الرّجل ذو القبّعة الصّفراء نص للكاتب الجزائري وائل ضياء الدين

وائل ضياء الدين  الجزائر
وائل ضياء الدين

في فترة من فترات شبابي كنت أعمل نادلا في مقهى يقع تحت مرقد قديم محتشم الشكل في حي شعبيّ يدعى حيّ الظّل الجميل, وكان هذا الصنف من المقاهي في مدينة الجِلْفَة قد بدأ في الاختفاء تدريجيّا فلم يبق منه إلا اثنين أو ثلاثة في المدينة كلّها, لم يكن للمقهى اسم خاص به ولكنني كنت أدعوه باسم مقهى الهامشيّين, لأنّ روّاد المقهى كانوا من النّوع الذي اعتاد العيش على هامش الحياة من غير أن يكون له إدراك بذلك، وأمّا جوّ المقهى فكان يترك في النّفس المرهفة أحاسيس الوحدة والعزلة والهدوء والتيهان, كمن دخل إلى صحراء تفصل بين عالمين لاوجود لهما, ونتيجة لهذا المحيط الذي كان كالمنفى لمن هم يبحثون عن الحياة مثلي, كنت دائما ما أسعى لأيّ نوع من المحادثات مع الزّبائن وخاصّة المسنّين منهم, ولكن كنت أتلقّى ردّا باهتا وصمتا محرجا كلّ مرة أحاول فيها.
و في أحد الأيّام الفاصلة بين الشتاء والرّبيع وفي حوالي الساعة التّاسعة مساءً, جذب انتباهي قبعة صفراء دائرية الشكل يرتديها رجل دخل المقهى كان بدينا قصير القامة يحمل عصا ويلبس معطفا بنيّا طويلا, يبدو في الخمسين من العمر ذو لحية شعرها متنافر بسبب الإهمال, وهيئة من يغالب فقرًا اجتاحه فجأة, اتّجه مباشرة وجلس إلى الطاولة الموجودة في آخر المقهى وحوّل كرسيّه في وضعيّة يمكنه فيها أن يستند ﺇلى الجدار, كان وجهه يحمل علامات ذكاءٍ لامبالٍ مصقولٍ بكثرةِ تقلباتِ حياةٍ مضطربةٍ, كنت أتمعّن في الرّجل بفضول شديد وأنا أفكر كيف أبدأ معه محادثة, كان قد أخرج ورقة وقلم رصاص وبدأ في الكتابة بشكل متقطع شعرت باهتمام بالغ حول ما يكتبه الرّجل وبعد نصف ساعة توقّف وخبأ قلم الرّصاص وترك الورقة على الطاولة, ثمّ بإشارة من يده طلب قهوة وسجائر فأحضرت له طلبه وتعمّدت التأخير واعتذرت عن ذلك إلاّ أنّه لم يبال بتأخري واعتذاري, ولكنّه كان قد أحسّ بفضولي فدعاني إلى القعود ففعلت ثم ّبدأت أسئله بعض الأسئلة التي أجابني عنها بتردّد, ثم تدريجيّا زال عنه الحرج واسترسل في الكلام عن نفسه, أخبرني أنّ اسمه فؤاد وأنّه كان يعمل صحفيّا في جريدة سياسية ولكنّه استقال من عمله منذ سنتين بسبب شعور خاصّ بالملل أصابه جرّاء عدم تحقيقه لأيّ شيء فعّال ومهمّ في الحياة وأنّه الآن يعيش متنقّلا بين المدن الدّاخلية ويسكن المراقد الرّخيصة, وهو يكسب لقمة عيشه من نصوص يكتبها وينشرها في المجلات الثقافية, ثم سئلته عن نوع تلك النصوص فأجابني أنّها نصوص لا شكل لها وغالبا ما يكتبها عندما يكون في حالات روحانيّة شديدة بسبب التأمل الذي كان يمارسه بالأحاسيس, ثم نهض وحمل عصاه ودفع لي الأجرة ولكنه لم يحمل الورقة فأخذتها وأعطيتها له فطلب منّي أن أحتفظ بها لأنّه كثيرا ما كان يهمل ويتخلّى عن نصوص كتبها فبعض يتركه في المقاهي وبعض يرميه وبعض آخر ينشره تحت أسماء مستعارة ومنها ما يخبئه عنده, ثم خرج متأبطا قبعته, قرأت تلك الورقة بشكل متكرر ولكنني لم أستوعب كلماتها ولم تبدو لي سوى كلمات إنسان مهموم يعاني من الوحدة وفقدان الهدف, فتخلصت منها وواصلتُ العيش كهامشيٍّ يتصيّد المحادثات, وكثيرا ما كنت أشتاق إلى ذكرى فؤاد وإلى شذرات أوراقه المهملة.
