يوم عادي ينتهي برائحة قصة للكاتب العُماني أحمد م الرحبي

Ahmed M Al Rahbi 17
أحمد م الرحبي Ahmed M. Al-Rahbi

شعرت اليوم بأني رجل عادي. لا أعرف ما سأكون عليه غدا ولكن أنا اليوم شخص عادي بالمقارنة مع يوم الأمس وكل أيام السنوات العشرين أو الثلاثين الماضية. استيقظت في الرابعة، ولا أذكر آخر مرة صحوت فيها فجرا، ونمت بلا كحول، كما ينام كل جيراني وأقاربي، ولا أتذكر آخر مرة نمت فيها نومتهم هذه.
لا أعرف السبب، رجعت من العمل وأخذت السيارة إلى الكراج، ثم تبضعت، وفي البيت شعرت بعطش شديد، كان عطشا إلى الماء وحده، لا إلى أي من المشروبات الأخرى. شربت الماء كثيرا حتى رويت عطشي الغير عادي. امتلأت وذهبت إلى السرير ونمت. في الرابعة استيقظت طبيعيا بلا منبه وهذا ما لم يحدث لي من قبل مطلقا. شعرت بمزاجي يستيقظ بشكل عادي، ومذاق عتيق تسرب إلى جسمي وتشربت منه أنفاسي.
الحلم الذي رأيته أستيقظ هو الآخر معي، كان واضحا وكأني أشاهد فيلما في السينما. رأيت سوق السمك القديم، أبي يحمل السمك على كتفه الأيسر ويردفني أنا في الأيمن. يقطع الطريق الطويل من السوق إلى البيت ويناغيني بالكلام. كنت في عمر لا أفرق فيه بين نطق كلمة سمك وكلمة اسمك، فيسألني أبي ما اسمك، وأجيب: سمك. كان يضحك تحت حمله الثقيل ويمشي، وحين يلتقي باصحابه يكلمهم ويسألني أمامهم وأجيبه ويضحك هو ويضحك صاحبه ويضحك الجميع حتى نصل بيتنا. تتناولني أمي من أبي مع كيس السمك، ولكن أبي لا يضحك حينها بل يئن من انزياح الثقلين عن كاهله.
هنا ينتهي الحلم الذي أعادني إلى عمق أعماق الحياة العادية ولكنه لا يختفي من أمامي. أحمله معي وأقوم من السرير، أستحم وألبس ثيابا معطرة وأهرع إلى سوق السمك.
يا ويلاه، منذ متى لم أقطع هذا الطريق. ويلاه كم تغير كثيرا. ويلاه يا ويلاه أين كنت كل هذه السنين وأين عشت؟
السوق في مكانه ولكنه تغير. أتذكر خطوات أبي في الحلم وأتبعها. وجوه الناس تغيرت ولكن السمك نفسه، رؤوسه العادية وخياشيمه وعيونه المفتوحة… المفتوحة على أعتى ما يمكن أن تصل إليه العادية من تجسيد وحقيقة وسلام.
ما نوع السمك الذي اشتراه والدي منذ ساعة؟ احفظ شكله ولكني نسيت اسمه… كنت أعرف الكثير من أسمائها في أيامي العادية ولكني نسيتها… لقد غرقْت في لجة الذاكرة ووقعت في شباك التفاصيل اليومية المتشابهة.
اووووه فما الحل. بدأت أسأل بحرج، أنا الذي ولدت بجوار البحر، البحر المالح المليء بالسمك الطري، أسأل عن أسماء السمك وانتشلها من مستنقع الذاكرة.
– ما اسم هذا السمك يا أخ؟
– صْدى” يا أخي، ما تعرف الصْدى؟ – يسألني البائع بخفة وهو ينظر إلى الزبون الذي وقف خلفي.
أبتعدُ عنه بعد أن تذكرت أن أبي لم يكن يحب هذا النوع من الأسماك.
