“وَرَثَةُ الدم” مقاطع من رواية جديدة للكاتب العراقي شاكر الأنباري

جواد يخرج الأغراض من بيت جلال ملك.

لم تتجاوز الساعة العاشرة، في يوم جمعة كسول، فيما بزغت غيوم بيض خفيفة راحت تنتشر رويدا رويدا، تغطي بعضا من الفضاءات البعيدة فوق شارع الدير، مما خفف قليلا من وهج الحرارة المعتاد حتى في وقت مبكر مثل هذا. قرئت الغيوم من قبل سكان الشارع على أنها علامة بارزة على أواخر الصيف، وخطوات الخريف التي تتقدم بقلق. نضجت العذوق في نخلة عادل، تعرت بعض الأشجار من أوراقها، فتساقطت على أسفلت الشارع، فيما مرقت في السماء طائرتان سمتيتان، اتجهتا نحو جنوب بغداد.

تعاونت إقبال ونور في نقل أواني الطبخ والمبردة وسجادة صغيرة جلبتها نور من الطابق الأعلى وأضافتها هدية إلى ما تم الاتفاق عليه. دور جواد كان ترتيب الأغراض في العربة، وتوضيب الأشياء الصغيرة كي لا تقع أثناء النقل، وكان يؤدي العمل بذهول، غير مصدق برحيل جلال وأسرت.

وهي تنظر إلى أثاثها المكوم في العربة، تتذكر نور قصة كل ملعقة لديها، وكل قطعة ملابس وأثاث، كل ستارة، لقد جمعت هذا البيت من الصفر، خلال سنوات عيشها ببغداد. المبردة الإيرانية اشترتها في بيت منطقة المشتل، وكان مثل بئر متوهج بالحرارة، حيث انتقلوا إليه في بداية الصيف. اشترى جلال تلك المبردة من سوق المشتل، الشبيه بنفق أسود، إذ كان مسيّجا بالصبات الكونكريتية من الجانبين خوفا من التفجيرات. بعد ثلاثة أشهر من التحاق جلال ملك بدورة التصميم، من خلال إحدى منظمات المجتمع المدني التي انتشرت بعد دخول الأميركان إلى البلد، حصلوا على ذلك البيت. وكانت المبردة أول حاجة ضرورية في صيف بغداد جلبها جلال. كان رامي في سنته الأولى، تراه في الفراش يتلوى من الحرارة المنبعثة من الجدران والسقف والشبابيك غير المظللة. ذلك البيت لم يكن فيه حديقة. ممراته كلها من الإسمنت. ثم بعد أيام جاءت الثلاجة البيكوك العالية. اشتراها جلال من سوق في الكرادة، وجلبها بواسطة سيارة بيك أب بيضاء. ومن ثم الطباخ الصغير، وأواني الطبخ القليلة، والفرش المصنوعة من الإسفنج. دون أغطية. أعطتها سندس، زوجة كمال ملك، شراشف مستعملة، وأوصتها بالصبر إلى أن تستقيم الأمور. البيوت لا تبنى خلال شهر أو شهرين، هي تحتاج إلى سنوات من الاستقرار، قالت لها. لكن أين هو الاستقرار؟ بدلت ثلاثة بيوت خلال بضع سنوات، يعتبر بيت الدورة جنة مقارنة ببيت المشتل. هو أرخص وأبرد. وفيما كان جواد يهم بدفع عربته سألت إقبال نور السؤال الذي ارتسم دائما في رأسها، وتداولا فيه هي وعادل أكثر من مرة:

– أين ستقطنون؟

بعينين سوداوين قلقتين وخائفتين أجابتها نور هامسة:

– صدقيني لا أعرف لحد الآن. جلال يقول مرة إنه سيرجع إلى البلدة، ويسكن مع أخيه كمال ملك، ومرة يقول إنه سيترك بغداد ويتجه إلى أربيل، لديه صديق يعمل في دار نشر هناك، وعده بتدبير عمل له كمصمم في الدار. والبارحة سألني إن كانت لدي رغبة في العيش بلبنان. راسل صديقا عراقيا هناك يقيم في بيروت، ووعده بتدبير عمل له إذا ما قرر المجيء. لا أعرف بالضبط كيف يفكر هذا الرجل.

دعت لها إقبال بالخير ورافقت جواد إلى بيتهم. تركت نور الباب مفتوحا، وكان سامي ورامي يلعبان في الحديقة. لا يفهمان ما الذي يجري في البيت، الأشياء المألوفة في محيطهم الصغير تتناقص، الأب متجهم على الدوام، والأم لا تعرف ما يدور. فكرت نور، بأسى، أنهما لا يدركان ما ينتظرهما. بالأمس أعاد عليها سامي السؤال أكثر من مرة: ماما لماذا نبيع أغراض البيت؟ و أخبرته أنهم سينتقلون إلى بيت ثان أكبر وأفضل. قال لها ومدرستي؟ قالت له سأنقلك إلى مدرسة أخرى، لذلك انتظرت الخطوة التالية لجلال، هو من سيحدد مصيرهم. لم تشتر له ملابس جديدة، خاصة والمدرسة ستفتح قريبا. أما هي، نور، فأجّلت همومها لمفارقة الشارع والجيران والنساء اللواتي قضت السنين معهن، وباتت تشعر بقربها إليهن رغم المنغصات التي تحدث بين الحين والآخر. أصبح هدفها سلامة العائلة، هدف فوق كل المشاعر الأخرى.

نساء شارع الدير لا يمكن لها نسيانهن. من تعتقد بأنها تشبه المغنية هيفاء وهبي، ومن تتزين كل خميس لزوجها، وتلك الأرقة التي لا تنام لأنها تخاف على أطفالها من الاختطاف، ومطحنة الكلام التي تستمتع بالحديث لذلك تأتي كل يوم إلى نوفوتيه جميلة، والجارة المهووسة بنظافة واجهة البيت، متصيدة الأخبار، الأرملة المتشممة للرجال الباحثين عن زوجة مهما كان عمرها، وراعية الغنم التي تجلب اللبن إلى محل الكرادة. نساء شارع الدير.

وهي تنظر إلى أدوات المطبخ أحست بغصة في حلقها. حتى القدور والصحون والملاعق تصبح أليفة وعزيزة بطول المجاورة والمرافقة. تتذكر خدوش المقلاية، وطعجات الملاعق، وحفر الصحون المنتشرة على وجهها. كما لو كانت تلك الأدوات بشرا تعرف تفاصيلهم بدقة. البرغي المكسور في القدر الكبير. يد المصفي المستخدم لبزل الرز عن الماء وقد أصاب قاعدتها التآكل. نار الفرن في الطباخ العتيق وهي تتراقص غير منتظمة أثناء شي الدجاج أو السمك. رفقتها مع هذه الأدوات ستنتهي قريبا. ستفارقها هي أيضا كما تفارق جميلة وإقبال وأم رياض وغيرهن من النساء والبنات. كانت متعتها الوحيدة، في السنين التي عاشتها بين الجيران في شارع الدير هي مرافقة إقبال إلى سوق الدورة الرئيسي، في أيام الجمع، للفرجة على بضاعة السوق. تجولان ساعات في الأزقة الضيقة، وتتمليان بالملابس التركية والسورية والإيرانية، وبأنواع الزيتون واللحوم والخضار، وتشتريان الفواكه الطازجة، التي لا توجد في دكاكين شارع الدير والميكانيك. محلات الذهب المشعة، وبازارات الأدوات المطبخية الحديثة، ومحلات الموبايل، ونوفوتيهات الأحذية النسائية المكتظة دائما. وكانت ترى الجوع المريع في وجوه النساء لشراء كل جديد وممتع. توق إقبال لامتلاك ذلك السوق بدافع حرمان طويل تراه في ملامحها، ونظرات الشباب إلى البنات وكانت تلمح فيها رغبات لا تقاوم. عالم ملون ستغادره قريبا وإلى الأبد.

