فصل من مسرحية “الرحلة الضوئية” تأليف المسرحي العراقي فاضل سوداني

(هنا الفصل الاخير من نصي المسرحي ” الرحلة الضوئية ” الذي يمثل تصورا مسرحيا عن الفنان فان كوخ . وقد قدم العرض كاملا في مسرح تيرا نوفا في كوبنهاكن مع ممثلين دنماركيين بعد ان ترجم الى الدنماركية. وقد صدر هذا النص مع ثلاثة نصوص اخرى تحت هذا العنوان في بيروت ).

فان كوخ مسرحية فاضل سودانيالطقس السادس
غابة السد يم في مرآة الأسرار .

(“هـــو ” مازال منهارا . المرأة الملاك تساعده، تنزع ملابسه القديمة فيبقى عاريا إلا من وزرة يمانية تغطي وسطه الأسفل،ومازال وجهه مغطى بقطعة القماش الحمراء الشفافة.
في زاوية المسرح توجد مرآة كبيرة. المراة البدوية تراقب كل ما يدور )

هـــــو ( يهمس منهارا يتمعن دائما بمرآة صغيرة )
أيها الإنسان الحر
دائما ستحب البحر .
البحر مرآتك
فتأمل روحك في حركة أمواجه .

( فان كوخ يأتي من البعيد، يحاول أن يرى وجه ” هـــــو ” )

هو : أ تعرفني
فان كوخ : هل التقينا من قبل ؟
هـــــو : كيف ترد على سؤالي بسؤال ؟!
فان كوخ : ( مرتبكا ) يخيل لي أننا التقينا من قبل .
هــــو : (ينظر إليه بزاوية عينه، وكأنه عرفه ) ربما، ما لذي جاء بك إلى هنا …ماذا تريد ؟
فان كوخ : جئت هنا لأني أعيش في غابة من المتوحشين، في عالم ليس حر، ومن اجل هذا أحاول أن أكون قادرا على تحويل ألواني إلى نو ر يضئ روح الإنسان.
هـــــو 🙁 يضحك )هذا مستحيل .هل أنت مجنون؟ لن تستطيع ذلك لأننا نعيش في عالم مملوء بالفوضى. الإنسان فيه بشر بائس، مسكين، لا يملك مرآة الخيال ليرى حقيقة الأشياء، أو يرى الأسرار الخفية و المجهول أو الرؤيا التي تنقذه وقت الشدة، ولا يملك حتى الوسائل الأخرى التي يمكن أن تساعده على السباحة في البحر المقدس بعيدا عن خطاياه، أنانيته،ومقاومة شغفه لتدمير الحياة وتشويه الجمال،أو حبه للعنف المتوحش فيفضل أن يعيش في غابة. إن هذه مصاعب تفوق تحمل ذلك الذي يريد أن يحول هذه الغابة المتوحشة إلى جنة .
فان كوخ : لكن من اجل هذا أعطيت نصف عقلي .
هـــــو : لأنك فنان حريص على استخدام عقلك لمنتهى حدوده، فتطلب المستحيل .
فان كوخ : ليس مستحيلا …
هـــــو : نور يضئ روح الإنسان ؟! سيكون هذا مستحيلا إذا بقى فكرة فقط، فأنت بمساعدة خيالك وقدراتك كفنان تستطيع أن تخلق الأشياء المستحيلة، نعم أعرف هذا .أما الآخرون فالخيال هو مشكلتهم جميعا، وعدم قدرتهم على الحلم . نعم الحلم والخيال سيحيلان ألوانك إلى نور، إلى دربٍ للإنقاذ . لماذا تلهث وراء هذا المستحيل، لماذا تتعب نفسك.؟
فان كوخ : ..لأني أشعر بأن الإحساس بالجمال قادر على أن يشع في روح الإنسان نوراً .
هـــــو : نعم ممكن لكن الإنسان ..( ساخرا) الإنسان.. الإنسان(يضحك) انه كائن عاجز، ولا يود الخروج من عجزه، وهاهو يعيش في فراغ رهيب .
فان كوخ : نعم ومحاصراً من الموت .
هـــــو: الموت، الموت مرة أخرى، (فترة مفكرا ) نعم، انه أهم الأفكار.ولكن بالرغم من هروبنا الأبدي منه إلا أن الزمن هو الفخ الذي يصيد نا ويضعنا في ِشباكه .لماذا تفكر بالموت بهذا الضجيج. هل تخافه ؟.
فان كوخ : لعل الموت ليس أصعب ما يواجهه الفنان، لكن ماذا افعل انه يجذبني، وفي كل مرة يتسرب نور غريب يغشى بصري، يتحول إلى عاصفة جهنمية فافقد إحساسي بالحياة .

