فرسٍ
نبشتُ بلا أظافرَ ما استطعتُ
أضعُ المرايا حيثما يناسِبُني
أحتمي معكم
تعرفُ أنك لو وشيْتَ لي باللعبةِ ستنتهي

 

اللغة
تمتلكُ صبراً طويلاً
لنقلْ إنَّها انتظرتْني فتركتُ لِذاتِيَ أن تُفْتَتَنَ
فهمتُ أنكِ إنْ لم تتجرَّئِي
فاللُّغةُ تنكسِرُ
وأنتِ
تتحَلَّلِينَ.

 

 

قراءات في الفضاء المدنس

” قدرك أن تعود وأن تعود وأن تعود…”
خوان رامون خيمينث

“ولديك نزر قليل من الزمن كي تولد في هذه اللحظة”
سان جون بيرس

I

حينَما تعرَّفَ الضَّوْءُ ذاتَه
مَحَا فضاءَ حُدُودِ جسدِه
وهُوَ يُدْرِكُ أنَّ الصَّيرورةَ إلى عَدَمٍ
فِعْلٌ إيمَانيّ.

*****

بلا ذاكرةٍ
يُوهِمُ
الضَّوْءُ ذاتَه
وَيرسُمُ عتمَةَ الهَاوِيَة
عَلى مَهلٍ وبِلا ألوان.

*****

أنْ تُفَكِّرَ ذَاتَكَ ضَوْءً
وَتَعْبُرَ الفضاءَ

الضَّوْءُ يَسْتقْصي
ينصهرُ يَتدفَّقُ
إلى أنْ يَبْحَثَ
عَمَّا سَيجِده.

II

في ذاكرةِ كُلِّ حَجرٍ
تستلقي
الضِّفَّةُ بصخَبِ
موْجَةٍ

*****

قبلَ الذاكرةِ أفكِّرُ فِيكِ
يدُكِ المُغْمَى عليها تُلامِسُني
أحسُّكِ إلى الأبد
وبعدها
تجُسُّكِ الذاكرَة.

*****
سوف تكونين السُّلَّمَ
الذي ينزلُ مِنْهُ الصَّمْتُ ما بينَ الخطواتِ

مُتَأنياً
إلى حَدِّ عَدَمِ إمكانِ تَخَيُّلِهِ

أنْ يَحْيَا
خطوةً واحدةً فقطْ

أنْ يَنْزِلَ
دُرْجاً واحداً فقطْ

أنْ يَتَلاشَى
مُنْذُ جلبةِ مَا قبلَ التَّشْكيلِ

III

حِينَمَا عِنْد الولادةِ أكونُ أنا اللَّمْسَ
الذي يرسُمُ التخطيطَ الأوَّليَّ
للجسدِ الأخرسِ الذي يُنادِيني

أتوهَّمُني جِلْداً
النَّفَسَ الذي يُحرِّفُ الفَضَاء

أقتلعُ
ليلَ الصَّمْتِ

أبْحَثُ
في الشُّعاعِ عَنِ الذَّاكِرَة.

*****

يئنُّ الضَّوءُ
حينما تهْربينَ عَبْرَ الشَّفافِيَةِ

حِينَمَا بَعْدُ مُشتعِلةً
تُمْسِينَ

فِي نظرَاتِ الإلهِ
نحنُ أوْقاتُهُ الحُرَّةُ
فُصُولُ ربيعِ أرْضٍ للمِيعَادِ
عِلَّةُ لا حُجَّتِهِ

والذَّاكِرَةُ
ولا شَيْءَ قَطّ.

تَحْمِلكِ اللاشفافيةُ فِي حَرَكَتِها

خَفْقُهَا المُتَوَقِّفُ
مَا بَيْنَ لذَّةِ مُواصَلةِ الزَّحْفِ
وَالرَّغْبَةِ في أنْ تَصِيرِي مُجَنَّحَةً

عُمْقـُكِ
النَّائمُ في الجِلْد

أنتِ
أصْلُ اللؤلؤةِ
حيث
ينْدَمِلُ الماءُ

كأسُ زهرةٍ
منتصفُ الليلِ

الرِّيحُ

غـــَابتْ
باتجاهِ
الرُوحِ تَسْتعجِلُ.

IV

في هذا القصيدِ
الضَّوْءُ حُوتٌ يخبلُ
رجلا يَهوي على الأرضِ مثقوباً
انتظارٌ للقيامَةِ

الضَّوْءُ فَلاةٌ
نَسِيَتْ أنَّ الطيورَ مَوْجُودةٌ
وأنَّ البَحْرَ مَوْجُودٌ
والفضاءُ ما زالَ يَستقبِلُ مزيداً مِنَ الضَّوْءِ
فِي كُلِّ آنٍ مَزيداً مِنَ الضَّوْءِ.

