كامل جابر: الذِّئْبُ وَصُوَرُهُ

Kamil Jabir kikah 1
كامل جابر Kamil Jabir

حِينَ وَصَلَنا ذَيْلُ الإعْصارِ المَداري تَساقطَ مَطرٌ غزيرٌ. ضَحكَتْ أشجارُ الحُورِ وَبَكَى الغُرابُ على القَيْقَبِ. كُنّا فِي حُجْرَةٍ طَويلةٍ تُشبهُ حُجْرَة الضُّيُوفِ فِي البلادِ التي جئنا مِنها. كانتْ هنالكَ نُسْوَةٌ يَحْمِلْنَ حَقائبَ مِن مَطّاطٍ أحمر على مَناكِبِهِن وأكوابَ قَهوةٍ فِي اليمين. كان الرّجالُ، رِجالُهُن، يرتدون قمصاناً رشيقة ويَتَمِنطَقُون. وَقَفْتُ مثل فَزّاعَةِ الطَّيْر فِي الرّكْنِ. عُيُونِي غائرةٌ. ثيابي مِن جُوالِق مُرَقّعَة. سيقاني مِن عِصِيّ الأثَلِ وَشَعري مِن سَفا الشعير. أشعثُ مَنْفوش. كُنْتُ واقفاً أعدّ السيئات وشِحّة الخير. أعدّها وأتَهاوَى وأنْهَدمُ. كان النّاس يتحدّثون وَيَتَفَيْهَقُون. قَطَعَ التلفزيون فُجْأَةً تَغْطِيَتَهُ المستمرّة لِمَسار الإعْصارِ وذاعَ خَبَراً مَفاده أنّ قيّوطاً كَلِباً مَسْعوراً قَدْ عَضَّ إمرأتين فِي قَرْيةٍ تقعُ بين هذه المدينة وسيراكيوس. أطْلَقَ عليه رَجُلٌ كَهْلٌ سَبْعَ رصاصاتٍ. نجا القيّوطُ وإختفى فِي غابات البلّوط. خافَ النّاس فِي الحُجْرَة الطويلةِ ممّا جَرَى. صَمَتُوا قليلاً ثُمَّ إستأنفوا الكلام. إنبَرَى كُلُّ واحدٍ مِنْهُم يسردُ أقاصيصَ وحكاياتِ القيّوطِ. ذكرياتهُمْ وما يَعْرِفُونَه عن الذِّئْبِ القَيّوطِ. أنا تذكَّرْتُ الذِّئْبَ السرحان الذي كان يغِيرُ على الغنم فِي البلاد التي جئنا مِنها. كان الذِّئْبُ كُلّيَّ الوجود يصطحبنا ليلَ نهارَ فِي حياتنا الأولى. طالما تساءَلْتُ كيف يتقاسمُ الذِّئْبُ والثعْلبُ وإبنُ أوى النفوذَ والأرزاقَ فِي المراعي وفِي البرية فِي تلك البلاد، البلاد التي جئنا مِنها.
ينتمي ذئب القَيُّوطِ إلى فصيلة الكَلْبِيّاتِ التي تَضمّ، بالإضافة إليه، الذِّئْبَ الرمادي، ذئبنا، والكلب وإبن آوى وَضَواري كَلْبِيّة أخرى. إذا نظرْتَ إلى شَجَرةِ المَحْتِدِ أو شَجَرَةِ التَّطوّرِ لفصيلة الكَلْبِيّاتِ فَسَتَرى أنّ للكلبِ والذِّئْبِ الرمادي سَلَفٌ مشترك. وللقيُّوط وهذا السَّلَف سَلَفٌ مُشْتَرَكٌ أعلى. ويشتركُ هذا السَّلَفُ الأعلى مع إبن آوى الذَّهَبِي، واوينا، بِسَلَفٍ آخر. ما الذي تُخْبُرُنا به الشَّجَرَةُ الكلبيّة هذه؟ تُخْبُرُنا أنَّ إبنَ آوى قَدْ ظهر على الأرض وجالَ فِيها قبل القيّوط والذِّئْبِ والكلب. هذا شيء مثير ذهنياً ولكنه مُخيف. ألَيْسَ كَذلك؟ تَصَوّرْ فلاةً ملآى ببنات آوى وأنْتَ وَحْدَكَ فِيها قبل أن يأتي الكلبُ إلى الدنيا! ماذا ستفعل؟ كيفَ تَحْمي دجاجك؟ لا! لا تخفْ ولا ترتعبْ إذْ لم يكن الإنسان قَدْ ولجَ مسرحَ الحياة فِي تلك النقطة الزمِنية. أحقاً هذا؟