( فان كوخ يقترب من “هـــــو ” لرؤيته )

هـــــو : (يضحك) إذا كنت ترغب رؤية ملامح وجهي. انظر في تلك المرآة
(صمت، كوخ ينظر في مرآة كبيرة وضعت كديكور ) ماذا ترى ؟
فان كوخ :أرى وجهي يخفي ملامح غريبة .
هـــــو : إنك ترى وجهي وليس وجهك .
فان كوخ :حقا أنت تشبهني .
هـــــو : وأنت أيضا تشبهني .
فان كوخ : نعم أنا أشبهك .
هـــــو : الوجوه متشابهة دائما لكنها تحمل ملامح موتها، ولأنك أكثر حساسية من الآخرين سيكون عذابك عظيما .
فان كوخ : إذن كانت رحلتي عبثا ؟
مسرحية لفاضل سوداني 1هو : كلا يجب ان يكون الفنان كالقديس … هو منفي على الأرض إلا انه يتحدى العواصف . ( يتمعن به جيدا وطويلا ) ولكني أراك كإنسان مضرج بالدم من رأسه إلي قدميه . أنت متوحش في عالم وحشي وستكون روحك جمرة ملتهبة
.(صمت ) وبما أنك تشبهني، اسمك أسمي ودليلي، وصفاتك صفاتي، وذاتك ذاتي، خذ … خذ هذه الزهور لتساعدك (يناوله زهور عباد الشمس).وعندما تعود إلى المكان الذي أتيت، استيقظ مبكرا ليلة أفول القمر في البحر واستحمّ بأمواجه وادهن جسدك وعينيك بأوراق هذه الزهور. حينذاك سترى الغابة البنفسجية المعلقة بين السماء والأرض تذكر عند أفول القمر،عندما يتحول إلى ظلام .. ظلام ..ظلام .
( ” هـــو” يلحن بعض كلماته بالرغم من أنها تكون أقرب إلى التعويذة )
” وسط مائة مرآة
كاذب مع نفسك،
ووسط مائة ذكرى
تقف بعيدا عن اليقين،
مرهقا، سئما، عند كل جرح
تختنق بِشِـباكك .
لكن قدماك قد عبرتا
حتى هذه اللحظة،
الطرق القذرة الموحلة
نحو أرض لم تعرف بعد .
لقد وجدت نفسك
ولن تستطيع الفرار ” .

ها أنت امتلكت السر
والقدرة على إخفاءه حتى عن قلبك .
(يبدأ التعويذة )
داتـــا، دايــا، داميا نا …..
أيها الإنسان الحر دائما ستحب البحر وهو مرآتك فتأمل روحك في حركة أمواجه داتـــا دايــا داميا نا …..
داتـــا دايــا داميا نا ….. (يبتعد صوته و يركع جانبا وسط الظلام )

( المرأة الملاك تخلع ملابس هو لتطهيره . تصب قطرات من الماء على رأسه وتمسح جبهته وعينيه بزهور عباد الشمس. ويتقاطر الماء في الإناء حتى نسمع سقوطه)