رجعت إقبال بالملابس التي استعارتها منها، وطلبت منها قميص النوم الوردي كهدية، أو كتذكار كما قالت، أحبه عادل جدا، ووجده مثيرا على جسدها. أعطتها نور ما طلبت، وتركت لها القوس الزجاجي وحمّالة الصدر. لو أن عادل يهتم بقراءة الكتب لأعطاه جلال المكتبة الصغيرة التي يمتلكها، همست لها بود. لا يهتم بشيء اسمه قراءة الكتب، حتى الجرائد لم يعد يصدقها، فهي تورد الشيء ونقيضه، وفي الصفحة نفسها، قالت إقبال. الموت في جسدها فكرت إقبال بهاجس مباغت لا تدرك سببه، يشمه الشخص من بعد عشرات الأمتار، ويهجسه في تقاطيع الفم ونظرة العينين. أنفها الطويل، الذي كان يضفي على وجهها شخصية متفردة كان مثل منقار طائر الموت، والغضون الصغيرة حول فمها المنمنم تكاثرت ذلك النهار بشكل مفاجئ. هل هي أجنحة الموت المرفرفة فوق بيتهم ما سبب تلك الغضون؟

رجع جواد ثانية وطرق الباب، سلمته نور خزانة صغيرة للأحذية كي يوصلها إلى بيت عادل، ثم سجادة مربعة كي يسلمها إلى جميلة في دكانها، ثم أقفلت الباب وراءه. بعد أن سمع انطباق الباب، فكر جواد، وهو يدفع عربته بكسل، أن شيئا غير معقول يجري في الشارع، وفي المنطقة كلها. بيت آخر سيختفي من المحلة. اختفى أبو هند، جار جلال، رغم أنه لم يحبه يوما، إذ كان شخصا معقدا، مكفهر التعابير، ينظر إليه بتعال. وقتل سعد الحلاق، وظل محله مغلقا، تصفر الريح في شقوقه وزواياه، وتندبه البوم كل مساء، وها هو جلال ملك وزوجته نور في الطريق إلى المغادرة. أمه، تحدثه في بعض الليالي عن نيتها هي الأخرى في تسليم الشقة والرحيل عن هذه البقعة السبخة. المكان لم يعد ملائما لهم، لكنه لم يكن يفهم تماما بماذا كانت تفكر، وفي أي الأمكنة يجدون الطمأنينة. البشر هنا من الصعب معرفة ما يفكرون به. أفكارهم، وقراراتهم، تتغير مرات عدة خلال اليوم، ولا يدرك السبب.

ثلاث نقلات كانت كافية لكل ما اشترته إقبال من نور، حصل جواد منها على ثلاثة آلاف دينار، ووجبة من الدولمة تناولها تحت شجرة النخيل، وسينقل بعدها سجادة نور إلى محل جميلة. أثناء ما كان يتناول طعامه ظل مشغول الذهن بما يجري لجلال ملك. فعلا لا يعرف بالضبط السبب الذي جعله يبيع أثاث بيته، ويغادر المنطقة. كما لا يعرف السبب وراء قتل سعد الحلاق. حاول جاهدا الوصول إلى معنى محدد لكلمة الإيمو التي سمعها تتكرر على لسان الناس، فلم يفلح. ظلت التهمة غامضة. نعم، يعرف الحلاق منذ اليوم الأول الذي استأجر فيه المحل، واشتغل معه في تبليط الممر أمام الباب، وجلب له لفة من الكباب على الغداء، ووضع في جيبه حين انتهى العمل خمسة آلاف دينار، وهو أكبر مبلغ يحصل عليه في أشغال الشارع. وحين يحلق شعره لا يأخذ منه أجرة الحلاقة، كما يعفي أخاه الصغير من الأجرة. ناوله أكثر من مرة ألف دينار لشراء لفة فلافل، أيام ما كان بلا عمل، ويركن عربته أمام دكان جميلة، منتظرا الرزق. هذه الأفكار وغيرها راحت تشغل ذهن جواد منذ الظهيرة. وجد سجادة نور موضوعة عند الباب، وكان مفتوحا، ونور تنتظره لمساعدته على وضعها في العربة. منحته ألف دينار مقدما، مع تفاحة حمراء. تسل بها في الطريق، قالت له وهي تبتسم. وحين تحرك في الشارع وسمع الباب ينطبق وأصوات سامي ورامي تتعالى من الحديقة، وهما يلعبان لعبة طرزان في الغابة، ورائحة عطرها تصل ناعمة إلى أنفه، تمنى لو يستطيع مشاركة الولدين في اللعبة رغم أنه أكبر منهما سنا. العمل صار مرهقا لجسده. الشتاء أفضل من الصيف. الصيف في هذا البلد كأنه تنور نووي. وأعجبته كلمة نووي، وجعلت شفتيه تبتسمان.

وجد جميلة وحدها في المحل، تراجع حساباتها في دفتر مدرسي، وقلم من الرصاص في يدها، طلبت منه وضع السجادة وراء الباب، وغادرها دون كلام، وقد سحب عربته واتجه بها إلى بائع الخضراوات المجاور لمحل الكرادة. وكان نهاد يركن سيارته التاكسي أمام المحل، يتكئ على جسد السيارة ويدخن بشراهة فيما عيناه تراقبان حركة البشر في الشارع. أخبار ابنه عبود اختفت من النشرات اليومية. قسم يقول إنه سيعدم قريبا. وقسم يقول إن الشرطة طلبت عشرين ألف دولارا لإطلاق سراحه. ثمة خضار قليلة متبقية في الصناديق والسلال، ولم يشأ التوقف طويلا قرب المحل، وقرر التوجه نحو مدرسة ابن سعد، ومن هناك إلى منطقة المعامرة، المنطقة التي يحن لها دائما.

2

منطقة المعامرة هي منطقة شبه عشوائية، نمت على أطراف منطقة الدورة الشرقية، منذ عشرين سنة تقريبا، يقطنها عمال وشرطة وموظفون عاديون وكسبة، بيوت ملفقة، وشوارع غير مبلطة، تفصلها عن أطراف حي الميكانيك فسحة واسعة، عادة ما يمضي الأطفال من الشوارع المجاورة لعب كرة القدم فيها، وترى فيها أحيانا قطعان من الماشية وعدد من البقر، كما تسرح فيها أسراب من الدجاج، وعدد من الماعز. لا يعدم المرء من مشاهدة بيت نصفه من الصخر ونصفه من القصب أو من الصفيح، بيت يربي البقر والماعز ويصنع من حليبه اللبن والقيمر ليبيعه على المرفهين في شارع آسيا وشارع ستين والميكانيك، كما تأتي في الصباح سيارات صغيرة محملة بالجت والبرسيم والحشيش الأخضر المخلوط بالخباز والحويرلة من أماكن نائية، على أطراف بغداد، لتصب في هذا الحي العشوائي، علفا للحيوانات. وفي كل صباح يختلط نباح الكلاب مع صياح الديوك وثغاء الماعز والخرفان وجعير البقر، تأتي من زرائب ضيقة مسيجة بالقصب تكون ملحقة عادة ببيوت الصفيح، ووسط تلك البيوت الملفقة يمكن رؤية بيت فخم بواجهة منمقة وأعمدة مطبقة بالسيراميك تنتصب في حديقته نخلة أو نخلتان وعدد من أشجار النارنج.

