مودي بيطار: روح همنغواي في المجموعة القصصية الجديدة للياباني موراكامي

غلاف كتاب موراكامي رجال بلا نساء
غلاف المجموعة القصصية |رجال بلا نساء”

استعار عنوان مجموعة إرنست همنغواي القصصية في 1927 التي كرّست صورته الرجولية الخشنة، ويخلص للرسالة نفسها. في مجموعة الكاتب الأميركي يقول جندي إيطالي للبطل أن على الرجل ألا يجد نفسه في موضع يخسر فيه أحداً، وبعد تسعين عاماً يكرّر الكاتب الياباني الوصية في فضاء حكائي يمزج الواقع، بتفاصيله الكثيرة كالعادة، بالسحر والرمزية. «رجال بلا نساء» الصادرة في بريطانياعن «هارفل سِكِر» ترصد وحشة الرجال الذين ينأون بأنفسهم عمداً في بحثهم عن الحماية العاطفية من الخسارة والحزن، ويعجزون عن التواصل مع الآخرين وأنفسهم. النساء قويات، مستقلات، هدّامات، كتومات غالباً، لكن الرجال أيضاً قادرون على إلحاق الأذى حين يُجرحون ويتجاهلون دمهم المراق.
سبعة قصص في المجموعة التي نشر موراكامي أكثرها في «نيويوركر». «كينو» تحمل اسم البطل الذي يمضي معظم وقته يروّج للأحذية الرياضية الرفيعة التي تنتجها الشركة التي يمثلها. يعود مرة الى البيت قبل يوم من نهاية رحلته المقررة، ويجد زوجته في الفراش مع زميل صديق. يطأطئ رأسه ويغلق الباب بلا كلمة واحدة، ويستقيل من عمله. يستأجر مقهى خالته في منطقة أخرى من طوكيو، ويحوّله حانة جاز. قلما ازدحمت الحانة التي كانت في شارع خلفي، وظلّلتها شجرة صفصاف رائعة، واطئة الأغصان. انتظر الزبائن بصبر وهو يقرأ ويسمع الموسيقى، وامتصّ الوحدة والصمت مثل أرض جافة ترحّب بالمطر. لم يعرف لماذا لم يغضب من زوجته وزميله، ولئن صدمته الخيانة بدت حتمية مع مرور الوقت. لم ينجز شيئاً طوال حياته، أو يسعد أحداً بمن فيهم نفسه. افتقر الى معنى واضح للسعادة والألم والغضب والخيبة والاستسلام، وأقصى ما أمكنه فعله فتح هذه الحانة التي شدّته لكي لا يتيه بلا هدف.
ذات مساء ماطر اقتصر زبائنه على ثلاثة تشاجر اثنان منهم وتحدّياه حين طلب منهما خفض صوتيهما. تدخّل كاميتا الهادئ الذي أحب القراءة وهو يشرب، وطمأنه الى أنهما لن يرتادا حانته بعد ذلك. بعد أسبوع مارس الجنس للمرة الأولى بعد هجره البيت مع شابة قصدت الحانة دائماً مع صديق، وذكّره همسهما وهدوءهما وهما يشربان بالجنس. انتشرت حروق السيجارة البنيّة على ظهرها وصدرها، وقاربها بجوع صامت، لكنها عادت الى الحانة بعد ذلك مع الشاب الذي عنّفها. استغرب حين رأى ثلاثة ثعابين قرب الشجرة، ونصحه كاميتا الغامض بإغلاق الحانة والسفر قائلاً إن الذكريات تفيد أحياناً. يشعر خلال طوافه أنه شبه شفاف، وأن أحشاءه مرئية، وحين يعصي أمر كاميتا ويبوح بذلك لخالته في البطاقة البريدية يسمع طرقاً ملحّاً على الباب فيلزم سريره ويبكي وهو يفكر أنه جُرِح، وجرحه عميق. كان كاميتا ملاكه الحارس الذي أدرك أنه لن يُشفى من صدمته إن لم يعترف ويواجه.
لا نعرف في «شهرزاد» لماذا يلزم البطل البيت ويستقبل فقط ممرضة كُلّفت الاهتمام به منذ نُقِل الى بيت شمال طوكيو قبل أربعة أشهر. اشترت له ما يلزمه ونامت معه، وقالت إنها عاشت مع زوجها وطفليها قريباً منه، لكنها كتمت اسمها ولم تدعُه إلا مرة واحدة باسمه. امتنع عن مشاهدة التلفزيون واستخدام الكومبيوتر، واكتفى بالقراءة سلوى وحيدة. كانت في منتصف الثلاثينات، وكبرته بأربعة أعوام، وظنّ أنه سيتأقلم إذا توقفت عن زيارته لأنه اعتاد الوحدة. مع ذلك أزعجه امتناعها عن الكلام أثناء الجنس المنظم الذي تمارسه معه، وإن أخبرته إثره حكايات تشدّه ولا يعرف إن كانت حقيقية أو مفبركة.
