“رؤوس غير مخصيّة” فصل من رواية للكاتب العراقي عدنان عادل

 

الفصل الأول
بوكيمون ورأس الراهب

عدنان عادل Adnan Adil

منذ ما يقارب ساعتين وفم المسترخي على الكرسي مفتوح على أقصاه، يستقبل برحابة كل ما يدلف في فمه من أدوات حادة ولامعة مع الهواء المحمّل بأنغام الترومبيت، الصادرة من الحاكي الموضوع فوق طاولة في ركن الغرفة. كانت الموسيقى تغزو هدوء الغرفة دون ضجيج، هازة بخفة المنديل الأبيض المربوط بعناية على رقبته، مغطيا أسفل صدره الذي كان يعلو ويهبط كموجة مريضة. بهرمونية غريبة كانت الأنغام تقتحم أحشائه دون عائق من بوابة فمه المستسلمة، وتغري الدود بمدّ رؤوسها خارجة من نخر السن، ثم تنسحب لتتكور في عمق الضرس، متحاشية ملقط طبيب الأسنان فيليب الذي اندهش، عندما طلب منه المسترخي على الكرسي، بأن يعلي صوت الموسيقى قليلاً، لأنه يشعر براحة لذيذة لم يشعر بها من قبل، سأله إن كان يرغب بشيء آخر وأقترح عليه أن يستنشق كمية أخرى من غاز المخدر. ألبسه كمامة الغاز مغطياً الأنف والفم معا، وربطها خلف رأسه بشريط مطاطي، فتح صنبور الغاز وأخذ يسترسل معه في الكلام، موضحا للمرة الثانية بأنه سوف يشعر بخدر ملحوظ في عضلات جسمه، مصحوبا برغبة في الضحك وشعور طافح بالسعادة فلا داع للقلق. انحنى طبيب الأسنان فيلب على الحاكي ليدير مفتاح زيادة الصوت، سقط نظره على جيتاره المغبّر خلف الستارة، توجه نحو النافذة وموّج أصابعه على أوتار الجيتار المتراخية لحظة، فجاءت النغمة شاذة مع معزوفة الترومبيت الصادرة من الحاكي، لكنها كانت متناسقة مع سمفونية النهيق لقطيع من الحمير، هبط من السماء توا ليرعى في الخضرة الرحبة، في عالم المسترخي على الكرسي .

*

تطلع طبيب الأسنان فيليب من النافذة إلى حركة المرور والمشاة في شارع رويال والساحة جنب كنيسة سانت ماري، أراحه منظر السكارى والمدمنين والعاطلين عن العمل أو المتاجرين بالسجائر المهرّبة والحشيش وهم يتمازحون فيما بينهم. على بعض المصاطب ترى بعض العوائل التي تصطحب أطفالها للعب، هناك محلات البقالين ومطاعم الوجبات السريعة والمقاهي ومكاتب السفر المتواجدة حول الساحة التي أغلب روادها من الجاليات الأجنبية. سمع طبيب الأسنان فيليب صوت فرامل عجلات قوية تبعه صوت اصطدام شديد، مدّ عنقه فرأى في نهاية الشارع عند التقاطع مباشرة وعلى مقربة من بوابة الكنيسة، دراجة نارية منقلبة على شريط السكة الحديدي للترام، تلاها صراخ بعض المارة المتواجدين في المكان وهروب بعضهم فارين بفزع… خرج إلى الشرفة ليستوضح الأمر، تناول علبة سجائره من فوق الطاولة وأشعل سيجارة. لمح أحدهم من دون رأس يتخبط قرب عربة الترام، وقد استقام فجأة على قدميه بعد عدة محاولات فاشلة للنهوض، وباشر بالبحث عن رأسه الذي تدحرج بعيدا عنه بمحاذاة السكة. غيَّر الرأس مجرى سيره بعد أن اصطدم بسيارة البلدية المركونة هناك، دار دورتين حول فوهة المجاري التي تُركت من دون حراسة، بعد أن ابتعد العمال عنها مذعورين، وسقط على رأس العامل الذي كان يتواجد وحيدا في قاع المجرى المظلم لإصلاح بعض العطلات الكهربائية والتقنية، وقد أسلم العامل روحه في الحال بعد أن عاين بيديه الشيء الذي سقط على رأسه. بدأت الجثة بالركض في اتجاهات مختلفة والدم ينفث من شرايين رقبتها كالنافورة، اصطدمت بأعمدة إشارات المرور وببعض الأشخاص الذين كانوا ينتظرون ترام 92، 93 في موقف سانت ماري، حيث تسمّروا في أماكنهم غير قادرين على الحركة أو الصراخ. كفّت الجثة عن ملاحقة الآخرين بعد أن هرعوا للاختباء في المحلات والمقاهي، وعاودت البحث عن رأسها، تعثّرت بقدم المتشرد النائم قرب جدار الكنيسة وأنكبّت على صدرها، عاودت النهوض ثانية برشاقة وركضت صاعدة الدرج نحو بوابة الكنيسة. طُليتْ الأيقونات والتماثيل المتواجدة على قبة المدخل بالدم، كما طالت رشقة من الدم تمثال العذراء المنتصب على قمة البوابة، وهي تحمل اليّسوع بين ذراعيها لتترك لطخة على تعرجات فستانها بين ملتقى الفخذين. رمت الجثة نفسها على الباب لتجد نفسها داخل الكنيسة. فهم طبيب الأسنان فيليب ذلك من الحوار الصاخب الذي دار بين صاحب محل البقالة التركي الذي كان يحاول أن يشرح الحدث لجاره الحلاق المغربي الواقف أمام محله في الجهة الأخرى من الشارع، كما اتضح له بأن الجثة تعود لراهب شاب جاء مؤخرا ليتدرب في الكنيسة. أخيراً وصلت الجثة إلى باحة الكنيسة وأخذت تتلمس الطريق نحو مقصورة الاعتراف، جلست على المقعد شابكة يديها كتلميذ مطيع منتظرا معلمه الراهب العجوز، الذي يبدو أنه قد فقد وعيه راكعا أمام الصليب بمجرد رؤيته للجثة تتقافز في باحة الكنيسة. طال انتظار الجثة وخارت قواها. كان الراهب الشاب يريد أن يعترف ويمحي خطاياه قبل مماته حتى ولو كان من دون رأس، لكنه لم يصل إلى مبتغاه فأسلم روحه على مقعد الاعتراف.

