محمد علوان جبر يكتب عن خضير فليح الزيدي

فضاءات المهمل
في الذاكرة الجمعية
خضير فليح الزيدي إنموذجا

خضير فليح الزيدي 8

منذ كتابه ” تاريخ أول لسلة المهملات ” وصولا إلى كتابه الأخير ” شاي وخبز ” تفرد الزيدي بالكتابة عن المكان والتفاصيل المهمة والمهملة التي تدور في قاع المدينة، متخذا من العادات السائدة في المجتمع العراقي والبيت العراقي، الأثاث، الغرف، المسميات واصولها التاريخية، الازقة الخلفية والحارات التي تكاد تندثر وتمحى مسرحا ومجال عمل في أغلب مؤلفاته، فقد كتب عن بغداد وما تمتاز به أحياء اشتهرت في فترات معينة منذ نشوء المدينة حيث أحيائها المهمة كالباب الشرقي والبتاوين وعلاوي الحلة وغيرها من الأحياء التي تركت بصمة في الذاكرة الجمعية عبر شوارع رئيسة كشارع الرشيد والسعدون والكفاح والفضل وغيرها، كذلك تفرد في الكتابة عن الحرب وموثثاتها، سيارات نقل الجنود في الكراجات ” كراج النهضة والعلاوي ” والريمات والخنادق والاجازات وسجلات الكنى وبائعات القيمر والشاي. كل هذه التفاصيل تناولها مستشهدا بالتفاصيل الدقيقة وبإسهاب لذيذ يقترن بالسرد وجماله . يتحدث عن المكان والأبطال بضمائر تتنوع، رغم هيمنة ضمير الأنا الذي يتحول الى عين كاشفة ، حيث يتخذ الراوي مكانا سريا قريبا من التفاصيل السرية ـ المسكوت عنها ـ يوجه كاميرته نحو الازقة المظلمة ، الازقة المعتمة والسرية للمدن، يمر مرورا يشبه الطريقة التي تسلط فيها الكاميرات عدساتها على الوثيقة الحياتية .. الوثيقة المتداولة، التي يطورها الى نص سردي متعدد الزوايا والابعاد، نصوص يرويها ابطاله بهدوء وهم ينفثون دخان سكائرهم ويعبون كؤوس الخمرة الرخيصة او الشاي العطن .

غلاف شاي وخبز لفليح الزيديلم يتوقف الأمر على كتبه التي فرضت نفسها على ذائقة القارىء النخبوي والقارىء العادي على حد سواء كونها تعد كتبا تعمل في تقصي الانثروبولوجيا المختلفة عن غيرها لأنها مكتوبة بلغة الساخر العارف والمتغلغل في التفاصيل المجتمعية والمكانية مثل كتابه المهم ” تاريخ أول لسلة المهملات ـ وكتابه ” أمكنة تدعى نحن ” وكتابه “الباب الشرقي” وكتابه أبن شارع″ والتي توجها بكتابيه اللذين يعدان كأنهما كتاب واحد، احدهما يكمل الآخر ” تمر ولبن ” و”شاي وخبز″ وكلها صدرت بفترات قريبة جدا من بعضها . وبنظرة الى عناوين تلك الكتب نستطيع أن نرى بوضوح اشتغال ” الزيدي ” وتفرده في مايكتب في مجال الانثروبولوجيا المجتمعية التي يبدو انه مولع بها، وقد انسحب هذا الولع على اغلب رواياته وقصصه، وأخص منها رواية ” فندق كويستيان ” التي ضمنها تفاصيل الحرب واثرها على ابطاله موظفا أدق التفاصيل التي تحولت الى ثيمة وركيزة للرواية، وكذلك روايته المهمة ” فاليوم عشرة ” التي تغلغل عبر بعض ابطالها الى قاع المجتمع في حارتي البتاوين والباب الشرقي واثر مايمكن أن يسمى ” صدمة الحرب والانكسار ” على ابطاله مما ادى الى انسحاقهم تحت عجلة الزمن الصعب وهلوسة العقاقير التي تتحول الى حل وطريقا للانتحار احتجاجا على سقوط اغلب مدن الوطن بيد الارهاب . ففي ” فندق كويستيان ” كانت ” سيارة الريم الشهيرة ” التي اطلق عليها ” ريم القادسية ” او “سفنية الجند” حاضرة بوضوح، بل انه تابع مصيرها الى مابعد الحرب لتتحول الى غرف لاستقبال ماسماهم “أهل الحواسم ” وهي تحمل شخابيط الجنود وروائحهم على كراسيها التي ازيلت، وأنطلق عبر خطوط سير ” سيارة الريم ” عبر اخترقها جهات الوطن الأربع وهي تحمل أحلام الجند المغدورين، كل هذا قام على منظومة ودعامة مهمة اسمها ” كراج النهضة الشهير ” عبر وقفات طويلة لخوذ متربة وارصفة خاكية، الكراج الذي أنسنه “الزيدي” في أغلب كتبه وحوله إلى ” أم ُتشٌيع إلى الوحدات الفعالة والحجابات أولادها الذين لم يفطموا بعد… ” .
اما كتابه الأخير الصادر عن دار سطور هذا العام ” شاي وخبز ” نجد التنوع والدقة التي كتب فيها الزيدي والجهد المبذول في تناول بانوراما المجتمع العراقي بأسلوب سردي لذيذ تغلب عليه السخرية والجرأة وهو يتنقل من بلاغات التحشيش العراقي الذي لم يأت من فراغ متتبعا أصوله عبر حكايات مشوقة، حكايات الأسماء ومفارقاتها تاريخيا، مؤثثات البيت والمسميات التي نمر عليها دون أن ننتبه إليها، بدءا من مدخل البيت إلى دورات المياه والحمامات والأماكن المهملة ” البيتونة ” مثالًا، ثم إلى الأزياء ورمزياتها والفترات الزمنية التي شاعت فيها هذه الأزياء ” كالسفاري ” وكذلك رمزيات الألوان وتفاصيل المائدة والأطعمة والعادات الغذائية .
اخيرا اقولها وبفخر أن ” خضير فليح الزيدي” يعد من القلة الذين يحفرون عميقا في الأماكن التي لم يجرب الكتابة عنها إلا القلة القليلة من الباحثين، وبهذا تعد كتاباته ” الانثروبولوجية ” وأعماله الروائية إضافة مهمة الى سلة السردية المكانية العراقية والعربية .

كاتب عراقي، بغداد
m_aloan53@yahoo.com