لقَدْ جاءَ فِي الكتبِ أنّ القيُّوط يَخْتلفُ عن الذِّئْب بطريقة الصيد وأساليبه. فَرَغْم كون القيُّوطِ يعيشُ فِي جماعاتٍ إلا أنه مُفترسٌ مُتَوحّدٌ مُنفَردٌ يصطادُ اللبائن الصغيرة مثل الأرانب والقوارض كالجرذ والشَّيْهَم أو الدلدول( الدعلج). وهو يقتل فريسته بالإنقضاض عليها وهَزّها هَزاً شديداً حَتّى يدقُّ عنقها ولكن القيُّوط يُغَيِّرُ أساليبه وَيَتَأقلمُ وينتهز الظروف المتاحة. ويختصُّ الذِّئْب الرمادي فِي صيد الفرائس الكبيرة وعادة ما يمارسُ الصيدَ فِي جماعة أو عصبة ويصطاد الفرائس بعد مطاردة طويلة تتطلّبُ صَبْراً وأناةً وَجَلداً. وَقَدْ تنشأ عداوة بين الذِّئْب والقيّوط إذا تَوَجَدا فِي نَفْسِ الإقليم أو إذا تَنافَسا على نَفْسِ الفرائس. ولكنّي أرى أن الذِّئْب عندنا يختلف عما جاء فِي الكتب. أولاً، الذِّئْب، ذئبنا، غالباً ما يهاجمُ الغنمَ فِي المراعي والحظائر مفرداً. قَدْ يكون هذا بسبب قلة أعداد الذئاب عندنا أو إتساع رقعة الأرض، أي لقلّة كثافة الذئاب وسبب هذا هو شحّة الرزق وقلة العشب. نعم لقَدْ سمعنا أن الذِّئْب الجائع إذا رأى قطيعاً مِن الأغنام يعوي مُنادياً فتسمعهُ الذئاب الأخرى فَتأتيهِ تَسْعَى. وكذلك سمعنا أن جماعة مِن الذئاب قَدْ هاجَمَتْ نُسْوَةٌ مِن العويليين كُنّ يَقْطُفْنَ الرّشادَ البَرِّي فِي الأرض البعيدة. ورَغْمَ هذا فالأعَمّ الأغلب هو الصَّيْدِ الإنْفرادي.
وَوَجْهٌ آخرٌ للإختلافِ بين صورة الذِّئْبِ فِي الكُتب والذِّئْبِ عندنا هو أن الذِّئْبَ عندنا لا يطاردُ فريسته. أي أنه لا يتربّصُ بالفريسة ويتحيّنُ لها الفُرصَ ثُمَّ يقولُ لها إنْطَلِقِي فَتَنْطَلِقُ ثُمَّ يقفزُ عليها فَتَرْكُضُ وَيَرْكُضُ وَراءها وتُسْرِعُ ويُسْرِعُ وتبعدُ عَنه وتلتفتُ إليه فتراهُ يقتربُ مِنها فتستأنفُ الركضَ هكذا حَتّى يصيبها الإعْياء فتسقطُ ويأكلها. الذِّئْبُ عندنا يختارُ فريسته كما يشتهي مِن الغنم فِي الزرائب أو من تلك التي تسرحُ فِي المراعي. إذا تَعذّرَ الحصولُ على لحوم الغنم يَضْطرّ الذِّئْبُ إلى مهاجمة البشر كرعاة الإبل والكمّائين والمُهَرِّبين والضالِّين فِي مَسارِبِ الأرضِ الحالمين بالثراء، والخائبين العائدين مِن رَفحاء بقلوب مُثْقَلة بالحزن والغاضبين على رَبِّ العزة، الله سبحانه، والحيارى الذين لمْ يَجِدوا لَهُمْ مَوْطأً فِي الحياة وتُجّارِ الصُّوفِ، إحْتَرَقَتْ جُلُودُهم مِن بَكْتِريا الجَمْرَة الخبيثة، والمُقامِرين المُضارِبِينَ بأحْمال الشعير، عادوا إلى أهليهم يعضّون أيديهم ندماً وَحَسْرَةً، وسُقاة الزّرْع الذاهبين فِي الغَلَسِ لإصلاح سَدِّ الساقية. السّد إنْهار…….. إلخ

