نافلة ذهب تكتب عن رواية “الخيمة البيضاء” للكاتبة الفلسطينية ليانة بدر

الخيمة البيضاءتقف رواية “الخيمة البيضاء” للكاتبة الفلسطينية القديرة ليانة بدر، بين نقطتين: الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية كما تقف بين عالمين: البيت ومكان عمل البطلة نشيد ( الراوية ) والشارع الفلسطيني المكتظ الذي يربط بين الاتجاهين تخترقه حواجز ما فتئت تتضاعف. تنطلق أحداث الرواية في الصباح من رام الله ومن ساحة المنارة تحديدا ونشيد في طريقها إلى مقرّ عملها في منظمة غير حكومية. تمرّ نشيد يوميا وهي في طريقها إلى العمل من مكان طفولتها وتقف على تغيّره: يقلقها اتساخ البركة التي تتوسط الساحة وكانت من الحجر المنحوت، وقد ضمّخ اللّصق الحامل لللّافتات الاشهارية حجر الاسود الأربعة التي تحرسها وتغيّر لونها وتغبّرت و فقدت نضارتها و رونقها نتيجة الإهمال…..كأنما المدينة فقدت جاذبيتها بفعل الملصقات التجارية الدخيلة فباتت أشبه بأي مدينة أخرى. تتفرّع رام الله وساحة المنارة تحديدا مع استرداد الماضي من خلال تحرّك نشيد في الزمن الحاضر. تقول الكاتبة : للجميع ذكريات عن” المنارة” : “قلب المدينة النابض أبدا مثلها…. كانت تقف هنا دائما أيام طفولتها. لأنّ عائلة عمّها و صغارها كانوا يصطحبونها معهم…أيامها، كان الكبار يجلسون على طاولات ” نعوم” الأنيقة لاحتساء شاي العصر، ويسمحون للأطفال بالتجوال قريبا من المكان…ثم تعود إلى الحاضر فتقول :” ذلك المكان لم يكن إياه، و لم يعد يشبه نفسه أبدا”ص.( 15 ) ترى نشيد البطلة أن الوقت تغيّر :”كل شيء كان يتغير، ولكن في اتجاه لم يقدّر خطورته تماما لا بمراقبة تشكّله وزيادة تأثيره بحيث وصل إلى مرحلة التدهور والتردّي…”ص.( 39) المكان أو عبق الطفولة. يمكن القول إن كل شبر تمرّ به نشيد يعود بها إلى الماضي السّعيد فتؤلّفه من جديد معيدة الحياة إلى من مرّوا مولّدة أماكن أخرى تضجّ بالصور والشخوص. غير أن المكان المروي رغم ثرائه التاريخي وسكونه في الليل يصبح أحيانا سجنا يحاصر مخيّلة نشيد. وفي الصدد تقول الراوية : “إنها تذهب إلى شوارع وسيعة، لا يتكدّس الناس فيها، كي تفتح صوت الموسيقى على سعتها، وتستمع….أغنية أو ثلاث أو أربع، وتشعر بسعادة تأخذها إلى بقعة مختلفة في العالم. هناك حيث لا سجون ولا مشكلات أو مآسي، ولا أعداء أو جنود يتتبّعون أثرهم في كل حين، تعيش افتراضيا في مجتمع مختلف حيث يمكن للمرء التعبير عما يفكّر به دون حسابات… ثم تضيف “انتهى عصر الرومانسية، وخلّف وراءه أثقالا و أحمالا من الواقع الصّعب… “(ص.176/ 177). مآسي البطلة أو نشيد (و للاسم دلالة رمزية واضحة.) هذه المآسي تجعلها تفضّل العيش الافتراضي وهي تعيش وسط سجن بأسواره وخيالاته وضجيجه…”الأخ في السجن، أمّها تكافح من أجل سداد ما عليهم من ديون، تكلفة المحامي ومتطلّبات السجن ليست قليلة ” وعليها هي أن تسند العائلة بالعمل والكسب. ترتبط نشيد بالمكان بفضل عائلتها وكذلك صديقتها ندى و القضية التي تناضل من أجلها أي قضية المرأة و فلسطين الرّمز… تبتدئ الرواية في الصّباح حالما تخرج نشيد للعمل “وتستمرّ خلال أربع وعشرين ساعة لكي تكتمل فصولها على حاجز قلندية”(الناشر) تذهب نشيد في الصباح “للمشاركة في إنقاذ هذه الشابة الساحرة الابتسامة التي ترتدي غطاء أسود شفّافا تحكم لفّه حول وجهها الجذّاب….لا يريد ابن عمّها أن تتزوّج رجلا غيره.ا حلف أن يقتلها إذا أكملت مشروع الزواج من خارج العائلة. لكنها عملت على استكمال توقيع أوراق عقد قرانها من دون موافقتهم، وهو ما يعدّ عصيانا” ص. ( 51 ). كانت نشيد النسوية تعاني من تداعيات شرخ بدأ في علاقتها مع زوجها : “صارت العلاقة بينهما ملغّزة، ولم تعد كما كانت عليه.