– هذه، ما اسم هذه السمكة يا والد؟
– حْمام، اسمها يا إبني، حْمام البحر الجميلة – يضحك البائع العجوز، لا أعرف هل مني أو من الجملة التي سقطت من لسانه بعفوية ومرح!
هذه لا أتذكرها “حمام” ولكني تذكرت الحْمام الذي كان يربيه أخي الأكبر في سطح المنزل.
– يا أخي هذا السمك، هذا الذي تبيعه، أليس “ضلعة”؟ – سألت البائع التالي بلهفة واندفاع.
– نعم أخي، هي نفسها الضلعة.
– هات منها. زن لي كيلو، اثنين، خليها ثلاثة كيلوات.
أحمل كيس السمك واهتدي إلى طريقي للخارج.
وبعيدا عن مظلة سوق السمك التي أصبحت من الألمنيوم، وارتفعت عالية، بعد أن كانت من زور النخيل، وتهبط دانية، ولجت في ضوء الشمس، ومعه بدأ الحلم يتبدد شيئا فشيئا ويذوب في بؤرة النهار الساطع. وفي مكان الحلم حل الغموض، هو أيضا كما كان الحلم: واضح وكأنه صورة معلقة أمام ناظري وتتبعني أينما التفتُ.
في أي يوم نحن، وهل هو يوم إجازة أم دوام؟ انتابتني ريبة وبدأت أقلق، ولكني هدأت حين أجابني الرجل الذي يحمل كيس أسماكه ويدخل سيارته مسرعا بأن اليوم جمعة.
وهكذا…
… حين دخلت البيت وأشعلت جهاز التكييف، وجعلته يُخرج كل ما يحتويه من هواء بارد، كان حلم أبي قد تبخر كله… أو لعله تجمد في مكان ما، مكان ما من هذا الكون الصغير الشاسع!
أخذت زجاجة بيرة من الثلاجة وبدأت أحتسيها. مع كل زجاجة كنت أستذكر نوعا من السمك. هذا جيذر، هذه سهوة، طباقة، عنقد، خباط، وطبعا العومة الصغيرة وأختها الأكبر الصيمة وكبيرتهما الجميلة الضلعة…
… ولكن أين كيس السمك؟ جرحني الشعور وأختلف علي طعم المشروب وطفقت أجري في الشقة. فتشت في الثلاجة حيث يجب أن يكون السمك، ولا شيء، لا شيء سوى الزجاجات وعلب التونة.
نزلت إلى الشارع واخترقت غموض النهار ثانية. ها هي هنا… المسكينة. تقبع في صندوق السيارة الذي تحول إلى فرن بلا نار ولكن بلهب عظيم. كانت قد تقلصت وتشوهت وهرمت. المسكينة، كانت ميتة.
رفعت الكيس إلى حاوية الزبالة التي أركن سيارتي بجوارها ورميته حتى سمعت ارتطام ثلاث كيلو غرامات من السمك في قاع الحاوية. ووجدت إني خرجت إلى الشارع وبيدي زجاجة البيرة، فالتفت يمينا ويسارا خشية أن يكون أحد قد رآني، وفي اللحظة التي ظهر فيها فوج من مصليي الجمعة، سمعت ارتطام الزجاجة في القاع النهاري، المظلم والطافح بالرائحة.
صعدت السلم إلى شقتي، وشممت في طريقي شواء الجيران من السمك ذكرني بالأيام الخوالي. عمرت كأسا مترعا وأخرجت علبتين من التونة عليها صورة سمكة الجيذر، واضحة وكأنها حية وتعيش الدهر كله. شربت، وبين الشربة والأخرى صرت أفقد الإدراك والتمييز: هل أنا في طريقي لأتذكر أسماء أخرى من السمك أم إني كنت أحاول نسيانها، كلها؟ لا أعرف!

a.alrahbi@ymail.com

27 views