شذرات من الورقة المهملة:
ملل مختلف:
الملال من كلّ شيء من كلّ موجود وغير موجود, من الحقيقيّ والميتافيزيقيّ, ﺇنّه يمنح نوعا من التحرر من أيّ رعب تشكّل وانحلال, ملل من الخلاص والخلود والحياة والموت ومن الممكن وغير الممكن, ملل هادئ آسر ومزمن, ﺇنّه ملل لانهائيّ لطالما أنّ السّجن لانهائي, ملل أشدّ خفّة من الهواء, ﺇنّه ملل الروح الذي يتجاوز الكينونة واللّاكينونة.
خلود أرضيّ:
عندما أُوقف الزّمن ليوشع ابن نون كانت كلّ الأفعال التي فُعلت آن ذاك هي الأفعال الوحيدة التي لها معنى لأنّ الزّمن لم يبتلعها, بعدها واصل الوجود سلسلة التقهقر والتراجع.
-عن الانتحار:
ﺇذا كان الانتحار يعبّر عن النّصر والتّمرّد والتغلّب على العالم فليكن الأمر بالعكس, إنّ عدم ارتكابه والانسياق لإغرائه يبرهن على الحريّة والإرادة.
ثمن الحقيقة:
إنّ ثمن الحقيقة هو الإقصاء والحصار.
أثر الملل:
إنّ الملل سبب كل عجز وسبب كل خسارة وسبب كلّ هزيمة وسبب كلّ زهد.

-عن الفرق بين الخير والشرّ:
لا فرق بين الخير والشر إذا وُجدت التبريرات المناسبة.
-جولة مع الأصدقاء:
وأنا أمشي اليوم عائدا إلى المنزل مع الأصدقاء كنت أخوض الحديث معهم بفعل لا إرادي كان كلّ شيء تلقائي من غير أي مقصد أو أهميّة, وبعد افتراقي عنهم توقّفت فجأة كانت خفة مفاجئة حلّت عليّ أدركت في لحظة أنني حرّ, وأنّني لا أرغب بأيّ شيء ولا أريد أن أملك أيّ شيء, أفزعني هذا الإحساس وضاقت عليّ حريّتي, أنا أحس وهذا يكفي يمكنني أن أخلق كلّ مارغبت به وما لم أرغب به وأن أعيشه من خلال الحلم والخيال, ماذا أريد؟ من أنا؟ هل أفكاري حقيقية أم أنّها أوهام؟ هل هي نتيجة اعتلال النّفس والعقل؟ أم أنّها مجرّد رسبات الذهن المختنق بالروح الكئيبة, كيف أحس؟ كيف أشعر؟ لا يمكنني أن أستوعب كلّ هذه الأحاسيس التي يمنحها العالم الخارجيّ إنّها تترصّدني تهجم عليّ وتحوّلني إلى إنسان خائف, هل هذه هي أناي؟ متجسّدة في الخوف الذي أحسه بكينونتي؟
-عن مشاعر الحرب:
اليوم شاهدتّ صورة طفل من ضحايا حرب سوريا, مقطوع الرّجلين إثر سقوط أنقاض عليه, الطفل لم يكن ميّتا, والنّظرة على وجهه كانت نظرة خارج العالم, أشبه باستسلام قانع لم تكن نظراته تحاكم البشر أو التّاريخ, وإنّما موجّهة إلى الوضع الذي لا يصدّق, أنا متأكّد من أنّه في لحظة الصّدمة انفتحت روحه كما انفتحت روح بوذا عندما بلغ النيرفانا.
