“حقيبته كانت معي” قصة قصيرة للكاتبة العراقية فيء ناصر

Fay Nasser for the storyلكنَّ حقيبته تظهر معي في صورتي التي بعثتها لي بالبريد الالكتروني، صديقتي الجزائرية سهيلة، مع ثلاثة صور أُخرى من لقائنا الأخير.
يا إلهي ما هذا الذي أراه !
مبتسمة هادئة كأني سيدة لم يمر بباب روحها أسىً. بفستاني الأسود ذي فتحة الصدر الكبيرة على شكل قلب، يناقض لونه، نهدييّ الحليبين، وشال شفاف أحمر يلف عنقي، وحقيبته المربعة السوداء بجانبي.
لكن كيف حدث هذا ومتى؟
قبل يومين فقط، كنت مع سهيلة وهيام، في حانة تتوسط بيوتنا، يستغرق وصولنا اليها نصف ساعة بين ركوب المترو والمشي، تنقص خمس دقائق أو تزيد خمسًا.
جمعتنا لندن، وجمعتنا أيضا الخيبات والطلاقات وحب الأدب والإشتغال به والنميمة وتبادل الكتب ومصاعب تربية الاولاد. سهيلة روائية جزائرية تعيش في هامرسميث منذ ستة عشر عاماً، هرباً من سلفية الجزائر بعد أن تزوجت من لبناني عن طريق المراسلة، كانت مسؤولة عن بريد القراء في إحدى صحف الجزائر المحلية، وتراسلت مع جابر حين كان بحاجة الى إستشارة بعد نكسة عاطفية .
ثم تزوجها اللبناني الثري جابر في بيروت، وسافرا الى لندن، وفتح مطعماً يقدم الأكلات اللبنانية على أنغام الموسيقى والرقص الشرقي في شارع أجوور رود المكتظ بالسواح العرب طوال السنة. بعد أن أنجبت منه إبنها الوحيد يوسف، إكتشفتْ انه يستثمر في كل شئ، ولا يتوانى عن أي نشاط ليراكم أمواله، من صفقات التجارة باللحم الأبيض من رومانيا وأوكرانيا، الى عقود عمل بتأشيرات مزيفة للصينين في مزارع ويلز، الى سمسرة عقود للشركات الوهمية والباطنية للإستثمار في العراق. تطلقت منه بعد سنتين فقط بعد أن أشبعها إذلالا ومهانة. بعد الطلاق بيوم، دعتنا الى “حفلة طلاق” على طريقة قبائل الطوارق، فالمرأة الطوارقية، كما تقول سهيلة، تحتفل بطلاقها وليس زواجها، إرتدت سهيلة ذات الملامح الطفولية والسمرة الزهرية، ثوباً أبيضَاً قصيراً يكشف عن ساقيها السمراوين اللدنتين، اما يوسف الذي كان في الرابعة عشرة من عمره، فقد ارتدى بدلة سوداء مع قميص أبيض وربطة عنق سوداء، قدمت لنا سهيلة ولدها المراهق تلك الليلة ب(أميري، أبي وإبني والرجل الوحيد في حياتي بعد الان)، إحتفلنا يومها مع مجموعة مقربة من الصديقات والأصدقاء بزوال عفونة جابر عن روح سهيلة النقية وإبنها يوسف.