شَفَتاكِ تَتَحَرَّكانِ شَفَّافَتَيْنِ وبِلا كَلام

الحَمَامَةُ تَحْمِلُ رِسَالةً
رِسَالَتُهـا حَمَـامَةٌ

تَدْخُلِينَ بُسْتانَ كَائِناتٍ هِيَ أزهارٌ
فقدَتِ القُدْرةَ على أنْ تُزْهِرَ

تَدْخُلِينَ فَضَاءً مُمْتِعاً
حَيْثُ الشَّفَافِيَةٌ تُقْرَأُ

فِي هَذَا القَصِيدِ
ثمَّة أمْكِنَةٌ تخبلُ
رَملا تسحبُه الرِّيحُ وغيومٌ تغيِّرُ شكلَها
الطُّرُقُ متباينةٌ كلَّمَا تَمَّ قطْعُها

نَقتحِمُ الفلاةَ
ونحنُ نعرفُ أن الشَّمسَ سوفَ تمحُو ذاكرتَنا

يحلُمُ الضَّوْءُ باستنفاذِ ذاتِهِ

يُجَنُّ البَحْرُ
يَوَدُّ لو يَصِيرُ امرأةً

والليلُ سينتهي مُحَطَّماً بَيْنَ الأحْجَار

فِي هَذا القَصِيدِ
لا يَمُوتُ الخَيْمَرُ مَعَ الإنْسَانِ
يُطِلُّ مِنَ الهُوَّةِ وَيُولَدُ

يَنْفجِرُ العُصْفورُ
تَصْرُخُ اليَدُ

وَالفلاةُ لا تتوقَّفُ عَنِ المَسِيرِ
جَمَالُها يُخْفي الكثيرَ مِنَ الجُنُون
وَالكَثيرَ مِنَ الافْتِتَانِ بالأكْذُوبَةِ

الحَقِيقَةُ مُتَعَدِّدَةٌ

والعُصْفُورُ حَقيقةٌ
هُوَ أيْضاً فِكْرَةٌ تُسَاعِدُني على التَّأمُّلِ

وَاليَدُ سِتَارَةٌ سُحِبَتْ أمَامَ وَجْهِي

حِينَمَا يتوقَّفُ شيْءٌ مَا
حِينَمَا لا يَغْدُو الطَّريقُ طَريقاً
تهْوِي الرُّوحُ المُخَدَّرَةُ في مستنقعاتِ مِرْآةٍ كُبْرَى

جَسَدٌ يَبْحَثُ عَنْ شَخْصٍ مَا يَتَنفَّسُهُ

الفَجْرُ يَسْبَحُ وَيُوَدِّعُ
والفَضَاءُ الخِصْبُ يَتَخَفَّى خَلْفَ عُيُونٍ تَسْتَجْدِي.

أنتِ فضاءٌ
حَركةٌ مُقدَّسَةٌ

كيفَ البَحْثُ عَنِ اليَنابيعِ
دُونَ عُيُونِكِ الخَصِيبَةِ؟

لا تَمْحُ نُدُوبَ الفَضَاءِ

لا تَتَجَنَّبْ هَرْطَقَاتِ الفِكْر
ولا هَرْطَقَاتِ العِشْق

اِسْمُ الإلهِ لَهُ شَكْلُ شَجَرَةِ
زَيْتُونٍ ألْفِيَّةٍ

كَلِمَاتٌ بَعْدُ مَازَالَتْ صَلْصَالاً

مِثْلَ شَيْءٍ مَنْسِيٍّ
عَلَى الرَّمْلِ تَبْقَى آثارُ عَاشِقَيْنِ

وَمِثْلَ شَيْءٍ مَنْسِيٍّ
يَبْقَى فِي الأرْضِ عِبْقُ فَضَاءٍ يَخْلُقُ ذاتَهُ.

