ثلاث قصائد للشاعر الايراني أحمد شاملو – ترجمة ماجد الحيدر

أحمد شاملو الشاعر الايراني
أحمد شاملو

(1)
في هذا الزقاق المسدود

يشمّونَ فاكَ
لئلا قلتَ “أحبك”.

يشمّونَ قلبكَ..
غريبةٌ هذه الأيامُ يا حلوتي !

يجلدونَ الُحبَّ
تحتَ أعمدةِ الطرقات.

علينا أن نخفيَ الحُبَّ
في الأقبيةِ الخلفية.

في هذا الزقاقِ المسدود،
من قارسِ البردِ والريحِ
يديمونَ النيرانَ
بقصائدِنا .. والأغنيات.

لا تخاطري بالتفكير !
فالذينَ يطرقونَ الأبوابَ
في انتصافِ الليالي
قادمونَ .. كي يطفئوا السِراج !

خبِّئي الضياءَ
في ا

لأقبيةِ الخلفية …

(2)
الكأسُ أَمِ الماءُ

قد يكون الكأسُ –بالطبعِ- نفيساً
غير أن الماءَ من يطفئُ منّي العَطَشا
ليس من يطري نقوشَ الكأسِ ظمآناً ولكنْ
هو بيّاعُ زجاجٍ … أو تراهُ
ليسَ صادٍ .. بل يحاكي العَطِشا

 

(3)
أفقٌ مضيء

ليومٍ نعثرُ فيه من جديد
على حمائمنا
ويأخذُ فيه العطفُ
بيدِ الجَمال
**
ليومٍ تستحيلُ فيه أصغرُ الأغاني
الى قبلات
ويستحيلُ كلُّ إنسانٍ
أخا لكلِّ إنسانْ.
ليومٍ لا تُغلَقُ فيه الأبوابُ
ليومٍ تصيرُ فيه الأقفالُ
حكايةً .. عن زمنٍ بعيدْ
ويومَ يكفيكَ قلبُكَ …
كي تعيش.

ليومٍ تصيرُ فيهِ “أحِبّك”
معنى لكلِّ حديثٍ
ولا نلهثُ وراءَ الكلماتِ
لنكشفَ عَمّا في الصدور.

ليومٍ تصيرُ فيه “الحياة”
لحناً لكلِّ حرفٍ
ولا أجهَدُ فيهِ
مِن أجلِ قافية.

ليومٍ تصيرُ فيه كلُّ شَفةٍ .. أغنية
وأقصرُ نشيدٍ .. قبلةً.

ليومٍ تعودينَ فيه..
تعودينَ للأبد
ويستوي فيهِ العطفُ بالجَمال.

ليومٍ كهذا
سأبقى في الانتظار
حتى لو انقضتْ أيامي
قبلَ أن أراه.