فِي الليْلِ تَشتدُّ حركة الكلابِ فِي القُرى وَتَبْدَأُ فِي النباحِ. يَنْبَحُ كَلْبٌ هنا ويَنْبَحُ كَلْبٌ هنالك. نُباحٌ مُتَقَطِّع: إشارات خَفِية تتبادلها الكِلابُ وَهيَ تَرْصُدُ حركة الأشياء فِي الظَّلْماء. نُباحٌ يَتَقَطّعُ فِي حناجر الكلاب ويَرْتَجُّ فِي الأثير فكَأنّهُ يأتي مِن السماوات البعيدة أو كَأنّهُ يَأتي مِن عُصورٍ خَوالٍ. تُضْفِي عليه الظُّلْمَةُ وَهَزيزُ الرِّيحِ بُعْداً وَحْشِياً قاسياً. تتحرّكُ الكلاب النابحة والصامتة وِفْقَ منْهَجٍ غَرِيزِيٍّ مُتْقَنٍ مَعْلُوم. كُلّما مَرَّ هَزيعٌ مِن الليل نَشطتْ الكلابُ وإختلطتْ وَعْوَعَتُها. يَحدثُ أحياناً أو غالباً أن يرتبكَ صوتُ النباح حين تَنْهمكُ الكلاب فِي إشتباكات جانبية غير مثمرة. يحدث هذا مثلاً حين يتغيّر هبوب الريح(سرعتها أو إتجاهها) فيضطربُ سَرَيان الروائح أو توزيعها فِي الهواء وتَخْتَلُّ حاسة الشّمّ عند الكلاب. ويحدثُ هذا أيضاً حين يكونُ مِن بين الكلاب كَلْبةٌ مُجْعِلٌ(1) تُبَعْثرُ فرمونات الخصوبة على القطيع فيحدثُ تنافسٌ خطيرٌ وَغَيْرَةٌ دامِيَة بين الذُّكُور. يَسْتَمرُّ النباحُ المُتَقَطِّع حَتّى يُغِيرَ الذِّئْبُ على القُرى فِي الأسْحار وعندها تهتاجُ الكلابُ كلها فِي جَلَبَةٍ عارمة ويختلط نباح القريب مِنها بالبعيد ويرتفع الغبار فِي الجو ويُحَوْقِلُ النّاس فِي المِنامات. هذا كلبٌ ينبحُ وهذا كلبٌ يُوَعْوِعُ وهذا كلبٌ يراقبُ عن كثَبٍ وهذا كلبٌ يركضُ وهذا كلبٌ يُناورُ وهذا كلبٌ يَتَقَهْقرُ وهذا كلبٌ يشهقُ من الوَجَع. إذا سَمَعْتَ الضجّةَ أو رأيتَ الغبار حَسبْتَ أن مَقْتَلَةً عظيمةً قد جَرَتْ وأن الذئبَ إنْ نجا فِي تلك الليلة فلن يعودَ إلى القُرى أبداً. أحياناً يستيقظ أبي ويطلق النار فِي الظلام فتهدأ الكلاب لهُنَيْهَة ثُمَّ تستأنفُ النُّباحَ حَتّى الصباح. حين تطلعُ الشمسُ يَغْلبُ النُّعاسُ أعْيُنَها فَتَنامُ. وعندها يخرجُ النّاس لينظروا فيما جرى للمواشي والأبقار ويَعُدّوا خسائرهم. يَتَجادلُ الرجالُ فيقولُ أحدهم: الَمْ أقُلْ لكُمْ أنه ذِئبٌ ولَيْسَ ريحاً ولَيْسَ لُصّاً. ويقول آخر: أنا أنا الذي رأيته وأشْلَيْتُ الكلاب عليه. وتصيحُ إمرأةٌ: أنا رأيْتُ مخالبه تَقْطُرُ دَماً فِي الرَّوازين. بَعْدَ ذلك تنوحُ وتُوَلْوِلُ النساءَ على ما ضاع من مالٍ ويَنْتَشِلْنَ ما تَيَسَّرَ من صوفِ الغنم الصّرِيعَة. فِي إحدى السنوات حَدثتْ فتنة كبرى فِي القُرى وإختلفَ الناس فِيما إذا كان يَحُلُّ غَزْلُ صُوفِ النَّعْجَة التي يقتلها الذِّئْبُ أم لا. كانَتْ حياتنا فِي القُرى هكذا كل ليلة حَتّى خرجنا مِنها وَسحْنا فِي الأرضِ. حين زرْتُ البلاد قبل أعوام رأيتُ أنّ الكلاب، أو أغلبها، سائبة حَيْرَى لا طريقة لها. لقد تَغَيَّرَ كلُّ شيءٍ بعدنا.
