“أذيال الشمس والحُلم القديم” نص للكاتبة المصرية أسماء علاء

أسماء علاء 4
أسماء علاء Asmaa Alaa

كما لو أن السماء تلفظ أنفاسها الأخيرة، أو أن أذيال الشمس تتخلف الى الأبدية وتعبر للمرة الأخيرة. كما لو أننا نزعنا عن العين إبتسامتها، والوجه صفاءه، دون إرادة منا. ماذا سيحدث لو إستسلمنا ذات مرة، وكنا من الخارج كما نبدو في الداخل؟. نشتعل. فتحترق كل الأذيال القديمة سواء كانت لنفس، أو لذكرى، أو لخيبة ما، أو لحلمٍ قديم لايزال يتقد، ويحتضر في الآن نفسه.
العنُق خارج النافذة، والنافذة خارج الكون. كل الأهواء تنهض، وتجذبها السلاسل، كل الرسوغ تحمل نفس الآلآم، كل كلمة تطارد النفْس وهالتها الضيقة، كل كلمة يُطوقها الطريق والنافذة والتضاد في كل شيء.
يا للطاولة إنها مُنعقدة دائماً، كل الأصوات تَزعَق في الآن نفسه، لا تنام، ولا تصمت كيف لأحد أن يخطو خطواً زائداً ولو قليلا الى النفْس التي ترهب كل أحد؟. لا ينعقدون لأنك دعوتهم، أو لأنك تحتاج تلويحهم وتوبيخهم، ونتائج الشك الذي يقودوهم في كل إتجاه؛ بل لأنهم موجودون رغماً عنك، لا تستطيع إخراسهم، أو طردهم أو تحطيم الطاولة على رؤوسهم. يشيرون الى أن النفْس، تملك كثيرين بالداخل، أنفُس أخرى تشابهُها وتغالبها، وتقحم أيديها في كل خطوة تخطوها، أو يخطوها الغرباء الى نفسك، وقد صادف أن الجميع غرباء.
يُكرهونك على التوحد معهم، فقط أن تجلس معهم على الطاولة كي تعرف ما يجب عليك فعله، أو يرفضون حضورك، ويكتفون بتسليط عقلك عليك، يظل يفكر ويبث الكثير من الأفكار، والتصورات عن كل شيء؛ عن الحضور والغيب والسماء والحُلم القديم. نقول متى ينتهي كل هذا، ومتى تنتقل النافذة ومتى نكف عن الإدعاء؟. التململ كان شيئا نستطيع التغلب عليه، كان شيئا نستطيع جعله بعيداً، وغير ذي قيمة، أما الآن فقد عَرف طريقه جيداً، وتوغل في كل شيء، تضخم للغاية؛ تضخم على نحو لم يعد بإستطاعتي تجاهله أو السيطرة عليه. كل شيء أقوم به بصعوبة، أشعر أني أنتزع روحي عن جدارها، كما يسلخ أحدهم حياً. الحلم القديم يُلح على لمثول، والواقع يرفض التنحي، شيء في العقل يريد أن يغفر للماضي ويمضي في الآن، وشيء في النفْس يُوغل في هذا الماضي، ويأتيني منه بكلمات قديمة ثم نسقط في الحي، تخطوه أذيال الشمس في نهاية كل يوم مُذكِرة بالحُلم القديم، ويخطو على حذوها في النفْس خوفٌ من أن يذهب الحُلم القديم مع أذيال الشمس في رحلتها الأخيرة. ثم نبقى في الحي بلا شيء، بلا حتى أسراب قديمة، ننظر الى النافذة والحياة القائمة ولا نرى أي شيء يشبهنا. أنا هنا، والآن أجلس مع تململ مُطرِد، وأشياءِ تافهة تأخد طريقها للتضخم، ثم الخروج، أصدقاء يبتعدون أكثر مما إقتربوا، وشخصيات تبيت بلا ملامح واضحة لا أستطيع حتى الآن تبين ماهيتها كي أتخلص منها على الورق. الأيام هي الشيء الوحيد الذي يتحرك وأتحرك معه، رغم الخفوت تبث صورة الذبول، وتنتظر مني أن أقطع الفجر كما اعتدت أن أفعل، وأنسى أو أنشغل أو أستسلم. أيهم سيكون أفضل من مقاومة ماضٍ لم يعد قائماً؟، ولن تُجدِي أي ردة فعل متأخرة في اللحاق بأشياء وقَّعت الأيام على وفاتها، تركناها ترحل منذ سنوات طويلة، وكل الأشياء لن تنتظر تحية الوداع كي ترحل.
كان القرار الأخير على الطاولة أن أختفي، وعلى غير عهدي القديم معهم فهذه المرة قد قَبلت، دون أي جدالات أخرى ودون أن ألوح كثيراً لأذيال الشمس والحُلم القديم في نهايتها.

كاتبة مصرية
asmaa_alaa58@yahoo.com