أزقة المعامرة وشوارعها تنتشر فيها الحفر والمطبات، وتتحول في الشتاء إلى بحيرات مائية تدفع السكان إلى استخدام العربات الصغيرة للعبور، وتاليا، تتحول إلى مسرح لعب تستخدم فيه الطشوت الواسعة، وسائل عبور من جانب إلى آخر، رغم برودة الماء. إضافة للحفر والأمراض الجلدية، عششت فيها عصابات ومجانين ومشردون قادمون من الأرياف، وسحرة وبصّارون يعالجون عقم النساء ونفور الزوج من زوجته وتعيين أماكن الحاجات المسروقة، وأعضاء سريون لميليشيات وحركات مسلحة ومنظمات غير معروفة الهوية، مما دفع الشرطة إلى محاصرتها أكثر من مرة بحثا عن المجرمين والمزورين والخاطفين، ورغم كل ذلك البؤس الحياتي الذي يكتنفها فان أبرز ما يميزها هو رخص ايجارات البيوت والغرف فيها.

لقد قطن كاظم موحان مع زوجته وابنه جواد في تلك المنطقة عددا من السنين في بيت للإيجار، كان يقع على سطح بيت أرضي، وشاء صاحب الدار أن يضع درجا حديديا يقود من باب ملفق في الحديقة إلى الطابق الأعلى، وأجر البيت المكون من غرفتين وحمام وتواليت ومطبخ إلى عائلة الشرطي كاظم موحان، وجواد قضى معظم طفولته في تلك المنطقة، نشأ مع الأطفال ولعب الكرة معهم ودرس في مدرسة ابن سعد، وكان يحن إلى تلك البيئة الممتعة دائما، ويتذكر بحسرة ذلك اليوم حين رافق أباه وأمه إلى حديقة الزوراء ليشاهد القرود المتقافزة خلف الأسيجة الحديدية، والزرافة بعنقها الطويل وهي تقف أعلى سياج من القصب، والدب الضخم وهو يحدج الأطفال بنظرات مندهشة، وذلك الرواق المعتم الذي ضم عشرات الصناديق المائية التي تسبح فيها أسماك يراها لأول مرة في حياته.

كلما وجد فراغا من العمل اتجه إلى هناك، في توق دائم لاسترجاع سنوات طفولته، ولرؤية أقرانه الذين كبروا، وسماع الديوك وهي تعلن عن نفسها في فسحات مهملة جنب البيوت.

كان آخر من رآه يتجه إلى تلك المنطقة جلال ملك، فقد تصادف نزوله من سيارة الدائرة عند سوبرماركت الكوخ، وكان في نيته شراء بعض الأغراض. رآه جلال يختفي مع عربته خلف جدار المدرسة، وكان ذلك آخر عهد لشارع الدير بجواد. إذ لم يرجع ذلك المساء إلى البيت. عصافير أشجار الزيتون لن تسمع ضوضاء عجلات عربته، ستفتقدها ربما إلى الأبد، والوجه الأسمر المدور لن تلمحه جميلة، ولا نور، ولا نغم، ولا أي من النساء اللواتي اعتدن عليه وهو يتعرق بسبب سمنه أثناء ما كان ينقل أكياس النفايات أو قطع الأثاث أو قناني المياه المعقمة.

3

الشخص الوحيد الذي انتبه لغيابه هي أمه، غابت الشمس، وتسللت العتمة إلى غرف الشقة وزواياها، وتحولت الدقائق إلى سيل جارف من القلق، تنتظر خطواته على الدرج دون جدوى. تدخل المطبخ، تحدق في خزائن الطعام والمواعين المغسولة المنشورة على المجلى، تعود إلى الصالة الصغيرة، تزيح الستارة عن الشباك المغلق ثم تحدق إلى ساحة الدير، يطول الصمت بينها وبين ابنها الصغير المشغول بلعبة قديمة أمام شاشة التلفزيون المطفأ، وفي الساعة التاسعة مساء لم تعد تحتمل الانتظار. سحبت ابنها الصغير وراءها وبدأت بالسؤال عن جواد. لم يعتد التأخر حتى هذه الساعة، فهو استيقظ منذ السابعة صباحا، ولم يأت لتناول الغداء. هي تعرف أن معنى ذلك تناوله وجبة في أحد البيوت، لكنه متعب ونعسان، وتأخره مثار ريبة وقلق. وعد أخاه الصغير بجلب طائرة تشتغل بالريموت كونترول، سعرها كما قال، لا يتجاوز الثلاثة آلاف دينار. انتظره أخوه على نار. تمشي وتحاور نفسها. الساعة التاسعة ليلا. ليست من عاداته.

أول ما ابتدأت ببيت جلال ملك. وجدته جالسا في الحديقة يحتسي كأسا من البيرة، كانت موضوعة على حافة شباك المطبخ. الولدان في الحديقة ونور تجلس جنبه على كرسي من البلاستيك. قالت لهما جواد لم يرجع إلى البيت لحد الآن. قال لها جلال إنه لمحه في حوالي الثالثة والنصف متجها بعربته إلى منطقة المعامرة، خلف المدرسة. ربما انشغل باللعب مع الأولاد هناك، طمأنتها نور. لكنها لم تطمئن، فهي لم تعتد على غيابه بعد الثامنة، خاصة وأن الوضع في بغداد لا يدعو إلى الطمأنينة. خطف وقتل وتفجيرات واغتيالات. وحين غادرت فتحة الباب بعباءتها السوداء ساحبة ولدها جنبها لم يكن وجهها ينم عن أية قناعة في ما قيل. أخيرا رافقتها جميلة بعد أن أغلقت دكانها واتجهتا إلى الشارع فبدأتا بالسؤال من بيت إقبال وعادل. أكدا أنهما لم يرياه منذ أن أنجز نقل الأثاث، وتبرع عادل بمرافقتهما.