كان لَفْتَة لا يُرى إلا مُعْتنقاً سلاحاً، بندقية أو مُسدساً أو هراوة غليظة أو عصا فِي نهايتها كتلة مُكوَّرَة مُتَماسِكة مِن القير، حَتّى عندما يذهبُ للتغوّطِ فِي العراء. وكان غالباً ما يَضعُ أشْرِطةَ الرصاص حول حِزامِهِ وَصَدْرِهِ وَرَقَبَتِهِ. وكان مُتأهِّباً على الدوام للدخول فِي صِراعٍ دَمَوِيٍّ طَويلٍ. قُطْبُ كُلَّ حَرْبٍ هُوَ، وَرَحَى كُلَّ مُناوَشَةٍ بين العشائر. وكان لَفْتَة ينامُ مع الشِّياه فِي الصِّيرة/الحظيرة وَيَتَوَسّدُ بندقيته البلجيكية السوداء كيْ يَحْرسَ الشِّياه مِن الذِّئْب. فِي إحدى الأعْوامِ فِي عطلة نصف السنة، قَفَزَ الذِّئْبُ فِي الليل على الصِّيرَةِ وإبتدأ بإفتراس الغَنَم واحدةً تلْوَ الأخرى. إنْتَبَهَ لَفْتَة ورَمى الذِّئْب بالنار فأخطأه وإرْتَدَّتْ عَتَلَةُ البندقيةِ وإصْطَدَمتْ بأنفهِ فَكَسَرَتْهُ وَنَزَفَ نزيفاً شديداً وعثروا عليه فِي المُراح فِي الصباح مَغْمياً عليه وقَدْ إزدَحَمَتْ عليه الغَنَمُ. حين شاعَ خَبَرُهُ، ضَحكَ النّاس فِي القُرى. لسنواتٍ وَسَنَواتٍ بعد ذلك كنّا نُمَثّلُ هَيْئةَ مَنْ يَحملُ بندقيةً ويسدّدها صَوْبَ خَيال الذِّئْبِ ثُمَّ نُومِئُ بِحركة إلى أنوفنا ونسقطُ على الأرضِ ونضحك عالياً ساخرين.
حين تحدّثْتُ هاتفِياً مع أمي قبل أشهر سألتها عن طبائع الذِّئْبِ(2). قالتْ كان عليكِ أن تسأل أختك خَيْريّة فهي قَدْ عاشتْ فِي البوداي سنوات وسنوات وتصارعَتْ مع شَتّى أنواع الذئاب. لقَدْ سألتُ خَيْريّة فِيما مَضى مراراً عن الذِّئْبِ وكانت فِي كل مرة تتظاهرُ بأنها لا تعرف شيئاً عنه وتعجبُ مِن أسئلتي. يبدو أنها قَدْ نَسِيَتْ تلك التجارب أو لا تريد أن تتذكّرَها بعد أن تركتْ البداوة وَبَنَتْ بيتاً وإستوطنتْ فِي القُرى. حين أخبرْتُ أمّي عن صعوبة الحديثَ عن الذِّئْبِ مع خَيْريّة قالتْ أنّها رأتْ الذِّئْبَ حين ذهبتْ إلى الجرعاء فِي الليل تحتطبُ. قالتْ كان يُطأطئ رأسه ويخفضهُ وَراء طَرْفاءَة. كان يريدُ أن تتركه وشأنه. كأنهُ كان يُعيد حساباته أو يضربُ أخماساً بأسداسٍ. أو كأنهُ كان يَتَحسّرَ على ما فاتَه مِن فرائسٍ. كيفَ أفلتَ ذلك الجَدْيُ الطَّريُ قربَ البئر عند مَرْتَعِ المعزى؟! كان يُقَهْقِهُ على مَرْمَى حَجَرٍ. وكَيْفَ زَلَقَتْ كَفّه على ألْيَةِ النَّعْجةُ التي لها قرون ولمْ تنتشبْ مَخالبُهُ فِيها؟ كانت معها خَيْريّة وكانتْ فِي حينها طفلة صغيرة. قالتْ لها خَيْريّة وكانت تمتطي أحدَ الحَمِيرِ: يُمَّهْ شُنُوْ هذا؟ قالتْ لها هذا كلبٌ! هذا مُجَرّدُ كلبٍ! لاتخافِي! هذا مُجَرّدُ كلبٍ! وَضَرَبَتْ ظُهورَ الحَمِيرِ لتَسْتَعلجلَها. أخبرتني بذلك وَضَحَكَتْ كثيراً. سألتها هل شَعَرْتِ حينئذٍ بخوفٍ مِن الذِّئْبِ؟ قالتْ لا! لو كانَ ذلكَ اليوم يومَ صَيْدٍ لَما كُنّا!