د فاضل سوداني
الكاتب والمخرج فاضل سوداني

فان كوخ : ( يذهب زاوية ويقف في ضوء وهاج ليتطهر بشلال النور) كانت رحلتي عبثا إذن ..
المرأة الملاك : كــلا … مازالت روحك غنية .
فان كوخ : اللعنة لقد ذُ بحت .. .كان شبابي مظلما حقا وإني لنادم، لأن الحياة كانت قاسية علي.. كأن هنالك شيطان يطاردني . حقا لقد سرقوا زمني، ومارسوا كل وحشيتهم ضدي،عذبوني، نعم عذبوني كثيرا. وكالغريب المنبوذ كنت أتهاوى بينهم، فلم تؤثر علي كلماتهم، كنت بعيدا عنهم، أما الآخرون فلم يفهمني أحد منهم .لكني عرفت كيف أحفظ سري.
( صمت إلى المرأة الملاك )
ألا يمكن لحياتي أن تكون خطأ كلها ؟.
المرأة الملاك : ممكن ….
فان كوخ : إذن ماذا سأفعل ؟ ما هو مصيري الآن ؟ أي مكان ألوذ به … إلى أين أفر ؟. آه لو هناك مخبأ مظلم في مكان ما من هذا العالم أو ليتني أصبح دخانا أسودا. ليتني أتلاشى عن الأنظار كغبار غير منظور.
(يمسك حزمة من التخطيطات والرسومات )
ماذا افعل بهذا كله، الان هي انفعالات غير مجدية .
( يرميها في الفضاء بانفعال وتوتر )
أنها جحيم روحي ولن تتكرر. أنها يأس ..كانت كصراخ في واد مظلم، كإيقاع طبول في ليل الغابات و ليل الغرباء . كالكابوس، كوحشة الغربة. كفقدان دفء العائلة وحنان الحبيبة، كعذاب يحفر في روحي .إنها الآن لا تساوي شيئا، فهي كومة أوساخ .كان المفروض أن احرقها، أن أتخلص منها منذ زمن بعيد .
المرأة الملاك : اهدأ .. يجب أن تعاني دون أن تشتكي،هي الحكمة الوحيدة التي يتعلمها الإنسان من هذه الرحلة التي قمت بها . اهدأ .. اهدأ.كن قديسا في هذا العالم الملوث.كن هادئا في عالمنا المملوء بالعنف… اهدأ (صمت)والآن ليس لديك ما يكفي من الوقت، عليك أن تفكر بكل شئ قبل أن تذهب. وقبل أن تفي بالميثاق الذي ألزمت نفسك به مع سيدة الأسرار البدوية عليك أن تفكر بالحياة، وتلك الأمسيات التي كنت تأنس فيها .هل نسيتها ؟. هل فكرت بها ؟ . هل
فكرت بالندى ساعة الفجر.
فان كوخ : نعم
( ويستمر بالتمتمة أثناء حوارها وهو مستسلم تماما )
المرأة الملاك : والقمر عندما يكتمل في ليالي الصيف ؟
فان كوخ : نعم
المراة الملاك : والطفل الذي يدفئ حضن والده الغائب ؟
فام كوخ : نعم .
المراة الملاك : ورائحة جسد الحبيبة عندما تستيقظ بعد إغفاءة مليئة بالأحلام .؟
فان كوخ : نعم .
المراة الملاك : والصحارى التي لم تزرها .. هل فكرت في كل هذا ؟
فان كوخ : نعم .
المرأة الملاك : والمدن التي كانت تستقبلك وقت المساء،والبحار الغاضبة .هل فكرت
بهذا أيضا ؟
فان كوخ : نعم
المرأة الملاك : والموانئ التي لم ترها بعد، هناك مازالوا ينتظرونك لترسم حياتهم من جديد ..هل نسيتهم ؟
فان كوخ : كـــلا .
المرأة الملاك : وهل نسيت العشب الذي يلامس قدميك في همس الليالي،وبحيرات المدن الهادئة وقت الغروب، هل فكرت بهذا كله ؟
فان كوخ : نعم
المرأة الملاك: ( مازالت تطهر هو بالماء) إذا كنتَ قد فكرت بكل هذا، يمكنك الذهاب لوحدك لملاقاة سيدة الاسرار لترى غابتك البنفسجية المعلقة بين السماء والأرض.
فان كوخ : من يمنحني النور؟ . ( صمت )
المرأة الملاك : وحتى لا يفوتك الوقت يمكنك الذهاب الآن، اذهب لتلتقي، اذهب لوحدك نعم لوحدك، لوحدك، لوحدك لوحدك .
(نسمع اجراس سيدة الاسرار “المراة البدوية ” من بعيد)
فان كوخ : من أين الطريق ؟
المرأة الملاك : طريق المرآة .( فترة ) ادخل لا تتردد . ادخل لترى نبوءتك الأخيرة . سيشتد النور وهجا، ويتحول إلى شمس، ويأتيك القمر، لا تصغي له، حتى يحترق ويصير فحما، لكن الشمس ستعيد له نوره،عندها يمكنك أن تغطس في بحر المرآة .( وكأنها تراه) لا، لا تخلع مئزرك .إذ بدونه لا يمكنك الغوص . ماذا ترى ؟
فان كوخ : (يأتي صوته ياتي من أعماق بئر عميقة ) ثلاث قبب من لازورد .
المرأة الملاك : ادخل القبة الأولى، تنزه فيها وخذ العبرة.
( فترة انتظار، تشع بنور باهر وموسيقى صوفية كالهمس، تعرض لوحات فان كوخ بشكل سريع على خشبة المسرح وفي سقف القاعة)