اتجهوا جميعا نحو سوبرماركت الكوخ. سأل عادل الصبي الواقف في المحل فأخبره أنه رآه في وقت العصر يتجه إلى منطقة المعامرة. وهكذا اتجهوا إلى هناك. مروا بمدرسة ابن سعد، ثم اجتازوا الفسحة الواسعة خلف سياج المدرسة، وكانت مغطاة بالشوك والعاقول والنفايات، تحيطها من كل الجهات بيوت واطئة سيئة التصاميم، وهي التي يطلق عليها اسم المعامرة. وكانت الأم تتلفت يمينا وشمالا وكأنها تستعجل رؤية جواد يبزغ من شارع ما، أو ينبعث من غيضة صغيرة في زاوية. كما جاءها هاجس غامض أنها ربما تعثر عليه مقتولا، ولكنها دفعت هذا الهاجس بعيدا عن كيانها. هاجس بشع، كلما برق في رأسها يملؤها بالرعب. كان عادل لا يكف عن الحديث المطمئن، يريد منه إدخال الصبر والأمل إلى قلب أمه، يقول إنه يلعب مع أولاد المنطقة لعبة كرة القدم، وسينتبه للوقت وقد نلتقيه بعد دقائق، لا تقلقي، يوجه الحديث لأمه وهو يمتص سيجارته الفايس روي بعنف. يقول لها: كان من المفروض أن تشتري له تلفونا حيث يمكنك الاتصال به في أية لحظة. التلفون اليوم عنوان متحرك، الناس تتصل من أميركا واليابان وباريس، للتحدث مع قريب أو صديق في شارع الدير. التلفون ألغى الحدود بين الدول. كنا محرومين منه حتى جاء الأميركان وأدخلوه إلينا. وترد عليه أمه بالقول وهي تخنق دموعها: من الغد سأشتري له واحدا. أنا متأكدة أننا سنجده في البيت حين نعود، أين يذهب، تتساءل جميلة وهي تستعجل الوصول إلى بداية حي المعامرة.

في مدخل الشارع، وعند الزاوية القريبة من الفسحة البرية، رأوا عربة جواد. كانت مركونة بإهمال على الرصيف، وجواد لم يكن هناك. العربة فارغة ووحيدة مثل هيكل بشري. العربة عارية. إنها حزينة فكرت الأم، فهي من دون جواد. طرقوا باب أقرب بيت إلى العربة فخرج عليهم رجل كهل لم يفهم القصد من سؤالهم. قالوا له أين صاحب العربة، فلم يفهم ماذا يريدون، قال لهم وكيف يعرف من هو صاحب العربة ولم تركها هنا، لم أكن في سجن بوكا، ولا في سجن أبو غريب، كنت نائب ضابط في الحرس الجمهوري. وبشعره المنكوش، وملامحه الصلدة وقف يحدق بهم كما لو أنهم البشر الوحيدون على هذه الأرض.

ولكي يبسط عليه عادل القضية أخبره أن صاحب العربة اسمه جواد، شاب في الخامسة عشرة من عمره تقريبا، أسمر، ممتلئ الجسد، ذو عينين عسليتين، ويشتغل بنقل طلبات الزبائن وتوصيل الأغراض بواسطة هذه العربة، وهو ابن هذه المرأة، وأشار إلى أمه. جواد اختفى، لم يعد إلى البيت، وهم يبحثون عنه، وجدوا عربته لكنه هو غير موجود. وسأله ببطء وصوت عال: هل رأيته؟ اعتقد عادل أن الرجل أصم، أو متخلف عقليا، فعيناه لا تستقران على الوجوه، وفي ملامحه ذعر غير مفهوم. قال الرجل كلا، ولا أعرف جواد، ولم أره في حياتي، اهربوا، الأميركان قادمون، بعد قليل ستبدأ المواجهات بين الطرفين، رأيت الراجمات تتأهب، والمدافع تدقق تصويبها، والآر بي جي معبأة بالصواريخ وجاهزة للانطلاق، ثم أغلق الباب بعد لحظة من الذهول توقف خلالها نهائيا عن الكلام. لقد أفرزت الحروب المتعاقبة، منذ الحرب العراقية الإيرانية وحتى اليوم، هوامشها، وثمارها الفجة التي لم تعرف قبل ذلك في أي من السنين، فثمة المعوقون ممن قطعت أطرافهم نتيجة انفجار قنبلة أو شظية طائشة خلف السواتر الترابية، وأصبحت لهم مؤسسة خاصة تتكفل باستيراد الأطراف الصناعية وتركيبها، فتحت لها فروعا في أغلب المستشفيات، وثمة قطيع هائل من الأيتام الذين فقدوا آباءهم، وامتهنوا خلال عقود من الحروب بيع البضائع التافهة في تقاطعات الشوارع، ومسح زجاج السيارات، أو جمع الحاجات القديمة من المزابل، ليعاد تصنيعها في معامل أهلية أشهرها معامل البلاستيك. وهناك آلاف ممن فقدوا متعة العيش وتحولوا إلى مدمني كحول، هجروا بيوتهم وأخذوا يعيشون في الشوارع، ينامون في البنايات المهجورة وقرب الجسور وفي الأزقة المهملة، تفوح منهم رائحة الكحول نهارا وليلا، ويستدل عليهم المرء من الرائحة المنتشرة حولهم بقطر عشرات الأمتار. ويأتي في مركز الهوامش تلك، هوامش الرعب والأسر والموت والتشوه والهروب من المعسكرات والجبهات، مجانين ثلاثين سنة أذهبت غيلان الحروب عقولهم وحولتهم إلى مشردين.

إنه واحد منهم، فكر عادل الواقف خاشعا بمواجهة العربة اليتيمة، لقد شاهد عددا منهم في المعسكرات التي سجنوا فيها، المجانين الذين فقدوا الصلة بالواقع بعد أن عجزت عقولهم عن تقبل ما يجري لهم، لحاهم المنكوشة، أسنانهم الصدئة، عيونهم السود المتوهجة السابحة في عالم دخاني آخر، ارتجافات شفاههم وهي تتلمس الكلمات قبل اطلاقها. شاهد منهم الكثير تحت جسور بغداد، وفي كراجاتها، وعند المباني المهدمة التي تركت في الشوارع مثل ندوب تروي سيرة الحروب المتعاقبة التي عاشها البلد. كانت أعدادهم في تصاعد منذ الحرب العراقية الإيرانية وحتى اليوم، وقيل أن قسما لا يستهان به منهم تمت تصفيته ليلا من قبل حركات مجهولة ما أن انهارت الدولة بعد سقوط العاصمة. هم الجثث المجهولة الهوية التي تجمعها الشرطة صباح كل يوم وتنقلها بسياراتهم الزرقاء المكشوفة إلى المشرحة.

دفع عادل العربة أمامه وعادوا من الطريق ذاتها. لقد اختطف، فكر عادل مع نفسه، لكن لماذا، عائلته ليست غنية كي يطلب الخاطفون فدية، ولا هو ابن مسؤول أو ضابط أمن لكي يكون الاختطاف انتقاما من الأب. سيأتي بعد لحظات، قالت جميلة لأمه وكانت تنهنه بدموع صامتة وهي تسحب ابنها الصغير جنبها. عودي إلى البيت وسيأتي، أنا متأكدة من ذلك.

لكن جواد لم يأت ذلك المساء. ولا في المساء الذي تلاه، ولا في أي من المساءات الخريفية التي مرت على اختفائه. أصبح لغزا مضافا إلى ألغاز شارع الدير، ومنطقة الدورة، وربما ألغاز العاصمة بغداد كلها. لكن من يأبه لذلك!!!

