خمس قصائد لكارل ماركس ترجمة ماجد الحيدر

Karl Marx kikah 17ربما لا يعرف الكثيرون أن كارل ماركس Karl Marx (1818-1883) الفيلسوف وعالم الاقتصاد والمؤرخ والثوري ذا الأثر الهائل على عصرنا الحديث، قد بدأ حياته، مثل الكثير منا، تلميذا عاشقاً يكتب القصائد لحبيبته ويبث فيها لواعج قلبه وما يدور في عقله الغض المتمرد من تأملات فلسفية عن الحياة والموت والوجود. كتب ماركس الشاب وقبل بلوغه العشرين ثلاثة دفاتر من الشعر الرومانسي المقفى أهداها الى (جين فون ويستفالن) الحبيبة التي غدت زوجته وشريكة كفاحه ورحلته الشاقة، علاوة على مجموعة أهداها الى والده الذي أحبه كثيراً. ليس هذا فحسب، بل إنه جرب حظه في كتابة المسرحية والرواية. غير أنه سرعان ما تحول، كما هو معروف، الى الفلسفة والاقتصاد السياسي وفلسفة التاريخ لينظر الى تلك المحاولات بعد أن يتقدم به العمر باعتبارها محاولات فجة ومضحكة كما تقول ابنته.
على أننا يجب أن نفهم ماركس على ضوء الخلفية الرومانسية والمثالية لشبابه في الجامعة الألمانية، فمثل هذا الفهم يسمح لنا برؤية ماركس بأعين جديدة وأن ندرك بشكل أوسع العلاقة بين أعماله الفلسفية الأولى (مثل الدفاتر الفلسفية والاقتصادية لعام 1844 ومدخل الى نقد مبدأ هيغل في الدولة 1943 ) وبين أعماله “العلمية” اللاحقة مثل رأس المال وما تضمنته من إثارة لقضية اغتراب الانسان في المجتمع الحديث، وهو ما يتيح لنا فهمه على المستوى الوجودي وإدراك قوة العواطف التي عززت وأدامت التزامه العميق بالثورة العالمية التي وهب لها حياته، رغم أن حقيقة كونها لم تنشر إلا عام 1932 وما بعده توضح لنا سبب قلة تأثيرها على المدارس الماركسية المبكرة، وبضمنها اللينينية.
إن ما نلاحظه في أعماله “الأدبية” الأولى من وفرة في الثيمات الميثولوجية والإحالات اللاهوتية والأسطورة والتأمل الفلسفي يعكس من جهة، قراءاته الأدبية الواسعة وتمثله العميق للروح الأدبية لعصره وولعه الذي لم يتوقف بالتراث الشعري والمسرحي الأوربي، ويفسر لنا من جهة ثانية، أسلوبه في أعماله اللاحقة بما تضمنه من روح ساخرة متوثبة بليغة وغنية بتلك الثيمات والإحالات الأدبية.

عازف الكمان

عازفُ الكمانِ يمر في حُمَيّا
على صفحةِ الأوتار.
شعرُه الأشقر البُني يتمايلُ
يتقاذفُ ذات اليمين والشمال،
غارقاً في طيات ردائه الفضفاض
وفي جنبهِ سيفٌ يتدلّى.

“يا عازفَ الكمان. يا عازف الكمان.
علامَ هذا النغمُ الثائرُ؟
ولماذا في هَياجٍ تنقلُ ناظريك؟
وفيم يتواثبُ دمُك، مثلَ بحرٍ يمور؟
وما ذاكَ الذي يسوقُ قوسَك
في يأسٍ وقنوط؟”
“علامَ أعزفُ ؟ تسألُني
وعلامَ تزأرُ عاتياتُ الأمواج ؟
كي تضربَ الشاطئَ الصخري،
كي تعمى العيونُ، ينتفخَ الصدرُ،
كي تحملَ صرخةَ الروح الى قعرِ الجحيم”
“يا عازفَ الكمان، يا عازف الكمان.
إنكَ لتُزري بقلبِك، تمزقُه إربا.
إلهٌ من ألقٍ وحبورٍ أعارَكَ فنَّه
عساكَ تنبهر بأمواجِ النغم
وتحلق صوبَ نجوم السماء الراقصات”
“وكيف هذا!
إني لأغمدُ، أغمد في روحك دون توانٍ
سيفي المصبوغَ بسوادِ الدم.
فنٌ كهذا لا يريده الله، ولا يحفَلُ بصرعِه،
لكنه من ضبابِ الجحيمِ الأسودَ
يثبُ الى العقل
حتى يستسلمَ القلبُ لتعاويذه
حتى تترنحَ الأحاسيسُ.
بَلى، مع الشيطان عقدتُ ضفقتي.
هو الذي يرسمُ لي، بالطبشور، العلامات.
هو الذي يزنُ الإيقاعَ والنبضات،
أما أنا فأعزفُ المارشَ
سريعاً، طليقاً.
عليَّ أن أعزفَ في قتامةٍ
وأعزفَ في إشراق حتى تمزقَ أوتارُ قوسي
قلبيَ وتأتي عليه”

عازفُ الكمانِ يروحُ ويجيء
على صفحةِ الأوتار
شعرُه الأشقرُ البني يتمايل،
يتقاذفُ ذات اليمين والشمال
في جنبه.. سيفٌ مدلّى..
غارقاً في ردائِه الفضفاض