ماذا ترى بداخلها ؟
فان كوخ :ارض بيضاء لامعة مثل الفضة حجارتها من الياقوت والزمرد وترابها المسك، ونباتها من الزعفران، وأوراق أشجارها،ورقة من فضة وأخرى من ذهب، وثمارها مثل النجوم المضيئة،من بينها ثمرة تتلألأ سيشتهيها أي إنسان إذا اقترب منها.
المرأة الملاك : أحذر لا تقطفها، أخرج سريعا، أخرج ..(صمت ) هل دخلت القبة الثانية
فان كوخ : ها أني أسير في واد لم أر مثله في حياتي، فيه قبة عظيمة من الكريستال الأخضر
المرأة الملاك : ماذا ترى فيها ؟.
فان كوخ : في وسطها خزائن مقفلة لكنها شفافة، من السهولة أن أرى ما بداخلها من الدرر والزمرد وجواهر أخرى ليس لها مثيل، يهرول حول هذه الخزائن خلق عظيم لا يرى بعضهم بعضا فوق رأس كل منهم نسر أبيض، يخفق بجناحيه . يدورون لاهثون طوال الوقت، فإذا توقفوا، تنقرهم النسور بمناقير كالسكاكين . مازالوا يهرولون، لا يستطيعون الدخول في الخزائن،بعضهم يتعلق
بالأبواب ويقرعها والكل يصرخ متضرعا ويستمر طرق الأبواب ويكثر الصراخ،حتى يصبح لا يطاق .
المرأة الملاك : وماذا ترى أيضا ؟
فان كوخ : أراهم يهدءون قليلا، لان كوة انفتحت وخرج منها سراج منير كأنه كوكب دري،والبشر يمسحون وجوههم وأجسادهم بنوره، فيرى بعضهم بعضا ،مستأنسين ومبتهجين .لكن لماذا أغلقت هذه الخزائن، أين مفاتيحها ؟ كأن هاجس أوحى لي أن انظر فوق أبوابها (صمت ).
المرأة الملاك : ماذا ترى فوق الأبواب ؟
فان كوخ : لوح من نور مكتوب عليه :
لقد رٌميت مفاتيح هذه الخزائن في البحر، فلو اطلع البشر على ما بداخلها لأصابهم
الجنون واقتتلوا حتى آخر كائن منهم .(صمت )
المرأة الملاك : لماذا تصمت، ماذا ترى أيضا ؟ تكلم ( صمت ) ما الذي جرى لك، تكلم ماذا ترى .
فان كوخ : أرى القبة الثالثة، يا الهي لؤلؤة بيضاء معلقة بسلالم من نور
( نسمع الموسيقى الصوفية، الإنارة المناسبة تساعد الجمهور على التخيل )
المرأة الملاك : هل ترى ما بداخل اللؤلؤة ؟
فان كوخ :لا يمكن الوصول إليها، أنها بعيدة جدا، فالسلالم تصعد إلى السماء ولا يمكن رؤية نهايتها..
المرأة الملاك : غامر، تسلق السلالم . ( فترة ) هل بدأ ت بالصعود ؟
فان كوخ : ( فرحا ) شئ غريب ومدهش، ما أن وضعت قدمي على سلالم النور حتى شعرت بأنني احلق، ها أنني أحلق حقا، أحلق كالنسرالقوي (فترة، موسيقى )هـــه، هـــه أني أطير.. (صمت)
المرأة الملاك : أستمر بالصعود حتى تدخل اللؤلؤة ( فترة ) تكلم لماذا تصمت ؟
فان كوخ : (صمت )
المرأة الملاك : تكلم ,
فان كوخ 🙁 مرتبكا، وخائفا ) لا أستطيع الوصول.
المرأة الملاك : جرب، أستمر .
فان كوخ : لا أستطيع، لا أستطيع ( صمت، يصرخ ) هـــــــــــــــــه.
المرأة الملاك : ماذا جرى ؟
فان كوخ :غيما أسود وعاصفة ترابية قذفتاني بعيدا عن سلالم النور، لا أرى أي شئ. فقط غيم اسود وتراب يدخل عينيّ، أين أنا، اللعنة ماذا فعلتُ، لماذا تسلقت السلالم . ألان أنا اهبط، بل أنا أسقط .(يصرخ طويلا ) أنني أسقط، ماذا أفعل، ماذا أفعل الآن؟ لماذا لا تساعدينني ؟ النجدة (يصرخ) أنني أسقط على الأرض من جديد .
المرأة الملاك : نور، أيها النور كن طريقنا،
(تهذي وتكرر ) كن طريقنا، كن طريقنا، كن طريقنا .
(صمت، يهدأ كل شئ، نتراءى سيدة الاسرار من بعيد في الظلام تغيب جانبا في الظلام )
( فان كوخ أمام قرينه هــــــــو )
فان كوخ : اللعنة كمن يستيقظ من كابوس .
(تدخل البدويــــة “سيدة الاسرار” تضرب بجرس صغير لتدعو فان كوخ إلى مملكتها .. انه يتبعها مسحورا، لكن في اللحظة الأخيرة يتذكر شبيهه وذاته الأخرى وقرينه “هــــــو” . يتجه نحوه ويمنحه زهور عباد الشمس ويحتضنه بهدوء في لحظة سلام الروح . فتصاب البدوية بالخيبة والانكسار والهستيريا الصامتة. يجب أن يُعطى لهذه الخيبة والصمت الديناميكي وسلام الفنان وذاته الاخرى، الإيقاع والمعنى الجسدي الواضح)
(موسيقى صوفية)
الختــــــــــــــــــــام

فاضل سوداني، مسرحي عراقي، الدانمارك
fasoudani1945@gmail.com