 

V

 

ليْسَتْ لدَيَّ هَوَاجِسُ
(وإنْ كُنْتُ أستفيقُ فَجْراً وأنا أرْغَبُ فِي الاحْتِرَاق
مِثْلَ خَشَبٍ أشدِّ يُبُوساً)

 

مِثْلَ الغَريقِ الَّذِي يَعُودُ لِلظُّهُورِ كُلَّ صُبْحٍ
مَا بَيْنَ الطَّحَالِبِ
وَهُوَ يُهَدْهِدُ ذَاتَهُ وَيُكَرِّرُ لِنَفْسِهِ هَذِهِ اللُّغَةَ

تَحَوُّلٌ مُسْتَدِيمٌ لِمَوْجَةٍ
أثَرٌ مُتَدَرِّجٌ دَقِيقٌ

الفَضَاءُ يَحْتَوِي كُلَّ حَرَكَةٍ
كُلَّ نُدْبٍ

أدْنُو أكْثَرَ ولا أسْمَعُ سِوَى خَفَقَانٍ
حُبٌّ يَتَلَمَّسُ طَرِيقَهُ
يَدٌ تُدَاعِبُ اليَدَ الَّتِي تُعَرِّي.

أنَا قَادِرٌ عَلَى أنْ أتَحَمَّسَ
لِفِكْرَةٍ تُفْضِي إليْكِ
(وإنْ كُنْتُ سَأغْرَقُ فِيمَا بَعْدُ بَيْنَ الكَلِمَات)

أنْ أذْعِنَ لِنَكَبَاتِ ضَوْءٍ (بِلا اتِّفَاقٍ)
نَكَبَاتِ عَتْمَةٍ (بِلا مُوَاسَاةٍ)

أنْ أغْرَقَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ لِلذَّاكِرَة
وأتْرُكَ لِكُلِّ هُنَيْهَةٍ أنْ تَعْلُوَ وَتَنْزِلَ مَا بَيْنَ صِدْغَيّ

أنَا قَادِرٌ عَلَى أنْ أجْزَعَ
مِنْ يَقِينِ
أنَّنَا لمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَكُونَ آخَرِينَ
(وألا يَكُونَ إلـهٌ آخرُ هُوَ الَّذِي أبْدَعَنَا)

وأنَّ بَصِيرَتَكِ كَانَتْ فَقَطْ
الدَّرَجَةَ القُصْوَى لِلْجُنُونِ.

كِتَابُ الغَضَبِ هَذَا، كِتَابُ النِّسْيَانِ
مِثْلَمَا لوْ كَانَ النَّهْرُ كُلَّمَا تَقَدَّمَ
يُغَيِّرُ اسْمَهُ (حَسَبَ مَسَارِهِ)
وَسَوْفَ يَخْتَفِي مِثْلَ سَمَكِ القِرْشِ لَمَّا يَبْلُغُ البَحْر
لِيَظْهَرَ ثَانِيَةً جَائِعاً ومُبَاغِتاً
فِي إحْدَى الضِّفَافِ الأخْرَى

كَذَلِكَ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَمْضِي مُتَخَفِّياً مَا بَيْنَ الأدْغَالِ
هَكَذا تَتَحَطَّمُ السَّمَاءُ بِلا طَائِرٍ

تَبْدُو الجِبَالُ جَلِيَّةً مِثْلَ كَلِمَاتٍ

بَعْدَ مُمَارَسَةِ الحُبِّ
تُدِيرِينَ لِي ظَهْرَكِ
وَتَنَامِينَ

تُسِيئِينَ مُعَامَلَةَ اللَّيْلِ وَتَنْسَيْنَنِي

هَلِ الفَضَاءُ خِصْبٌ مِثْلَمَا يَبْدُو؟

هَذَا الضَّوْءُ المُتَدَفِّقُ
أهُوَ نُدْبٌ أمْ مُدَاعَبَةٌ؟

وَهَذِهِ اللُّغَةُ
يَا حُبِّي
هِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي تَتَنَاسَانَا.

 

VI

     إلى أحمد بنيسف
 

“رأيْتُ مَا لمْ أرَهْ،
لكِنْ، والعَيْنُ؟ حَـدِّدْ”
خ. ليثاما ليما

 

 

مَا بَيْنَ الجَسَدِ والصُّورَةِ القَبْلِيَّةِ
مَا بَيْنَ البَحْرِ الَّذِي يُلْقِي بِكَ والاسْتِعَارَةِ العَنِيدَةِ الَّتِي لا تُسْلِمُ ذَاتَهَا
تَشْتَعِلُ اللَّوْحَةُ

كَيْفَ الارْتِوَاءُ مِنَ اليَنَابِيعِ الَّتِي تُسْنِدُ هَذَا الفَضَاءَ

نَظْرَةٌ بَعْدَ نَظْرَةٍ
كُلُّ لَمْسَةٍ فُرْشَاةٌ
وَبَعْدُ

أنْ تَتْرُكَ لِلطَّرِيقِ أنْ يَصِيرَ نَافِذَةً مُعَلَّقَةً فِي الفَضَاء
أنْ تَتْرُكَ لِلذَّاكِرَةِ أنْ تُخْصِبَ