حبٌّ في جُنحِ الليل

في ثورةٍ يضمُّها اليه،
بوجومٍ ينظر في عينيها
“في لظى الأوجاعِ تتقلبينَ
أي حبيبتي، وعلى أنفاسي تتنهدين.
“آهٍ قد ارتشفتَ روحيَ ارتشافا
فبهايَ في الحق، بعضُ بهاك.
فلتُشرِق، يا جوهرتي، لأبعد مداك.
ولتتوهّجي يا دماء الشبيبة”
“يا أجمل الجميلات، شاحبٌ محّياك،
غريبةٌ كلماتُك، عجيبات.
انظري للعوالمِ الشامخاتِ النيّرات
تتقلبُ في نعيمِ الموسيقى”
-” تنساب أيها الأحبُّ وتنساب.
تُنوِّرُ النجوم، تنوّر
فهلمّ نرتقي لعنان السماء
وليسيلا معا.. روحي وروحك يا حبيب”

خافتٌ صوتُه مكظوم
في يأسٍ ينَقِّلُ ناظريه
ومن عينه الغائرة
يتفجرُ الشررُ المسموع
“قد شربتَ السمَّ، أي حبيبي.
ومعي لا بد أن ترحل.
السماواتُ كالحاتٌ
وما عدتُ أبصرُ النهار”

مرتعشاً يدنيها اليه
والموتُ يحومُ في الصدر
يطعنها الألم، عميقاً ينغرس..
وتُسدَلُ الأعينُ للأبد.

المرأةُ المجنونة

هناك ترقصُ امرأةٌ تحت ضوءِ القمر
وتومِضُ بعيداً في أغوارِ الليل
رداؤها يخفقُ في جنون، عيناها تلمعان في صفاء.
كماسَتينِ رَصَّعتا وجهَ صخرةٍ صقيل
“ادنُ مني أيها اليمُّ الأزرق.
في رفقٍ سألثمك
كلِّلني بتاجٍ من الصفصاف.
حُك لي عباءةً في خضرة الفيروز!”
“من حيث تخفقُ مهجتي
جلبتُ صافيَ الذهبِ وحمرةَ العقيق
فغدَتْ حُلةً على صدرِ عاشقٍ دافئٍ
أغواهُ قرارُ المحيط”
“لأجلك سأغني
حتى يثبَ الموجُ والريح.
عالياً في رقصتي سأقفزُ
فيُعوِلُ الموجُ والريح”
بيديها تقبضُ صفصافةً
توثقها برباطٍ بلونِ الفيروز.
تتأملُها بنحوٍ غريب
وتأمرُها أن تبعدَ في رفق
“الآن أعيريني جناحيك
لأعيدَ كالصدى، نزولاً في لجّةِ اليم:
أما عرفتِ، أمّاه، جمالَ إكليلي الذي
ظفرتُه لهامةِ ابنك؟”
وليلةً بعد ليلة
مضتْ هنا وهناك
لتكسوَ كلَّ صفصافةٍ على البحر
وترقصَ في فَخارٍ صاعدةً نازلةً
حتى انقضى طِرادُها المسحور.

الصخرةُ البحرية

عالياً تسمقُ أعمدةُ الرخامِ
وذُراها المثلّماتُ تحزُّ الهواءَ
كما يفعلُ المنشارُ.
عَفَنٌ، حياةٌ تبلى، وصخورٌ ثمَّ هناك،
تحت، في الهاوية السحيقة.
عابساً يتسلق الجرف ُ، مُصعِداً
يشبكُ الأرض بأذرعٍ من حديد.
يبعثُ من حولِه وميضاً
خارجاً من عقلِه الهائجِ المحموم.
ويُجيشُ المحيط َ، يبعثُ أمواجَه
لتدورَ وتدور في جنون.
خُصلُ الخريفِ الشيباءُ يهزّها الطحلبُ السئِم
وينزُّ الدمُ من تحت الصخورِ الضاحكة.
الليلُ ينتصفُ، وأصواتٌ هائجةٌ
تهدرُ من رحمِ الرخام
كألفِ عامٍ من حياةٍ تذوب
كعويلِ تذكرةٍ للهلاك.
ولو أن مسافراً جرُؤَ على استراقِ السمع
لاستحالَ من فورِهِ حجراً
وتشظّى غارقاً في البحر.

نغم
(الى جين)

هل خبِرتِ ذاك السحرَ اللذيذ
إذ روحانِ يمتزجان، ثمّةَ يفيضان
في نفثةٍ شجيّةٍ رفيقةٍ رقيقة؟
إذ يتوهجانِ في وردةٍ أرجوانيةٍ
ويلوذانِ في حياءٍ
لسرير من طحالبَ ناعمات؟
لا لن تَجِديه
هائم ذا السحرُ عبرَ البلاد
ما من طلسمٍ يلجُمُه
ما من شمسٍ تُفشي مكانَه.
لم يطلعْ من ترابٍ
وما غذتهُ أرضٌ.
يخفقُ الزمانُ جناحيه
ويسوقُ أبولو خيولَه الجامحاتِ
وتخبو الكلماتُ صوبَ الفناءِ
وهو أبداً في انتظار.
قوّتُه وحدها خلقَتْه
وما لعالَمٍ أو إلهٍ
عليه من سلطان.
شبيهٌ ربما بألحانٍ
تنسابُ من قيثارٍ خالدٍ
في وهجٍ أبدي، في نارٍ لا تنطفئ
وترنُّ في حنينٍ يعلو للذرى.
آهِ، لو أنصتِّ مرةً لأوتارٍ تصدحُ فيك
لما مضيتِ بعدها.. خطوةً للبعيد!

ماجد الحيدر: شاعر وقاص ومترجم من كردستان العراق. ولد ببغداد عام 1960. يكتب ويترجم بالعربية والكردية والانكليزية. أصدر العديد من المجموعات الشعرية والقصصية والترجمات.
majidalhydar@yahoo.com