هيام اللبنانية الممشوقة القوام التي هربت من حرب الأخوة في بيروت حين كانت طفلة، ولجأت مع عائلتها الى لندن أواخر السبعينات، أكملت دراستها في آداب اللغة الفرنسية وتزوجت رسمياً وتطلقت بسرعة شديدة وبلا أطفال، روحٌ حرة نزقة أنانية لاتطيق العيش الطويل مع الآخر، وخصوصا الرجال. تعشق سريعاً وتضجر أسرع، الجنس عندها مثل الجوع، حاجة تستدعي الإشباع ولا داعي لمقدمات من أجله، أو تزويقه بالمشاعر فهو بحد ذاته جميل جداً كما تقول. تردد دائماً جملة الرسام المكسيكي الذي تعشق (دييغو ريفيرا)، التي يدافع بها عن نفسه في الفلم الذي يروي قصة حياة فريدا كالو، عندما تعاتبه فريدا على خيانته لها مع الموديل التي يرسمها، فيقول: ( it is just a fuck like a hand shaking). حكت لنا ذات مرة بأنها مارست الجنس دون أن تنظر للرجل خلفها، كانت تعدل رباط جوربها الذي إنزلق في إحدى الزوايا المظلمة القريبة من محطة جارلنك كروس، حين خرجت من الحانة للتدخين، وقف رجل غريب خلفها بعد أن أعجبته مؤخرتها المرتفعة، إقترب منها وأطالتْ هي زمن الترقب ورفع الجورب، قالت إنها خشيتْ لو نظرت اليه أن تفقد حرقة الشهوة اللحظية، لم تر منه غير حذائه الجلدي الأسود اللامع وحافات بنطاله، وبعد لحظات رأت البنطال ينزلق ويقترب منها، رفع ثوبها وأنزلت هي سروالها الداخلي “احدى الذروات الجنسية التي لن أنساها طوال حياتي” هكذا كانت تصف تلك الدقيقتين من حياتها.
وأنا التي شردتني ديمقراطية أمريكا بعد 2003 من بيتي الكبير الجميل وحديقته ذات النخلتين اللتين جلبتهما فسيلتين من قرية جنوبية، وزرعتهما بيدي وأطلقت عليهما أسمين:(ثريا، فيّ). لجأت الى لندن، لانفصل عن زوجي الذي فرض عليّ قوانين الإسلام التي تذكَّرها بحذافيرها، على حين غفلة، في بلاد الغرب، وسط ضباب البحث عن الفردانية الحقة واكتشاف النفس بالحرية والفن والثقافة والانفتاح على الآخر.
نلتقي نحن الثلاث كل أسبوعين منذ سنيتن تقريبا، ليس واجبا على أيّة حال! مجرد إلتزام جميل كلما وجدنا متسع من وقت، في محاولة للتغلب على السبات الشتوي والوحدة التي تمسخنا جزراً جرداء نائية ومنفية عن بعضها. إتفقنا منذ البداية أن لا رجال في لقاءاتنا تلك المخصصة للشؤون النسائية البحتة، وللسباب الذي نكيله للرجال السابقين أو المستجدين في حياتنا، (علّنا نشفى من يأسنا بالسباب!)، ولأمراضنا الجسدية ونكاتنا الخليعة ومتاعبنا مع أولادنا (انا وسهيلة لدينا ولدين في ذات العمر)، أحيانا نثمل وأحيانا نكتفي بكأس نبيذ أو قدح بيرة مثلجة، أحيانا نرتدي أجمل الفساتين في محاولة لإستعراض فستان جديد أو حذاء أو حقيبة يد مع مكياج كامل، وأحيانا نأتي بملابس بسيطة أو رياضية ووجه مغسول فقط . نخلط ضحكنا بعويل داخلي طويل هو مزيج من الحنين واليأس والحسرة والندم، نتقاسم أغاني ام كلثوم وطلال مداح وسط ضجيج اللغات من حولنا، أحيانا ندخل في لعبة مَن مِنَّا الأسرع بالاغواء، تتظاهر إثنتان بأحاديث جانبية وتتخصص الثالثة باغواء أي رجل قريب، ربما يكون النادل الذي يشبه عصا رقيقة مثلاً، أو رجل مُسنٌ يجلس على مقربة، أو شاب أصغر منا مع مجموعة شباب آخرين. تنتهي المسرحية غالبا الى ضحك وسباب بلهجاتنا المحلية مخلوطة مع كلمات مجاملة وإعتذار بالانكليزية.
في لقائنا الأخير إلتقطت لي سهيلة، التي تقاسمت الأريكة الجلدية مع هيام وتركتا لي الأريكة المقابلة لهما، بعض الصور لأن قصة شعري الجديدة وفستاني وربطة عنقي أعجبنها، المفارقة إن حقيبته تظهر في صورة واحدة من بين أربعة صور وصلتني بالبريد الألكتروني .