والضبعُ مثل الذِّئْب كلاهما مِن الضواري الرَّوامس التي كانت تغيرُ على القُرى فِي تلك البلاد فِي الليل. ولكن الضبع مِن فصيلة شبيهة القططيات. لا أصدّقُ هذا! كيف يمكن هذا؟ كيف يمكن للضبع الذي كان يُطَقْطقُ لنا بأنيابِهِ فِي الظلماء وَعَضّ الحِمارةَ، حمارة جارتنا رُوُبِّية، الاّ يكون مِن الكَلْبِيّات؟ كانت الحمارة مربوطة بحبل مِن عضدها إلى الأخِيَّة ولم تَسْتطعْ الهرب فكان/ تدورُ حول الوتد والضبع يلاحقها وَيَعَضُّ على أفخاذها وَيَلَعَقُ مِن دمها ويأكلُ مِن عضلاتها. إستيقظت رُوُبِّية وصاحتْ هاهاوْ! هاهاوْ! وَرَجَمَتْ الضبعَ بالحجارة فمانَعَ قليلاً ثُمَّ إختفى فِي الليل. أخبرها البَيْطارُ أن ترشَّ بمضادٍّ جُرْثُومِيٍّ مَمْزُوجٍ بِماء الوَرْدِ على جرح الحمارة كل مساء حَتّى تشفى. كانت الحمارة تُوَتّرُ أذنيها حين يقع الماء على الجرح بسبب الإيلام. وكانت تَئِنُّ وتلوكُ الهواء. بعد سنوات إصْطدم القطارُ بالضبع وقتله وَذَهَبَ علي كاطع ليقطع ذيله ويدبغه كي يعلّقَ الذيل المدبوغ فِي عروة المرآة فِي السيارة كي يطردَ العَيْن. وقد رأينا الضبع الميت الأبتر على السكة. كان يكشرُ عن أنيابه وكأنه يضحكُ فرحاً فِي الممات. كان له عُرْفٌ غَريبٌ مثل عُرْف الفرس.
وأما الثعلبُ الذي كان يسرقُ ويأكلُ البطيخَ والرّطَبَ والدَجاجَ فهو أيضاً مِن شَجَرَةِ الكَلْبِيّاتِ ولكنّه مِن فَرْعٍ آخر بعيد. ولا يفرّقُ النّاس عندنا بين الثعلب وإبن آوى وَهُمْ، ربّما، يظنون أنّ هذين الإسمين يشيران إلى نَفْسِ الكائن. أو بصورة أدقّ: كان النّاسُ وَكُنّا إذا رأيْنا عَنْ بُعْدٍ كائناً أصغر مِن الكَلْبِ والذِّئْبِ وأكبر قليلاً مِن القطّ وله ذيل طويل قلنا أنظروا إلى ذلك الواوي! ماذا كان يُقصَدُ بكلمة الواوي: هل هو الثعلب أم إبن آوى. وكان هذا الثعلب/ إبن آوى/أبو الحصين مِن أبغض الكائنات إلى كَسّاب وكان يتنغّصُ مِنهُ لأنّهُ كان يرى أنه هو الذي يُفسدُ وينهبُ المحاصيل الزراعية. فِي أحد الأيام تسلّقْنا على الكَربْ كي نَجُزّ السعفَ المُصْفَرَّ فرأينا الثعلبُ فِي البُستان ينتقي ويأكل ما شاء مِن الرطب. طاردناه كي نمسك به أو نصطاده ولكنه أفلتَ مِنا وهَرَبَ. فَعَلَ هذا مَرَّات ومَرّات وعندما أعْيانا أمْرُهُ كَمِنّا له بين نباتات الشاصلّى. عندما جاء الثعلب قفزنا عليه بالعصي والسّعفُ والفؤوس فَراغَ وإنْسَلَّ مِن بَيْننا وَوَلَجَ حفرةً عميقةً تحت السدرة. أحِطْنا بالحُفْرة وَجَلَبنا حطباً كثيراً كَيْ نَضْغَطَهُ فِي الحفرة ونضرم النار فِيه. وبينما كنا نَتَحَلّقُ حول الحُفْرةِ ونَتَمَعّنُ فِي عمقها ونُفَكّرُ بالشَّرِّ وَنَدبّر له قَفَزَ الثَّعْلبُ علينا فسقطنا مِن الفَزَعِ على بعضنا. حين سمع كساب بما جرى لنا غَضَبَ وحلفَ أن يُوقعَ بالثعلبِ. فِي الليل وَضَعَ كَسَّاب سمكاً مَسْمُوماً بين الفسائل كي يُغْري الثعلبَ فَيأكله ويموت. ولكننا فِي الصباح التالي وجدنا السمكَ المسمومَ كما هو، وَوَجَدْنا حَوْلهُ دوائرَ رَسَمَها الثعلبُ بِرَجِيعِهِ. وَرَجِيِعُهُ مثل رَجِيعُ الكلبِ، فِيه نوى وَخُوصٌ وشَعْر وخصفة حَصِيرٍ وَضَنَى ونسيان كثيرٌ. إسْتَشاطَ كسّاب غيظاً ولكنه إستدركَ قائلاً: سأتركُ السّمكَ حَتّى يتحلَّلَ ويتفسَّخَ ويُصبحَ عظاماً؟ قال إنّ الثعالبَ كالكلابِ تُحبُّ العظام وتُمَشْمشُها. قال إنها تحبُّ العظام أكثر مِن حُبِّها للَّحْم الطَّرِي. تفسَّختْ الأسْماكُ فِيما بَعْد وَسالَ السّمُّ على الأرضِ ولَمْ يَذقْهُ الثعلب. وبقيت آثار السّمُّ على الأرض فِي البستان لسنوات: بُقَع مِن الزيت وعظام سمكٍ مطمورة.