4

تجمع في الليلة ذاتها عدد من أهالي الشارع أمام باب البناية التي تسكنها أم جواد، بينهم جلال ملك وأبو نغم وعادل ونهاد السائق، وكانت النسوة في الأعلى يواسين أم جواد، وقد تجاوزت الساعة الحادية عشرة. ثمة قناعة عامة مضمرة لدى الجميع أن جواد خطف، لكن لم يجرؤ أحد على التصريح بها. في الأعلى كانت أم جواد تلبس عباءة بيضاء تلف بها جسدها، ورأسها، محاطة بعدد من جيرانها من بينهن جميلة ونور وسعاد زوجة رياض وحتى نغم الطالبة في الكلية، وهي تصفق يدا بيد وتحدق في الجدار المقابل بعينين فارغتين، وتتخيل وجه جواد مدمى في زقاق مهمل أو بناية مهدمة أو مصرف مياه في منطقة من مناطق بغداد. وحين تتجلى الصورة على هذه الشاكلة يستعصي عليها سحب الهواء. تبدأ تعابيرها بالبهوت. تميل إلى الأمام لتسقط على وجهها، وتبادر النساء المحيطات بها إلى إرجاعها إلى الخلف، وجلب الماء لها، ومسح وجهها بقطرات باردة كي تستعيد وعيها.

الشقة صغيرة، تتكون من صالة كبيرة مليئة بالأثاث، وهناك شباك يفترض أن يطل على ساحة الدير، لكنه مغلق، وآخر يطل على الشارع وضعت عليه ستارة بيضاء خفيفة، وعند نهاية الصالة ينتصب المطبخ، وليس بعدا عن ذلك الحمام والتواليت. الشقة مرتبة، ونظيفة، كما تهامست النسوة بذلك، وتشع من جدرانها سكينة تستولي على القلوب. وتحت التلفزيون المطفأ، المغطى بنسيج مخرم أبيض اللون، طار جواد ذات مرة فوق بغداد الشاسعة، المريضة، على بساط الريح، حالما بنهاية سعيدة لحياته.

– اختطف بالتأكيد، كرر عادل هواجسه بصوت عال هذه المرة لجاره جلال ملك، لكنني أخشى من شيء واحد.

– ما هو؟ سأله جلال ملك وهما يقفان جنب عربة جواد، أمام باب البناية، وقمر ساطع يرتفع فوق نخلة أبو هند، ويرين هدوء عميق على بيوت الشارع.

– أخشى أن تكون عصابة من عصابات تجارة الأعضاء البشرية. هم اليوم يعملون في معظم أماكن بغداد، في البتّاويين وحي العامل والدورة والزعفرانية، بل حتى أنهم قبضوا قبل فترة على عصابة تشتغل في الموصل. تخيل أين وصل بنا الحال يا جلال. المتاجرة بالأعضاء البشرية. يقال أن الكلى هي المفضلة، لأن زراعتها في مستشفيات بغداد سهلة، أما القلوب والعيون والأطراف والأعضاء الأخرى فهي لا يمكن التعامل معها هنا، لكن هناك عصابات تهربها إلى الأردن وإيران وسوريا، وبعض دول الخليج، عبر الطريق البري بين البصرة والكويت، ويجنون مبالغ طائلة. كنا نسمع قبل الحرب العراقية الإيرانية عن أشخاص يبيعون دمهم إلى المستشفيات، وكان لدي صديق هو زبون دائم لمستشفى اليرموك، يبيع كل أسبوع أو أسبوعين قنينة من الدم. كان وجهه أصفر دائما، وفي اليوم الذي يتبرع فيه بالدم يتناول معلاقا كاملا من معاليق الغنم، خاصة الكبدة، مع كيلو من الليمون يسترد فيه عافيته. أما بيع الأعضاء البشرية فشيء لم يفد إلا مع الاحتلال الأميركي، وانفلات الوضع، وسيطرة الميليشيات والإرهاب والعصابات.

جلال يحدق فيه بذهول، مطحنة الكلام هذا.

– ماكو حكومة. تطورت قضية تجارة الأعضاء إلى ولادة عصابات، تقوم بخطف المشردين والمجانين والمعوقين والأطفال وسرقة أعضائهم. يفتحون أجسادهم في بيوت سرية، عبر أطباء أو ممرضين متواطئين معهم، ثم يقتطعون الأعضاء التي تهمهم، ثم يخيطون الجرح ويرمون الجسد إلى أقرب مزبلة. تخيل ذلك. الغش فنون في بلدنا. سمعت عشرات القصص عن سرقة أعضاء من مرضى يتعالجون في المستشفيات أيضا. تذهب لكي تجري عملية الزائدة الدودية فتخرج من دون كليتك. هل تتخيل إلى أين وصلت بنا الحال؟

وكان جلال يسمع ولا يكاد يصدق، وعادل يستمتع بقص الحكايات عليه، وبين حين وآخر يقول له فجأة:

– أفضل ما تقوم به هو مغادرة هذا البلد، طر أخويه جلال طر، حلق في الفضاء مثل العصافير، انقذ أولادك وزوجتك، هل تدري كم عائلة نكبت في تفجير جامع النور؟ عشرات، وهذا تفجير صغير، كيف بالتفجيرات الضخمة التي تنكب مئات العوائل؟ هذا البلد ملعون، انظر إلى التاريخ، حرب الأكراد، حرب ايران، حرب الكويت، قبل ذلك مذبحة الحرس القومي، وقبلها مذبحة العائلة المالكة في قصر الرحاب، وقبلها وقبلها كيف تعاقب العثمانيون والصفويون على احتلال البلد وحولوه إلى اسطبل لخيولهم، طر أخويه جلال طر وهاجر مثل الإوز البري إلى مكان ناء، استراليا، كندا، القطب الشمالي، لا تلتفت إلى الخلف.

ورغم أن جلال ملك لم يشر يوما إلى أنه سيغادر البلد لكنه استنتاج عادل لوحده، فالأسرار لها رائحة، هذا ما كان يؤمن به جلال دائما. وفكرة مغادرة البلد كانت قد رجحت على كل خياراته. السكن في البلدة غير معقول لأن عمله في بغداد يعيق حركته، والرحيل إلى أربيل غير مضمون العواقب. العمل في دار النشر تلك قد لا يستمر طويلا، وهو يعرف فوضى الأعمال والمؤسسات، والارتجالية التي تسير بها، خاصة وهي تعتمد بعض الأوقات على مزاج شخص واحد هو المدير أو مالك المؤسسة.

كان جلال كان يفكر بكل ذلك وهو يقف في وسط شارع الدير مع عادل.

اقترب الوقت من منتصف الليل، وعاد الجميع إلى بيوتهم.