أتذكر هذه الحقيبة جيداً، وجانبها الأمامي الذي تزينه خطوط بيض ورمادية باهتة، وأذكر فرحي الخفي لأنه يحمل حقيبة تلم أغراضه ومفاتيحه وكتبه مثل التلاميذ المجتهدين، أذكر أيضا إن كأسه كانت أمامي عندما فتحت عيني بعد أن ثملت بقبلة طويلة ونبيذ شيرازي وهمسة بالغة العذوبة (سأعود بعد برهة). إستسلمتُ لنعاس طفيف حينها، سأبقى مغمضة العينين قلت لنفسي إلى أن يأخذني مرة أخرى إليه بقبلة طويلة تنسيني الكون وما فيه.
صوت بشري، يستأذنني بالانكليزية أن يأخذ الكرسي الشاغر بجانبي، وقرقعة سحبه، سببتا صحوي وانطفاء ماتبقى من الثمالة، كم مرّ من الوقت؟ ساعة! ربما أقل أو أكثر، كأسه ليست فارغة تماما وكأسي فارغة، ألتفتُ يمنة ويسرة، لا هو، لا جاكيته الرمادي ولا حقيبته. إنتظرتُ خمس دقائق أخرى، وأخرى. قلقتُ، بحثت عنه في أرجاء الكافتيريا الكبيرة المطلة على نهر التايمز، بحثت في شرفتها العليا، في المصاعد والحمامات، إستغرق بحثي عنه في تلك الليلة التموزية المكتملة القمر أكثر من ساعة، حاولت الإتصال به، كان تلفونه يجيب إن الرقم غير معروف.
بقيت أسبوعاً بعد تلك الليلة أحاول محمومة الاتصال به ولم أفلح، أصابتني القشعريرة والخوف، أحفظ ملامحه الهادئة وملمس شعره لايزال في بصمات أناملي، عيناه المتعبتان لا تزالان معلقتين بعينيّ، بينما كفي يجوب ذراعه الرجولية المغرية، أعرف مشيته حين يتعثر بقلقه، وطعم لسانه تحت لساني في أول قبلة، حين رمى حقيبته على العشب سريعاً وإعتصرني تحت شجرة عظيمة تزهو بتغريد طيورها والصيف. كان رجلاً يشبه سماء لندن، لا يمكن التكهن بما سيرتكب من جنون أو كياسة مفرطة في اللحظة القادمة، ولا يمكن تجنب معانقته أو مقاومة رغبته في الذوبان بيّ. صوته مثل الحياة التي تنجو من موتها بلا فضائح. لا زلت أذكر لوحة مودلياني العارية ذات الوجه المثلث في المتحف الوطني، وكيف إبتسمت لنا حين وقفنا أمامها طويلا تتشابك أصابعنا التي رفضت خيانة روحينا بإسم العقل والعرف، كان عري مودلياني يصرخ فينا ” تحتاجان الجنون كي تصلحا أخطاء عقليكما” . أعرف إسمه فقط، كنا في الدهشة الأولى، وفي الخطوة الأولى والقبلة الاولى التي لا تجيد تبرير ذاتها، كنا في بداية الصيف وأول المطر.
موعدنا الثاني في تلك المقهى المطلة على نهر التايمز، وبعد القبلة الثانية فتحت عينيّ ولم أجده. حدث هذا قبل سنة تقريباً، ومن يومها وانا أرتعد كلما أتذكره، لم أحكِ لصديقتيَّ عنه خشية الإستهزاء، سأبدو مثل طفلة ترتكب أكاذيب وتصدقها، ستضحك هيام وتتهمني- كما كل مرة- بمرض الأخلاق الشرقية ونوبات الهلاوس التي تنتابني بسبب عوزيّ الجنسي، وستقول لي سهيلة أنِّي امتلك مخيلة جامحة وسأنجح اذا كتبت روايات.
لكن الصورة التي أمامي الآن تقول إنّه كان موجوداً، فحقيبته التي التي رماها على العشب كي يقبلني، حقيبته ذاتها، معي.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن
fey.always@gmail.com

155 views