غَمرني حبورٌ وإبتهاجٌ وأنا أسترجعُ تلك الأيام وأتذكّرها. الذكرى ترياق يُسْتَشْفى به مِن الحنين. إنتشيتُ وَضَحَكْتُ ولكنّني سرعانَ ما تَذكَّرْتُ أنني هنا الآن وتَذكَّرْتُ أرْزاءَ العِيشَةِ فإستنْكَرْتُ ما أنا عليهِ. يا فَزّاعَة الطَّيْرِ! يا شحَّة الخَيْرِ! لِمَ تَضْحَكُ؟ كيف تَبتسمُ؟ أنْتَ تَتَهاوى، أنْتَ تنهدمُ! كيف جِيءَ بك إلى هنا؟ جِيءَ بكَ مُقيّداً بالأماني. كأنني أدْرَكْتُ أوّلَ مرة هذا الحاجز الهائل الذي يَفْصُلني عن تلك العوالم والأيام. لقَدْ مَرّت تلك العوالم كُلّها مثل الحلم الكابوس. ثقيلٌ مثل جاثُوم الليل الشتوي. هل تعودُ عَقاربُ الساعة القَهْقَرَى؟ هنا الآن أمام عَتَبَةَ الخَمْسِين أتَبَتّلُ وأصَلِّيْ:
يا عَتَبَةَ الخَمْسِين!
مَشَيْتُ نِصْفَ قَرْنٍ بلا قَرْنٍ!
أجَمّ وَحَوْلِي كَواسِر كثيرةٌ
يا عَتَبَةَ الخَمْسِين!
يا مقْصَلَة!
كيفَ وَقَفَ أمامَكَ أبي؟
ماذا رأى ورائكِ مِن غُيوبٍ؟
يا عَتَبَةَ الخَمْسِين!
وأنّ إمرءاً قَدْ سارَ خَمْسين حجّةً إلى مِنهَلٍ مِن وِرْدِهِ لَقرِيبُ(3)
يا عَتَبَةَ الخَمْسِين!
ما زلنا نَسْري
نَدْلُجُ
نَتَوَكّأُ
نَتَلَمّسُ
صُوى وَثاياتٍ(4)
إشاراتٍ وَراياتٍ
نَسْمَعُ جَلْجلةَ الذِّئْبِ
فِي ساقية البُستانِ
وَضُباحَ البومِ
وَحَسِيسَ الجِنِّ
فِي طَلْعِ النَّخْلِ
وَحَسَراتِ الثَّعْلبِ فِي الأدغالِ
نادَيْناهُ
الليلُ طويلٌ
مَتى يَنْحَدرُ النجمُ
كي نقرَعَ بابَ الله؟

بينما كنتُ سادراً مثل المَمْسُوسِ فِي رُكْنِ الحُجرة، تَوقّفَ المطرُ وَنَمَتْ طرائقُ قَوْس قزح مِن العشب. نَمَتْ وطالتْ وإعوجّت وَإستدارتْ لتهبطَ على أشجار الكستناء النابتة فِي الرّوابي البعيدة. مَشَيْتُ وَوَقَفْتُ قُرْبَ البابِ. إنْتَبَهَ النّاس وحَمْلَقَتْ الجُمُوعُ إليَّ. حَرّكْتُ لِساني وَغَنَّيْتُ بِبَراعة وَشَجى عَمِيق:
القَيُّوطُ الأعْجُوبَة
القَيُّوطُ! القَيُّوطُ!