5

لنهارات عديدة ظل بيت أم جواد قبلة للنساء، والأمل برجوع جواد راح يتضاءل يوما بعد آخر. لم تحتمل أمه فقدان جواد بهذه الطريقة، وظلت عربته مركونة في الأسفل طوال أسبوع كامل، وكأنها تنتظر عودته. لم تعد الأم تحتمل البقاء أكثر في الشقة، والشارع، فرحلت ذات يوم بسيارة حمل من نوع كيا هي وطفلها الصغير مع أثاثها، دون أن تودع أحدا من سكان شارع الدير. كما تركت عربة جواد في مكانها وكأنها رمز للعذاب يذكّر أهل الشارع بمأساته. فعلا، قضى اختفاء جواد المفاجئ على آخر ما يمتلكه جلال من أمل في إعادة السكينة إلى نفسه. دائرة حياته في شارع الدير تم غلقها، سيصبح الجميع مجرد ذكرى، جميلة، سعف النخيل المتهدل في فضاء الشارع، رائحة الأترج، صوت المؤذن الشجي في نهايات الليالي، ليالي السهر والقلق والخوف، رائحة الخبز، واجهات الأبواب المغسولة في الصباحات، الفاختات وهي تهدل بين أغصان شجرة الزيتون، لحية عادل الطويلة البيضاء المسكونة برائحة المستكي ودخان السجائر، أم رياض، نهاد، صوت مولد الكهرباء وهو يزيل وتيرة الصمت في سماء الشارع، كل ذلك سيتحول إلى ذاكرة بعيدة، شاحبة، لشارع يتيم يسبح في غموضه المخيف.

قبل أشهر فقط، عاش قصة اختطاف مرعبة. يتذكر الآن ذلك النهار جيدا. صباح يوم الجمعة عادة ما يكون مزدحما في الشارع الرئيسي، شارع الميكانيك، تقضي الناس اشغالها مبكرا وتستعد لصلاة الجمعة وملحقاتها كالتنظيف والطبخ وغسل الملابس، كان برفقة سامي، ابنه الكبير، مرا من أمام بيت عادل ثم عند نهاية شارع الدير انعطفا يسارا نحو شارع الميكانيك، ووجدا الضجيج والزحمة على أشدهما. هذه الأوقات تشعر جلال بالإثارة فاليوم عطلة وتأتي إثارته من أنه يرى حركة الشارع ويخوض فيها كأي فرد من مجموع، يهتم بتفاصيل الحياة اليومية، وكانت نور في منتهى السرور لسامي فهو يرافق أباه إلى السوق وينضج قليلا قليلا للوصول إلى عتبة المراهقة، وتحمل المسؤولية، خاصة حين طلب منه جلال مرافقته للتبضع ومساعدته في حمل الأغراض. منذ فترة وهو يتشكى من معاملته كطفل مثل رامي. صحيح أنه يخاف وحشة الغرف العلوية، ويخشى النوم بعيدا عن أمه، ويتخيل مخلوقات الظلام حين يطفأ الضوء وهي تهجم على جسده، ويلعب في الحديقة مع رامي ألعابا خيالية تمت إلى الطفولة أكثر مما تمت إلى المراهقة، لكنه يشعر بالنضج المتدرج الذي يغزو جسده يوما بعد آخر. أكثر ما يدخل الفرح في قلبه حين يمسك جلال يده ويمشيان جنبا إلى جنب، يحس عندها بأمان فائق، وكأن تلك اليد الضخمة تحميه من مفاجآت الشارع وقسوته وأحداثه غير المتوقعة.

وقفا عند بائع الفواكه والخضار، أفلت جلال يد سامي وبدأ ينتقي من العنب والموز والتمر، ودس باقات من البقدونس والفجل والنعناع في كيس آخر، وسط تدافع النساء والرجال الواقفين حول أقفاص الفاكهة المعروضة، بعد ساعات سيخلو الشارع من المارة وتغلق معظم المتاجر أبوابها، سينتهي المهرجان قبل أن تبدأ الصلاة، وستحضر النسوة غداء الجمعة الذي تنتظره العائلات كلها بنشوة ومتعة. وكان جلال قد أنهى دفع الحساب ثم التفت باحثا عن سامي كي يتقاسم الأكياس معه، ولدهشته لم ير وجه ابنه، ظن أنه مشى خطوات باتجاه سوق الكرادة فخطى متعجلا في ذلك الاتجاه، لكنه حاذى الباب ولم يلمح جسد سامي، وتحولت الدهشة إلى ارتباك، فوقف على الرصيف مديرا عينيه بالأمكنة جميعا، لا يمكن، فكر مشوش الذهن وهو يقف حائرا لا يعرف بالضبط ما الذي ينبغي عمله في مثل هذه اللحظة.

– هل رأيت صبيا صغيرا بعمر اثنتي عشرة سنة؟ ابني سامي.

بدأ يسأل المارة بوجه شاحب وعينين شابحتين متوسلتين بالوجوه، كان معي هنا ثم اختفى فجأة، وقف شخص أو شخصان يسمعان ما يهذي به لكن لا أحد أجابه، يهزون رؤوسهم بعجب ثم يمضون، عاد إلى تجمع الزبائن حول بائع الفواكه لكنه لم يلمح أي أثر لسامي. ذهنه أصابه الشلل، وحواسه تعطلت من الرعب، وأول خاطرة وفدت إلى رأسه هي أن سامي قد خطف. رجلاه راحتا ترتجفان، وعيناه تتأملان في الوجوه، وتتابعان سيل السيارات تبحثان عن وجه سامي في واحدة منهن. تمر سيارات الكيا المكتظة ولا يلمح بين راكبيها وجه سامي. تمر سيارات التاكسي فارغة. يمضي المتسوقون إلى بيوتهم من دون ابنه الضئيل الحجم. ترك المشتريات قرب البائع وركض بقلب متسارع الدقات إلى الطريق الذي جاءوا منه، مسح الطريق حتى ساحة ابن سعد، لكنه لم يعثر على سامي. عاد إلى شارع الميكانيك لسؤال المارة دون جدوى، خطف، أكيد خطف سامي. جلجلة مولد الكهرباء الصاخبة، وسرعة مروق السيارات في الشارع، وفوضى خطوات البشر وهم يجولون على المحلات، وأشعة الشمس التي راحت تسخن بثبات، والأصوات المشوشة في داخله، كل ذلك حوله إلى شخص مشلول لم يعد قادرا على التفكير بوضوح، ولم يلبث أن وقف مثل عمود متأملا في ما عليه أن يتصرف، فيما عليه أن يتخذ من خطوة تالية.

وفي لحظة صحو خاطفة، في استراحة بين موجتين من الرعب، مال عقله إلى احتمال آخر غير كل الاحتمالات التي وردت إلى خاطره، هل يعقل أن يكون سامي قد عاد إلى البيت؟ كان هذا هو الأمل الضئيل المتبقي له، الأمل الذي بث في ساقيه شجاعة جديدة دفعته للمضي إلى نهاية الشارع، مجتازا نوفوتيه جميلة، وما كان يدعى سعد الحلاق، ثم منعطفا إلى الزقاق الضيق الذي يقود إلى شارع الدير. هذا ما كان يخشاه، أن يتم اختطاف سامي، ومن بين يديه، وهو استنتاج مرعب لا يريد المضي به، وها هو يتشبث مثل غريق بالأمل الأخير. هذا هو الأمل الذي دفعه للهرولة متجها إلى بيته. حين فتح الباب الأسود، وأطل على الحديقة، كاد أن يقع من الفرح، وجد سامي ورامي يلعبان في الحديقة، لم يتمالك روحه فجلس منهارا تحت ظل شجرة الزيتون وهو يردد في وجه سامي: لماذا؟ لماذا؟ وسامي ينظر إليه ويبتسم، إذ لم يدرك حجم الرعب الذي أشعله في قلب جلال.