لِلْحَمَامَةِ أنْ تَسْكُنَنَا

وَلِلْمَوْجَةِ ألا تَنْكَسِرَ عَلَى الشَّاطِئِ
مِثْلَ يَدٍ مَشْلُولَةٍ مِنَ الدَّهْشَةِ
سَيَكُونُ اللَّيْلُ
رَحِماً مَحْتُوماً
وَبَعْدُ

سَتَجْنِي الثَّمَرَةُ
الخَفَقَانَ
قُرْبَانَ الضَّوْءِ أثْنَاءَ عُبُورِهِ.

كَيْنُونَة ومَسْؤولية

الأنْهَارُ غَيَّرَتْ وِجْهَتَهَا
ذَاكِرَةٌ تَتَلاشَى بَعْدَ أُخْرَى
تُحَاصِرُ بِنَفْسِهَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَحْبِسُ كُلَّ شَيْءٍ
وتَعْطِفُ كُلَّ شيءٍ
بِاتِّجَاهِ الوَرَقَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ أبَداً بَيْضَاءَ

***

حَرَكاتُك كتابةٌ
فِي كُلِّ مرَّةٍ نَغُوصُ نَصيرُ شَخْصاً مُخْتلِفاً
(شَخْصاً مَجْهُولا)
واللُّغَةُ تُطَالِبُنَا أنْ يَسْكُنَنَا الكَوْنُ
مَهْمَا فَكَّرْنا فَنَحْنُ دُرُوبٌ لا متوقعةٌ
نَحْنُ غَيْرُ قَابِلِينَ لِلْقِرَاءَةِ

***

وَلَمَّا يُطفِئُنَا الضَّوْءُ
وَيُوَاصِلُ سَبِيلَهُ
دُونَ أنْ يَتَّكئ عَلَيْنَا
دُونَ أنْ يَنْظُرَ إلى أعْيُنِنَا
أوْ يَقُودَنا مِنْ أيَادِينَا
يُبْرِزُ لنَا الفراغُ
حَليفُهُ القاسِي أنَّ العَدَمَ
رَهِينَتُنَا الأغْلَى.

 

 

هـُـــوَّةٌ أمْ خَـيــَال

” لماذا نجهد أنفسنا من أجل استبدال خيالات بأخرى
إن لم يكن بإمكاننا أن نبدلها فلنهدمها جملة؟ “
فيرناندو بيسوا

 

تَتَمَلَّكُ العَتمَةُ المَتاهَة
تُعانِقُها بِقوَّةٍ
إلى أنْ تُذَوِّبَها

فـَـمٌ يتَوَزَّعُ
صَارَ الآن ألْفَ فَمٍ
وَيـَـدٌ تَتَوَزَّعُ
صَارَتِ الآنَ ألفَ يَدٍ

مَا بَيْنَ غَمِّ المَتَاهَةِ وطُمَأنِينَةِ الأفقِ

وَالرُّوحُ؟
تَتَكَلَّفُ الذَّاكِرَة
بَيْنَما أجْسادُنا تتباعَدُ

ظِلالُ أصَابِع
تُكَذِّبُ
غارقَةً في هـُوَّةٍ تَتَمَطَّى وتَمْتـَدُّ

عَلَى أيِّ ضِفَّةٍ سَيَرْجِعُ المَدُّ ليُعِيدَ خَلْقَ جَسَدِي؟

دَوْماً الضِّفَّةُ ذَاتُها
وَالمَجَرَّةُ ذَاتُها
وَالبَذْرَةُ ذَاتُها…

إنْ كُنْتُ أنَا الأثَرَ الوَحِيدَ
لَمَّا كَانَ المَدُّ يَمْحُونِي…

جَرِيحاً
أخْفِقُ بَحْثاً عَنْ مِحْوَرٍ
مَنْ سَيُعِيدُ لِي الجَسَدَ الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى الدُّوارِ.