نبذة عن الشاعر أحمد شاملو 12 ديسمبر 1925 – 24 يوليو 2000
ولد الشاعر والباحث في التراث والمترجم الشهير أحمد شاملو عام 1925 في مدينة طهران، وقد ترك الدراسة في السنة الأولى للثانوية واشتهر كشاعر في الأوساط الأدبية منذ سن السابعة عشر.
فعلاوة على دواوينه الشعرية قام شاملو بترجمة قصائد وأشعار من أعظم الشعراء الأوروبيين منهم سان جان بروس ولوركا وألبرتي وآخرون؛ كما ترجم بعض الروايات وقام بابحاث في مجال التراث الشعبي الإيراني.
كما نشط أيضا في مجال الصحافة وقام بإصدار أو ترأس عدة صحف؛ وكان دوره في تطوير الشعر الفارسي الحديث أكثر من آي شاعر إيراني آخر حيث يتمتع شعره الجميل بلغة بليغة وعمق في المفاهيم و المضامين.
ويمكن للمتلقي أن يلمس في قصائد شاملو، الملحمة منسجمة مع الغزل ويرى الإنسان المعاصر حاضرا في معظم قصائده. سيطر أحمد شاملو ولخمسة عقود على النشاط الشعري في إيران وأصبح مركزا مشعا للثقافة والأدب في البلاد.
يمجد شاملو في شعره الإنسان وشأنه ويعارض التحقير والوهن الذي يتعرض له هذا الإنسان المقهور من قبل الأنظمة الاستبدادية التي لاتعترف بشأن له.
وقد نهل الشاعر من الأدب الفارسي القديم واللغة الفارسية القديمة حيث مزج هذا التراث مع الحداثة بإدخاله عنصر الإنسان المعاصر ومعاناته في قصائده.
سجن شاملو لفترة قصيرة إبان الحرب العالمية الثانية بتهمة مناصرة الألمان في حربهم ضد الحلفاء غير انه سرعان ما قد تغيرت عقيدته وأصبح يساريا ديمقراطيا وحتى آخر لحظات حياته.
كما عارض أحمد شاملو بأشعاره نظام الشاه وأهدى أجمل قصائده للمناضلين اليساريين الذين كافحوا أو استشهدوا في السجون والزنازين أو في حروب الشوارع ولم تخل أشعاره بعد الثورة الإسلامية وكما رأينا في مطلع هذا المقال من انتقادات لاذعة لما شهدته إيران من أحداث في المجتمع الإيراني بعد قيام الثورة في إيران.
بعد ديوانه “القصائد المنسية” التي صدر في الأربعينات من القرن المنصرم وهو ديوان لأشعار حب سطحية، نشر شاملو ديوان “الهواء النقي” في الخمسينات، وطرح نفسه كشاعر له وزنه ودوره في ساحة الشعر والأدب؛ وتلا ذلك بدواوين أهمها “بستان المرائي” و” أيدا في المرآة” و”أيدا والشجر والخنجر والذكريات” و” مراثي التراب” و” التفتح في الضباب” و”إبراهيم في النار” و” خنجر في الصحن”.
وكان أحمد شاملو باحثا دؤوبا في مختلف مناحي الحياة الأدبية والثقافية، لايكل ولا يتعب حيث أغنى المكتبة الفارسية بدواوينه وترجماته وبحوثه الفلكلورية.
ويعتبر الناقدون أحمد شاملو محطما للأصنام في إيران حيث لم يسلم حتى الشعراء الفرس العظام من انتقاداته؛ إذ انتقد سعدي الشيرازي لمواقفه المحقرة للمرأة والفردوسي لمغالطته التاريخية في قصة “كاوة الحداد والضحاك”. وقد جلبت هذه الانتقادات وخاصة الموجهة للفردوسي الذي يعتبره القوميون الفرس محيي اللغة الفارسية بعد الفتح العربي الإسلامي لإيران ونبيا لهم، جلبت لشاملو المزيد من الشتائم والهجمات المتعصبة من هؤلاء القوميين.
وكان أحمد شاملو طموحا في القضايا السياسية مؤمنا بالديمقراطية وحقوق الشعوب الإيرانية غير الفارسية حيث خصص في أوائل الثمانينات المزيد من صفحات مجلته الأسبوعية ” كتاب جمعة” لثقافة وأدب هذه الشعوب حيث كان يعتبر النظام الفيدرالي إطارا مناسبا لإيران.
و لم تسمح وزارة الإرشاد بطبع دواوينه وسائر آثاره الا عقب مجيء خاتمي حيث تم الحظر على كتبه لمدة 16 عاما (1981- 1997).
وقد تعرض أحمد شاملو ورفاقه في اتحاد الكتاب الإيرانيين لهجمات شرسة من قبل المتشددين المتمترسين في بعض الصحف، تارة بحجة العلمانية وتارة بحجة العمالة للغرب. وكان أحمد شاملو في معارضته للمثالب الاجتماعية والثقافية وهفوات الحكومات والسلطات شجاعا وصريحا حيث نرى توقيعه – قبل وبعد الثورة- في أي عريضة أو رسالة تحتج على انتهاك حقوق الكتاب أو الممارسات التي تستهدف حرية التعبير في إيران.
ويعد أحمد شاملو أعظم شعراء الرعيل الأول في إيران؛ أبرزهم نيما يوشيج ومهدي أخوان ثالث وحميد مصدق الذين رحلوا قبله ببضعة أعوام.
(عن كتاب ” إيران الحائرة بين الشمولية والديمقراطية” ليوسف عزيزي الصادر عن دار الكنوز الأدبية في بيروت)