لن ينسى ذلك النهار، لذلك راح يتخيل حجم الرعب الذي تعيشه أم جواد وقد اقتنعت بحقيقة أن جواد قد اختطف، وأنه في طريق لن يعود منه. اي السيناريوهات حيكت لجواد، راح جلال يسأل روحه أثناء ما كان بصره يتمدد خارج الشباك، مثل لسان غير مرئي، راصدا بمشاعر حلمية تلك النجوم المليونية المتلامعة في السماء. تلك المجرات المكتشفة وغير المكتشفة وهي تشي بضآلة الكائن البشري على هذه الأرض. لا بد أن الأمر حدث هكذا. عند منطقة المعامرة رصداه وهو يجلس قرب بيت يقع على حافة الفسحة، يجلس حالما بذلك البساط الطائر الذي سيمتطيه ويطير فوق بغداد، اقتربا منه بسيارة التاكسي التي يستقلانها، نزل اثنان من السيارة وبقي السائق متأهبا، ناديا عليه كما لو كانا يرومان سؤاله عن أمر ما، راسمين تعابير الطيبة والالفة على شفتيهما، وبطيبته المجبول عليها، وسذاجته، وجهله فيما يجري في شؤون البلاد اقترب منهما وانتظر السؤال، وعيناه تشعان بالفرح، سيقدم خدمة لأشخاص ضلوا طريقهم أو يجهلون عنوان بيت جاءا إليه لأمر طارئ.

كان مستسلما مطمئنا، إلا أنه فوجئ برجل منهما ينقض عليه ويزرقه بإبرة، بجهاز ما يجهل نوعه، وإن هي إلا ثوان، لم يلحق خلالها بفتح فمه لطلب النجدة حتى غاب عن الوجود. وضعاه بلمح البصر في الحوض الخلفي ثم جلس واحد منهما جنبه فيما جلس الثاني جنب السائق، لقد أنجزا المهمة بنجاح، انعطفا من أمام باب المدرسة، ثم توجها إلى شارع الميكانيك صعدا نحو قلب المدينة. كان جواد نائما، مفعول المخدر أكبر من أن يظل محتفظا بوعيه، هكذا تجري الأمور كما فكر جلال. المنظر لن يوحي بالريبة، ثلاثة رجال في سيارة تاكسي، وشاب صغير ينام بطمأنينة، وهكذا اجتازوا كافة السيطرات المنتشرة بين الدورة والجسر ذي الطابقين، ومن هناك مروا بساحة الحرية، وحدقا إلى مطاعم ومثلجات الفقمة، ثم انعطفوا بعد كيلومترين إلى الكرادة، وحولهم الحياة تمضي كما تمضي كل يوم، واجتازوا المسرح الوطني وشاهدوا، يعيون ناعسة وكسولة، نصب كهرمانة وهي تصب الزيت في الجرار، ودّعوا نصب كهرمانة ودخلوا في شارع السعدون، وقبل بلوغ ساحة التحرير انعطفوا نحو اليمين في إحدى أزقة البتاويين.

هذا هو المكان الذي قال عنه عادل أنه أصبح مركزا لتجارة الأعضاء البشرية. ماذا تظنون قد حدث هناك؟ جلال يلاحق الجناة بعين دقيقة، مترصدة، دون أن يكتشفه أحد، كما لو كان يلبس طاقية الإخفاء في حكايات ألف ليلة وليلة. الزقاق معتم، فهم تعمدوا الوصول عند الغروب، حيث الكهرباء الوطنية ميتة، ومثل معظم البيوت المتهالكة تلك لم يكن أي من القاطنين يمتلك اشتراكا بكهرباء المولد المحلي، كانت الأبواب نصف مغلقة، وثمة نساء يتوارين في العتمات مثل أشباح، فالبتاويين مثلما هي مكان لتجارة الأعضاء البشرية هي أيضا مكان للدعارة، وبيع الحشيشة، وتزوير العملة الوطنية والأجنبية، ومأوى مثالي للمجرمين. وعند باب معتم مثل فم أدرد نزل الثلاثة ونقلوا جواد إلى الداخل، خرج شخص واحد فقط قاد السيارة إلى جهة مجهولة بعدها أطبق الباب على طبابة الرعب.

يلاحقهم جلال بخياله المنفلت، فيقع عليهم وهم يجتازون الصالون المضاء بفانوس نفطي، وتمتد على طول جدرانه أرائك ذات رائحة عفنة، تفترشها نساء غير واضحات الملامح، إلا أن ما هو مؤكد أنهن لا ينتمين إلى أسرة مثل كل الأسر البغدادية، بل ينتمين إلى طائفة موبوءة، غامضة، موجودة لكن الجميع يتحاشاها، ألا وهي طائفة البغايا. الرجال مع جواد يجتازون الصالون عبر باب خشبي وضعت عليه ستارة سميكة كانت ذات يوم منسوجة بالرسوم والخيوط الملونة دون أن يعيروا أي اهتمام للجالسات، وهن أيضا لم يبادلوهم أي كلام، وراء تلك الستارة تقبع ورشة الأعضاء البشرية، أو كما يسميها القاطنون، ورشة الجراحة. مدد جواد على أريكة طبية ملوثة بالدم، تحت مصباح ساطع، ولأن الكهرباء سواء الوطنية أو المولد المحلي غير فاعلين خمن جلال أن الضوء مصدره مصباح شحن شاع في السنة الأخيرة في محلات بغداد ومتاجرها، يشحن خلال وجود الكهرباء ثم يلبي الحاجة للإضاءة لمدة ساعة كاملة. زرق مرة أخرى بمخدر إضافي لتفادي الاستيقاظ المفاجئ، ولتفادي الصراخ غير البشري الذي سينطلق لا محالة فيما لو فاق جواد أثناء العملية كما فكر جلال، وبدأ رجل مختص يشبه الجزار عمله المحترف. الطبيب الجزار، وربما الممرض الجزار، صاحب الخبرة المكتسبة في العقد الأخير حين سارت الحياة في هذا البلد نحو مفازة غير مسبوقة من الفوضى.

لا صوت في تلك الغرفة المغلقة، ليس هناك سوى الروائح الكريهة، المتجمعة منذ سنوات ربما على سطوح الجدران العتيقة، وفي زوايا الخشب، وتحت الورق البلاستيكي الشفاف، الذي يبدل بين حين وآخر. بين عملية وأخرى. الرجل البارع شمر عن ساعديه وأزاح العرق المتجمع على وجهه، فليس هناك مروحة في الغرفة، ووقف الرجلان حول الأريكة يتأملان في يديه البيضاوين بسبب ارتدائه قفازين شفافين، ويلمح تحت الأريكة الطبية سطل من البلاستيك مليء بالثلج، وهو الوعاء الذي ستوضع فيه الكلى أو القلب أو العيون، أو ما يجد الطبيب الجزار من أعضاء مفيدة في الجسد الطازج المليء بالقوة.