ا..كانت تهرب من خيمة النهار البيضاء إلى خيمة الليل السوداء. أملا في إيجاد الشخص القديم الذي عرفته سابقا و أحبّته وارتبطت به و أنجبت منه، هذا الذي لم يحتمل ما جرى بعدها من تغييرات ولم يرحّب بأن يكون لها رأيها الشخصي المغاير لما يراه. غادر وتركها خلفه…” ص.(152 ) يتوزع نضال نشيد بطلة الرواية بين الصّعيد الذاتي: في البيت و الصّعيد الاجتماعي إذ تساعد النساء المضطهدات والفقيرات وتأخذ بأيديهن وهن يعشن الأزمات. زمن الرواية بين الماضي والحاضر يشمل زمن الرواية ظاهريا الوقت الكافي لتصل نشيد إلى مكان الاجتماع غير أنه يمتد إلى حياة نشيد منذ الطفولة إلى يوم الرواية وهي في طريقها إلى حاجز قلندية. يشهد القارئ أحداثا وقعت ما بين الانتفاضتين والتغييرات الحاصلة في العلاقات البشرية :علاقات المقاومين القدامى والمناضلين الشبّان ومن يقفون على حياد أزلي وقد ركنوا إلى أمكنتهم ومواقفهم ومن غيّروا مواقفهم و أصبحوا يرون الحياة بعيون أخرى… نحن هنا إزاء رواية اليومي المتحفّز إلى انباء التلفاز و شاشة الكمبيوتر المنزلي أو الهاتف. فهنا حياة مشوبة بالموت والمآسي حيث تتوزع حياة نشيد بين عدة مسؤوليات تتعلق بالحياة اليومية أي بين العائلة الصغيرة والعائلة الوطن. إنها حياة كفاح حقيقي للبطلة فهي تمثّل المرأة الفلسطينية التي ما انفكّت تناضل من أجل كيانها الشخصي مقاومة التعصّب طلبا في الحرّية. تقول الرّاوية واصفة حيرة نشيد : ” حين تخشى من أرق الليل، تأخذ السيّارة في لفّة سريعة قبل الساعة العاشرة، وتدور في شوارع اللّيل الخالية. تعود بعدها منتعشة ومشبعة بالأغاني التي تسمعها من مذياع السيارة على موجة ” أف أم ” التي لا يتسنى لها الإنصات لها خلال النهار” ص. 176. إن ما تطمح إليه نشيد هو شعور انساني بحت فهي تساعد النساء اللائي يحتجن إلى العون وهن في أزمة و تبحث عن الراحة وهي تنصت إلى موسيقى راديو السيارة والتجوال بين الشوارع الخالية ليلا و طورا تفرح لرؤية قطع حلوى “سمسمية” طفولتها تباع على الرصيف في رام الله لأن نهارها يكون مكتظا مثل الشارع وتشغل عقلها احداث وأفكار ليست دائمة السعادة وهي موزّعة بين الموبايل وشاشة الكمبيوتر تترصّد أنباء عن بلادها تأزّمها بينما يهتز قلبها وينشرح صدرها إثر تلقيها تحية يومية تمثّلت في صورة وردة حمراء تزور شاشتها يوميا… تلك البطلة الحيّة المناضلة النسويّة هي ذاتها التي تحب الموسيقى والانسياب في سيارتها مع الليل وفي الشوارع الصامتة. تلك البطلة تمثل امرأة اليوم المثقفة والمناضلة التي لها رأي في تثمين حياتها ورأي حول ما يجري في بلادها المحتلّة وقد وصلتها تهديدات مصيرية على هاتفها شغلت أباها وابنها… أليس الانسان هو من لا يغفل عن انسانيته مهما تعقّدت انشغالاته فيمنح نفسه حيّزا من الشعور ليواصل طريقه بين منعرجات الحياة وتضاريسها بكل رصانة؟ تبدو نشيد من هذه الطّينة… “ليانة بدر كاتبة فلسطينية ولدت في القدس وتعيش حاليا في رام الله. درست الفلسفة وعلم النفس في بيروت وحصلت على ماجستير في الدراسات العربية المعاصرة من جامعة بيرزيت. عملت في الصحافة الثقافية وأسّست لبعض المجلات والدوريات الأدبية مثل ” دفاتر ثقافية” و ” أوراق ثقافية” لها العديد من الروايات والقصص والنصوص الشعرية التي ترجمت إلى الإنكليزية،و الفرنسية، والإيطالية، وغيرها. كما كتبت العديد من قصص الأطفال ومسرحية غنائية.” عن الناشر. الخيمة البيضاء رواية ليانة بدر نشر هاشيت أنطوان ش.م.ل.2016.بيروت. لبنان.