تخبره يوماً أنها دخلت خلسة منزل تلميذ في الصف معها لعب مع فريق كرة القدم، ونال أعلى العلامات. أغرمت به، وعجزت عن التنفس كلما رأته، لكنه اهتمّ بفتاة أخرى في الصف. كانت غرفة نومه مرتبة كما تخيلتها، وسرقت قلماً منها، ودسّت فوطة نسائية نظيفة في جارور عربون حبّها. في زيارتها الثانية سرقت شارة رياضية وتركت ثلاث شعرات من رأسها، وفي ثالث الزيارات تسرق قميصاً فتغيّر الأم القفل وتتحرّر ابنة السابعة عشرة من هاجسها. حين تسترجع الممرضة رغبتها بالفتى تطلب من السيد هابارا أن ينام معها ثانية، فيفعل ويجد تجاوباً جامحاً للمرة الأولى. يخشى أن تتوقف عن زيارته ليس فقط لأنها منحته الإشباع الجنسي، بل لأنها كانت فرصته الوحيدة للاتصال بالواقع ونفيه في آن.
في «أمس» يلتقي تانيمورا وكيتارو في مقهى الجامعة حيث يدرس الأول الأدب ويعمل في المطبخ ويخفق الثاني مرتين في امتحان الدخول ويعمل نادلاً. يكتشف تانيمورا المولود في منطقة كانزاي أن كيتارو الذي ينطق بلهجتها الثقيلة ابن طوكيو في الواقع، وأنه درس اللهجة وتبنّاها حتى في البيت لأنه أيّد فريقاً للبيسبول فيها وأراد أن يحس بالانتماء الكامل الى أنصاره كلما حضر مبارياته في طوكيو. تانيمورا تخلّص من لهجة كانزاي بعد شهر واحد في العاصمة لأنه رأى حياته محرجة، واعتبر أن اللغة التي تمثّل الإنسان تجعله شخصاً مختلفاً. يشجّعه كيتارو يوماً على الخروج مع صديقته التي درست الأدب الفرنسي في الجامعة نفسها. يوضح أنه يشعر بانفصال الذات حين يفكر بإريكا التي سبقته بسنتين، لكنه يرتاح في الوقت نفسه لقطع العلاقة لأنه عرفها منذ الطفولة وعجز عن النوم معها. كانت رائعة الجمال، لطيفة، وأحبّت كيتارو لكنها بدأت بمواعدة شخص آخر. اختفى كيتارو فجأة، وعرف تانيمورا من إريكا حين التقاها مصادفة بعد ستة عشر عاماً أنه هاجر الى كولورادو حيث يعمل طباخ سوشي. يدرك تانيمورا الذي امتهن الكتابة أن صديقه شاء اختبار إريكا حين عرض عليه مواعدتها، وأنه حدس أنها مارست الجنس للمرة الأولى مع صديقها الجديد في الجامعة فرحل.
يقلب موراكامي قصة فرانز كافكا «التحوّل» ويستبدل الحشرة بغريغور سامسا في «سامسا عاشق». تستفيق الحشرة رجلاً مشوّشاً، عارياً في غرفة أغلقت نوافذها بألواح خشب. يجهل ما أو من كان قبل استفاقته، ويشعر بجسده مخدّراً وثقيلاً كأنه كان مغموراً بسائل لزج كثيف. يعجب من غياب وسائل الدفاع عن النفس في جسده، ويتعلم كيف يحرّك أصابعه، ويقف ويمشي على قدميه. يجوع ويلفته عريه، ويدرك أن عليه أن يبحث عن طعام ولباس. حين تدق الباب فتاة حدباء تمشي كحشرة لتصلح قفلاً معطّلاً يشتهيها، ويطلب لقاءها ثانية وهو يستكشف نفسه والعالم بسرعة وفرح.
ممثل متوسط العمر في «قودي سيارتي» يفقد زوجته بعد إصابتها بالسرطان. كانت خانته مراراً، لكنه أحبّها وصمت مع أن «قلبه تمزّق وأحشاءه نزفت». لم يجرؤ على سؤالها ما الذي افتقر إليه ووجدته في الآخرين. يبوح لسائقته ميساكي بخيانات زوجته التي باتت كومة من الرماد والعظام المحروقة، ويحزنه فشله في معرفة المرأة التي أمضى عقوداً معها. «كان هناك شيء فيها، شيء مهم، فاتني. قد أكون رأيته وفشلت في تحديد ما كان». يرتبط توكاي، جرّاح التجميل، بكثير من العلاقات في «عضو مستقلّ» قبل أن يعشق امرأة متزوجة. حين يكتشف انها تخونه هو أيضاً مع شريك ثالث يموت بقلب محطّم، ويتذكّر أصدقاؤه إيمانه بنظرية «بيولولوجية حتمية»: وُلدت النساء بعضو إضافي مستقل يمنحهن القدرة على الكذب. بطل قصة العنوان يقول إن الرجل يخسر كل نساء حياته إذا فقد أحداهن، ويصبح ممثلاً لمجموعة «الرجال بلا نساء»، وحيداً ولكن ليس فريدأ. يتلقى اتصالاً ليلاً من شخص يقول إن حبيبة سابقة انتحرت، لكنه لا يعلمه بما يسهّل معرفة اسمها بعد الزواج وطريقة العثور عليها. يفكر: «أود حقاً التفكير بميم كفتاة قابلتها حين كانت في الرابعة عشرة. لم يحدث ذلك في الواقع، لكن هنا على الأقل، أود أن أتخيّل أنه حصل». حدث أنه نظر بعيداً، وحين التفت اليها ثانية كانت اختفت. لماذا لم يُبقِ عينيه عليها طوال الوقت؟

عن “الحياة” البيروتية، 18 مايو – ايار 2018

كاتبة لبنانية مقيمة في لندن

32 views