هناك احتمالان، لا ثالث لهما، سينتهي إليهما جسد جواد بعد نزع ما يجلب الربح من الأعضاء، الأول أنه سيلف مثل قطعة اسفنج ويوضع في كيس بلاستيكي ضخم ويحمل في سيارة التاكسي ذاته ثم يسافر مع الرجلين أو الثلاثة نحو المناطق النائية المحيطة بالعاصمة، ليلقى في مكب شاسع المساحة للنفايات، حيث ستنقض الغربان والثعالب والجراذين عليه خلال ساعات النهار، مستنفزة برائحة الدماء والأنسجة الرخوة الطازجة، ولن تغيب عنه الشمس حتى يتحول إلى هيكل عظمي مجهول الهوية. أو يلف الجسد مثلما السابق لينتهي في بناية قديمة مهدمة على أطراف المناطق العشوائية أو على تخوم الأرياف، وهي مناطق اشتهرت بأنها تذبح الحمير وتفرم لحومها لكي تباع لاحقا في أسواق الشورجة، وحي المعلمين، والفضل، وعند لحامي الحيدرخانة القريبة من شارع المتنبي المختص ببيع الكتب الثقافية.

لكن ما الذي يفعله جسد جواد هناك؟ وهنا أحس جلال بالرعب وهو يتخيل نهاية هذا السيناريو، هل يعقل أن يقوم أحد بفرم جسد انسان وخلطه باللحوم المعدة للاستهلاك البشري؟ لحم حمار مطعّم بلحم بشر، لا، لا يمكن تخيل ذلك، رغم أن البلد أنتج أعدادا لا يستهان بها في العقود الأخيرة من الوحوش البشرية. وتلك حقيقة لا يمكن له تجاهلها حتى لو رسا إلى هذا السيناريو الذي لا يصدق. ربط هذا السناريو المرعب بفكرة أكثر غرابة وشذوذا، فعاد إلى ذلك النهار البعيد حين فر سامي من بين يديه وظنه قد اختطف، وشعر بالتقزز ما أن راودته فكرة وضع جسد سامي بدلا من جسد جواد. وبعد استراحة فكرية قصيرة عاد خيال جلال ليتابع السيناريو الثاني المبتكر من روحه الخائفة، المرعوبة، الشاذة، بعد أن بلورتها شهور الرعب التي مرت بشارع الدير وربطته إلى مسارات تلك الرصاصة التي دست قبل أيام بعيدة في سيارته.

في هذا البلد لا يمكن استبعاد أي حدث مهما بدا بشعا للإنسان السوي، لهذا لا يستغرب المرء، فكر جلال، في أن ما جرى لجواد أخذ هيئة السيناريو الذي صار يتخيله بوضوح. القسم الأول من السيناريو السابق ظل نفسه، والاختلاف جاء في مرحلة لاحقة، إذ بدلا من الذهاب إلى منطقة البتاويين، ودخول بيت الرعب ذاك، يمضي الرجال بسيارتهم إلى منطقة أخرى، وحين فكر بأسماء مثل السيدية، الأعظمية، الكاظم، الفضل، منطقة كسرة وعطش، بغداد الجديدة، حي القاهرة، الدورة، وغيرها من الأمكنة، الأليفة، لم يستبعد أي منطقة، فالسنوات السابقة جعلته يصل إلى قناعة هي أن الجميع يمكن أن يقدم على القتل، تحت يافطة مقبولة، وذرائع مسوغة، وحجج فيها كثير من المنطق.

سيكون البيت هذه المرة أكثر أناقة من بيت البتاويين، وربما تقطن فيه أسرة ما للتمويه، هناك في الحديقة الخلفية سيزرق جواد بالمخدر ذاته، ولكن بدلا من نزع أحشائه المفيدة يتم تفخيخه بأستذة، ودراية، ودقة، يلف على بطنه الحزام الناسف الذي يربط به جهاز الموبايل، المعد للتفجير، في النهار سوضع في سيارة عتيقة ويرافقه الرجلان ذاتهما ثم يتجهون إلى الهدف المطلوب، أمام مركز للشرطة، قرب باب مستشفى مكتظ، وسط سوق شعبي، أمام مدرسة يجتمع تلاميذها على بائع اللبلبي أو شعر البنات، في مسطر للعمال المياومنين ينتظرون رب عمل يقبل بتسخيرهم ليوم واحد، وهكذا، يتركون السيارة هناك، ويمضون خفافا تاركين جواد النائم، غير المثير للريبة، وعند زاوية ما من الشارع القريب، يدير الشخصان أو الاشخاص ذلك الرقم. ما أن يرن الرقم حتى يتحول جواد إلى روح طائرة تنظر بحسرة إلى جسور دجلة، وعمارات البنك المركزي، وبرج المنصور، وحدائق الزوراء، تنظر بحسرة، لكنها لن تكون وحيدة في هذه السماء المغبرة الساخنة المتلاهثة النجوم، بل سيرافقها عدد لا يستهان به من الضحايا، شبابا وشيبا، نساء ورجالا، دجاجا وحميرا، شرطة ومدنيين، تلفهم هناك في العلالي رائحة الشواء البشري المختلطة برائحة البارود.

منذ الليلة الأولى لاختفاء جواد، وسرحان عقله المريض بتلك السيناريوات والصور المتخيلة، أصبح نوم جلال قلقا، متقطعا، لا ينام في الليل إلا سويعات، وثمة إحساس في داخله أن السكين تقترب من رقبته، ورقبة العائلة. اختفاء جواد، يثبت، حسب ما فكر فيه عميقا وفي أكثر من مكان، أن هناك قوى تعرف ما يجري في الشوارع والمناطق، بل وتعرف البيوت وساكنيها، ولديها ربما أرشيف لكل شخص يعيش في هذه المدينة، والبلد كله. لابد أنها تتبعت مسار رعبه منذ أن اكتشف تلك الرصاصة اللعينة في سيارته البرنس، وبدأت تلعب معه لعبة المراقبة عن بعد. وكل تلك الأحداث الكبيرة التي مرت على شارع الدير ما هي إلا تمرينات للانقضاض عليه وذبحه. تمرنوا بجاره أبي هند، الذي اختفت أخباره بعد أن رحلت عائلته وظل بيته فارغا، ثم بسعد الحلاق، الإيمو كما قالوا، وسحقوا رأسه ببلوكة الخرسانة على مرأى من كائنات الشارع الحية. وها هم يختطفون جواد. لماذا جواد بالذات؟ هل لأن أباه كان شرطيا وقتل، أم لأنه يعرف بيوت شارع الدير وأسرارها؟ هل اختطف لأنه صيد سهل لتجار الأعضاء البشرية؟ وكيف تم رصده خلال النهار لكي يستفرد به في تلك المنطقة الموحشة، منطقة المعامرة، ثم يخطتف دون علم أحد؟ من هم الأشخاص الذين راقبوه خلال النهار، وهل هم من سكان المنطقة؟ هل وضعوه، هو الآخر، جلال ملك، في دائرة اهتمامهم؟ هل يختطفونه مثل جواد أم يقتلونه مثل سعد الحلاق؟ لكن لماذا؟ من الصعب على أي كان استشفاف أفكاره الخاصة، وقرفه الكبير مما يجري في البلد، وبالتأكيد لا أحد يمكنه رصد بوحه الذي يكتبه على الفيسبوك، ثم يمحوه قبل أن يبثه إلى أصدقائه، ليس هناك تقنية، حسب ما يعرف، تمكّن أحدا من رصد ما يكتب وما يمحو. لم يتوصل أحد، حسب علمه، إلى أن يصبح ربا، عالما بالصغيرة والكبيرة، بالتثبيت والمحو، بالحضور والغياب.