هذا القَيُّوطُ الأعْجُوبَة
يُريدُ أن يَكْلبَ النساءَ
يَكلبَ الشعْبَ
إمْتثالاً بالوَصِيّة
وَدَدْتُ لوْ رَأَيْتُهُ وَجْهاً لِوَجْهٍ
وَحْدنا فِي الدُّرُوب
وَحْدنا فِي الغُرُوب
للطِّرادِ والمِنازلة
الآفاقُ كُلَها ساحاتُ إشتباكنا
أرْمُقُهُ بعيونٍ نِصْف مُغْمَضَةٍ بِسَبَبِ تَجَبُّري
وَلِشِدَّةِ هَوَانِهِ
يَرْمُقني بِعُيونٍ جامِحَة
أرْمُقُهُ وَيرْمُقني
أتَوَعَّدُهُ وَيَتَوَعّدَني
لِنَرَ أيّنا أشَدُّ عَطَباً
أيّنا أكثر شَراسَةً وَعَضَّاً
قُلَامَةُ ظُفْري
تَكْسرُجَمِيع بَراثنِهِ
لِي قدْرَةٌ عَلَى عَضِّ حَدِيدِ الشِّيْلْمان(5)
أعَضُّهُ ولا تَتَساقطُ قواطِعِي
هذا حُتاتُ الفولاذِ يَتَناثَرُ مِن فُرُوجِ أصابِعِي
القَيُّوطُ! القَيُّوطُ!
القَيُّوطُ الأعْجُوبَة يَلْعَب
ماهِرٌ مِثل ثَعْلَب
أنا راعي العُوْجَة(6)
أمْطُلُهُ على الصَّعِيد
ألفُّهُ عَلى عاتِقِي
أتَدَفّأُ بِهِ فِي الزَّمْهَرِير
إشّاه! إشّاه! إشّاه!(7)
إنْ عَوَى
عَوَيْتُ وأغْرَقْتُهُ بِفَيْضِ غَرِيزَتي
سَيَشْرقُ هكذا: إحِحْ! إهِحِحْحْ! أحِهْحْ!
سَيَشْهَقُ هكذا: أهه!هَهاه! هاه!
سيغْرَقُ وَيَنْقَرِضُ
القَيُّوطُ! القَيُّوطُ!
سَيَتَذَكَّرُ النّاس
القَيُّوطَ! القَيُّوطَ!
هل سيتذكرونني؟

كامل جابر: كاتب عراقي يعيشُ مُتَنَقِّلاً في الولايات المتحدة
kamiljabir@gmail.com

الهوامش
1. جاء فِي لسان العرب: أَجْعَلَت الكلبةُ والذِّئْبةُ والأَسَدَةُ وكُلُّ ذاتِ مِخْلَب، وهي مُجْعِل، واسْتَجْعَلَت: أَحَبَّت السِّفاد واشتهت الفَحْل. ومازال النّاس يستخدمون هذه الكلمة للدلالة على نفس المعنى. وهذه الكلمة هي مِن الكلمات الحَيّة المتداولة فِي اللغة المحكية فِي البلاد التي جئنا منها ولكن لا أحد يستخدمها فِي اللغة المكتوبة رغم كونها كلمة فصيحة. ومثلها كلمة أشلى، يُشلي اي أغرى الكلاب على الصيد. إنظر إلى مثال آخر لهذه الكلمات فِي الهامش الرابع هنا.
2. عندما زرت البلاد التي جئنا منها إلتقيت برجل إسمه أستاذ فالح وهو رجل له معرفة عجيبة بأحوال الذئاب. مثلاً، حين يسمع صوت الذئب يمكنه أن يعرف حالة الذئب الراهنة وما إذا كان جائعاً أو ظامئاً أو يطلب السفاد. كما أنه يعرف جحور الذئاب وما هو مأهول منها وما هو مهجور. وقالوا أن الرعاة والكمّائين، وخاصة المساكين القادمين من بغداد، يصطحبون أستاذ فالح كي يتحاشوا المناطق التي تكثر فِيها الذئاب. هذا لأن أهل بغداد مساكين لا يميزون بين جحر الذئب وجحر الأرنب وغالباً ما يمدون بأيديهم إلى الذئب فيقطعها.
3. بيتٌ قاله أبو العتاهية. حينَ كُنْتُ فِي العشرين مِن العمر فِي مِنتصف الثمانينات سَكَنتُ فِي شقة فِي الموصل وَخَطَطْتُ هذا البَيْت على الباب، لِسَبَبٍ أجهلهُ، وها أنذا أحتفل به.