 

رِحْــلـــَــة
(مُقارباتُ الصِّفْـر)

 

I

أخِيراً
سَيَأتِي الخِصْبُ

سَيَرْتَعِشُ المَطَرُ فِي ذَرَّاتِ الزَّمَن

والأجْنِحَةُ الَّتِي احْتَرَقَتْ
سَوْفَ تَسْتَعِيدُ تَحْلِيقَاتٍ غَيْرَ مُشْتَبَهٍ فِيهَا
مُضْمَرَةٍ فِي المَادَّةِ

سـُمٌّ يَخْبِطُ الفَضَاءَ
يَعْطِفُ صِدْغَيْهِ
يَشُقُّ رِدْفَـيْهِ

فَلْتَقْتَحِمِ الآنَ
المُوسِيقَى الَّتِي تَكْوِي
وَالَّتِي تُحَرِّرُ تَنَفُّسَ الأحْجَارِ
وَتَنَفُّسَ الرَّمَادِ

فَلْتَنْفَرِجِ النَّبَضَاتُ قَلِيلاً
لِتَبْدُوَ الظِّلالُ
الَّتِي تَسْكُنُنا

وَلْتُفَكِّكِ المَنْطِقَ الصَّارِمَ لِلْهُوَّةِ،
كذلكَ.

II

لوْ مَحَوْنَا بَعْضَ الآثَارِ
وليْسَ أخْرَى

لوْ مَحَوْنَا بَعْضَ الظِّلالِ
وليْسَ أخْرَى

لوْ مَحَوْنَا بَعْضَ الذَّاكِرَاتِ
وليْسَ أخْرَى

وَتَرَكْنَا لِلصَّلْصَالِ المُجْدِبِ
لِلْفَضَاءِ الْهَـشِّ
أنْ يغْوِينَا
سَنُنْجِبُ كَائِناً يَتَحَرَّكُ دُونَ أنْ يُخَلِّفَ أثَراً
يَتَحَرَّكُ لِكَيْلا يُخَلِّفَ أثَراً
لا يُخَلِّفُ أثَراً لِكَيْ يَتَحَرَّكَ
كَائِناً هُوَ الأثَرُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ
حِينَ يَتَحَرَّكُ
أوِ الطُّقُوسَ المُوجَزَةَ لِلَّذِي يغْوِي الظِّلَّ التَّائِهَ
لِكَيْ يَعُودَ إلى سَحْبِ جُحْرِهِ.

* ترينو كروث: شاعر جبلطارقي، وُلِدَ سنة 1960 متعدد الهويات والروافد الثقافية، يقف في التخوم بين الإسبانية والإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والعربية، كانت ومازالت له علاقات وطيدة مع مثقفين عرب مثل إدوارد سعيد والمهدي المنجرة ومحمد شكري وأدونيس… وغيرهم، ترجم العديد من الشعراء العرب والمغاربة إلى اللغة الإسبانية، من أعماله الشعرية:

خالد الريسوني، شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل سابقا أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون خلال عدة دورات. التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986. يتوزع إنتاجه بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبية والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية وإسبانية مثل: المحرر، العلم، البيان، القدس العربي، كيكا، شؤون أدبية، دبي الثقافية، العربي الجديد، الثقافة الجديدة، نوافذ، البيان، نزوى، الدوحة، مشارف مقدسية …إلخ.
يعد الاشتغال على الترجمة رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ من خلاله يعبر عن رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط، وقد أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية لشعراء إسبان وشعراء من أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:ـ
– الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000
– عن الملائكة/ رفائيل ألبيرتي ، منشورات وزارة الثقافة 2005
– يومية متواطئة / لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة 2005
– تلفظ مجهول ويليه: ابتداع اللغز، خورخي أوروتيا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2007
– لالوثانا الأندلسية، رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2009
– اليوم ضباب، خوسيه رامون ريبول، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة 2009
– زوايا اختلاف المنظر يليه: كتاب الطير والسكون المنفلت، كلارا خانيس، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة 2009
– الأعمال الشعرية المختارة، لفيديريكو غارسيا لوركا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010
– الكتاب خلف الكثيب، لأندريس سانشيث روباينا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010
– مائة قصيدة وشاعر، خوسيه مانويل كاباييرو بونالد، (منشورات سليكي أخوين) 2012
– وصف الأكذوبة يليه: يشتعل الخسران، أنطونيو غامونيدا، منشورات بيت الشعر في المغرب، 2012.
آخر ما أنجزه الريسوني العمل الشعري الموسوم بـ: “خلوات وأروقة وقصائد أخرى” يليه: “حقول قشتالة” للشاعر الإسباني المرموق: أنطونيو ماشادو، و “بإيجاز″ للشاعر الإسباني ليوبولدو دي لويس، و”يستحق العناء” للشاعر الأرجنتيني: خوان خيلمان، ثم “كسيريات”، يليه: “ملاك الظلمة” و”أسرار الغاب” للشاعرة الإسبانية كلارا خانيس.

raissounikhalid@hotmail.com