ما لم أفلح في أن أكونه:
كم حلمت بحيوات لا معدودة, بذوات متنوّعة, لقد كنت كلّ شيء كلّ البشر كلّ الأحداث كلّ ممكن, و لم يبقى ليَ إلاّ أناي التي لم أعشها ولم أكتشفها, كأن لا وجود لها إنّ ذاتي هي الشيء الوحيد الذي ضاع منّي بالرغم من بحث الإرادة المستميت.
فلتكفّ عن التفكير الميتافيزيقي بالرّأس:
إنّ أكثر ما يسمّم الحياة هو التفكير الميتافيزيقي, إنّ هذا النوع من التفكير غير مجدي لماذا؟لأنّه لا ينتج أيّ حلول وكلّ إجابة قابلة للنّقض, إنّ هذا النوع من التفكير لم يوجد إلا ليسبب مرضا في الروح, إنّ التفكير الميتافيزيقي يسبب خسارة على جميع الأصعدة ولا توجد إمكانية للتخلّص أو الرّجوع منه, لأنّه يوقظ النفس ويمنحها الوعي وعند امتلاك الوعي لا يمكن فقدانه وإنّما يزداد عمقا مع مرور الوقت, إنّ الطريقة الوحيدة لعيش الحياة على نحو جيد هي الإنقطاع عن أيّ نوع من التفكير الميتافيزيقي وتخدير الوعي قدر المستطاع بكل أنواع الأوهام, إنّ مشاكلي الوجوديّة أعتبرها مشاكلا كمشاكل الطبقة البرجوازية أو الأرستقراطية إنّها مشاكل تافهة لإنسان تافه, لو سئلت إنسانا حقيقيّا لما أهمّته هذه المشاكل, إنّ أيّ نوع من الحلول لن يرضيني إلّا أن أكون لم أولد وأن أمتلك وعيا بحالة اللّاولادة على نحو من غير أن أعاود التجسد, ولمّا كان هذا مستحيلا فإنّ حالة الحصار وانعدام المخرج لا تسبب لي حزنا أو غمّا إنّ أقصى ما تسببه هو حالة من الّلامبالاة نحو كلّ ما هو مرتبط بالعالم, إنّني أطمح أن أكون كالجمادات أن لا أملك أيّ حياة خارجيّة أو داخليّة وأن أدع العالم يمرّ من خلالي ومن حولي .
وصفة للتخلّص من التّعب:
ستكفّ الحياة عن إرهاقك إذا تعلّمت فقط أن تشبه الميّت قدر المستطاع .
سكينة من نوع نادر:
في اللّيالي الباردة الطّويلة غالبا لا أستطيع أن أفكّر في أيّ شيء لأدوّنه, وعند ذلك يصيبني قلق فظيع حول الساعات الضائعة المجهضة من أيّ قيمة, ثم كمهرب أشغلها بتفكير متعمّد بالأسئلة التي تسلب ما تبقّى لي من طمأنينة, كم من الساعات المقفرة بقيت لأعيشها؟كيف ستكون نهاية حياتي؟ وأيّ شكل ستتخذ؟ ماذا سيحدث بعدي؟ العالم بالنسبة لي مجرد فكرة غائبة ,وجهة نظر لا أرغب أن أكون طرفا فيها, أين هي تلك السّكينة التي يستحيل أن يكون قد سبقها أيّ صوت؟وهل يمكن لها أن تمنحنيَ الطمأنينة؟.

كاتب جزائري، الجزائر
wailfree0@gmail.com\