4. صُوى جمْعُ صُوَّة وتُجْمَعُ أيضاً على أصْواء، وثايات جَمْعُ ثاية: والصُوّة والثاية هي ما يُنْصَبُ مِن حجارة ليستدلّ به على الطريق أو لتبيان الحدود بين قطع الأراضي والحقول. جاء فِي لسان العرب أن الثايَة هي بقَدْرِ قِعْدَةَ الرَّجُلِ فإذا إرتفعت عن ذلك فهي صُوّةِ. وجاء أيضاً فِي اللسان عن أَبي عمرو: الصُّوَى أَعْلامٌ مِن حجارةٍ مِنصوبةٌ فِي الفَيافِي والمَفازةِ المجهولةِ يُسْتدَلُّ بها على الطريق. وفِي حديث أَبي هريرة: إنَّ للإسلامِ صُوىً ومِناراً كمِنارِ الطريقِ. ومازالت كلمة ثاية شائعة فِي الكلام المحكي/الدارج/ اليومي رغم أن الكلمة غير متداولة فِي اللغة الفصحى/الرسمية/المكتوبة. مثلاً، عندما كنا فِي البلاد التي جئنا مِنها كنا نمتهنُ الزراعة وكنا فِي الخريف مِن كل عام فِي موسم بذار الحنطة والشعير، نقسّمُ الحريث إلى أزقّةٍ أو شُقَقٍ مستطيلةٍ بإستخدام الثايات قبل أن نبذرُ الحبوب. أي أن الكلمة حيّة نشطة تجري على الألسن ولَيْسَت مِن القديم والمهجور مِن الكلمات التي تحنّطتْ فِي القواميس القديمة. إذا كان الأمر كذلك فلمَ لا تستعين بها العربية المكتوبة للإشارة إلى الدال والمدلول والدلالة؟ أنظر فِي كتابنا “الحَيُّ المُمات”، المُجلّد السابع، الجزء الثالث، الباب الأول، الفصل الحادي والعشرين صفحة 175(الطبعة الخامسة، طبعة مزيدة ومِنقحة):
أتذكرُ حين كنا نتذكّرُ الكلمات ونستدرجُ الجُلساءَ كي يتحدثوا؟
أتذكرُ هذا؟
أتذكُرُ؟
كنّا نتحلّقُ حول مأدبة فِي بيت مهدي.
كان ذلك فِي الربيع
كناّ ننشدُ كلماتٍ دارجةً
نبحثُ عن مِنشأها
نُؤصّلُها
وَنَبْتهجُ
نظرْتَ إلى القُطْبِ.
نظرْتَ إلى الشِّعْرَى.
تَذَكّرْتَ الحَرْثَ
تَذَكّرْتَ حياتك فِي الزَّرْعِ
تَذَكّرْتَ
تَذَكّرْتَ الثايَة!
قُلْتَ الثايَة شائعة فِي قاموس الزُّرّاعِ
أبشّركَ الثاية فصحى!
جاءتْ فِي القاموس العربي.
الثاية فصحى!
إن كان الأمر كذلك
فَلِمَ لا يستخدمها فِي الكتبِ
عُمّالُ الطُّرِقِ
الحَجّارون
الحَطّابون
أحْمَدُ
والبنّاؤون؟
5. حديد الشيْلْمان: مقاطع عظيمة مِن الحديد الصُّلْب تُستخدم فِي السقوف وفِي دعم الأبنية فِي البلاد التي جئنا مِنها.
6. أنا راعي العُوجة: عبارة أو جُملة يطلقها رجالُ العشائر فِي المدن التي جئنا مِنها لإستنكار موقف ما، أو لإستنهاض الهمم أو للحَضّ على المُضي قدماً ورفض مواطن الهوان. أو هي تعني: أنا شجاع لا أبالي أبداً بما أرى.
7. إشّاه: حكاية صوتٍ يطلقهُ النّاس فِي البلاد التي جئنا مِنها حين يرتجفون مِن البرد. وعادةً ما يتمُّ ترديد الكلمة بصورة مهموسة ومتواصلة فتخرج من الأفواه الباردة مثل الفحيح. كأنّما هي محاولة لإخراج هواء الرئة الدافئ والتدفّؤ به. وعادة ما يصاحبُ هذه الشأشأة صرير على الأسنان وتقبّض أو تقلص للعضلات المخططة الهيكلية فِي الجسم، وهذا التقلص هو محاولة الجسم لإستخدام الطاقة وتوليد الحرارة مِن أجل إعادة التوازن الحراري. أتذكر جويريد فِي يوم الدَّجْن فِي المراعي؟ أتذكرُ عندما كانت الرياح تهبُّ فتطفئُ آخر عود كبريت عندنا؟