**

أطفئ طبيب الأسنان فيليب سيجارته في سندانة الأزهار البنفسجية على الشرفة ورجع موصداً باب الشرفة وراءه. كان المسترخي على الكرسي في تلك اللحظة قد أزال كمامة غاز الضحك عن وجهه وأستفسر عن الضوضاء في الخارج.
“لا شيء هناك، يقولون أن شابا في الكنيسة ينتظر الراهب في غرفة الاعتراف”، قال طبيب الأسنان فيليب وهو يجهز ملاقطه وأدواته متحضرا لالتقاط الديدان الخارجة من نخر سن المسترخي على الكرسي وأضاف:
“هل تشعر بخدر كاف الآن؟”،مشيرا للمسترخي على الكرسي أن يفتح فمه.
“وماذا في ذلك؟ّ”
“لا شيء، لا أدري، لكنهم يقولون أن الرجل من دون رأس″، أجاب بلامبالاة ظاهرة.
“ماذا؟”
“مثلما سمعتَ، من دون رأس″، ومدَّ أصابعه على رقبته بحركة تشي بالقطع.
أطلق المسترخي على الكرسي ضحكة جعلته ينتصب في جلسته، حاول أن يتمالك نفسه، عاودته الضحكة من جديد. لم يستطع أن يكبح خياله في عدم تصور المشهد، فالطريقة التي أدلى له بها طبيب الأسنان فيليب الخبر المفزع، كانت مدعاة للسخرية مقارنة بفظاعة الحدث:
“هاهاهاها… كيف؟”
“هيا، أهدأ ودعنا نكمل عملنا، إذا اضطررنا إلى تفسير كل ما يحدث حولنا، سيكون من المحال المتابعة وسنفقد المتعة بمجرد إلمامنا بكل شيء، حتى متعة الاستيقاظ في الصباح”، وأضاف:
“من المجهول نستمد طاقة الاستمرار” .
عاود طبيب الأسنان فيليب سرد تفاصيل الحدث في كون الراهب الشاب أثناء عبوره الشارع في محاولته لإنقاذ سائق الدراجة النارية الذي تزحلق دراجته على السكة الحديدية، قد اصطدمت به سيارة أجرة لتلقيه بين عجلات الترام. استمع المسترخي على الكرسي بهدوء واهتمام لطبيبه رغم عدم اقتناعه بكل ما ورد في الحديث، استند على ظهر الكرسي وعلّق كمامة الغاز على ذراع القنينة. كان غاز المخدر يتسرب بانتظام، فكونه عديم الرائحة لم يثر انتباه طبيب الأسنان فيليب الذي نسى أن يغلق صنبور القنينة. ظل الغاز يتسرب ليشبّع هواء غرفة لا تزيد مساحتها عن ثمانية أمتار. مسح المسترخي على الكرسي فمه بالمنديل المتدلي على صدره، ثم راح يتأمل السقف محاولا نسيان رجل الكنيسة :
“رأس راهب آخر! مساكين هم الباحثون عن البوكيمون” .

***

منذ شهور لم يستلذ بمثل هذه الراحة، لطالما حلم بهذا الاسترخاء والصفاء الذهني، أحس براحة مع طبيب الأسنان فيليب وتمنى أن لا يغادر مكانه. الآن وبعد أن تخلص من حَمله الذي دام سبعة أشهر ونصف وتسلح بغاز الضحك، كان من الطبيعي أن يغمض عينيه وتبرق في ذهنه أولى مراحل تفتق ورمه. كان ذلك في فجر إحدى أيام الآحاد من شهر آب، عندما انتبه في نومه إلى سخونة ومن ثم برودة سائل يسري بين فخذيه، شعر بالبلل في أطرافه السفلى وأكتشف أنه قد تبول في فراشه، لم تكن عملية التبول بحد ذاتها مفاجئة له، لأنه كان يتبول في حلمه وهو على جدار عال في يوم مشمس وماطر في نفس الوقت. كان كلما يضغط على مثانته المنتفخة ينقذف بوله أبعد وتكبر انحناءة قوسه، كان فرحا برؤية قوس القزح يظهر بجلاء أمامه فيستمر في التبول خشية اختفاء الألوان المبهرة، هكذا كان يتابع إلى أن استيقظ وجزئه الأسفل غارق في البول. تخلص من لباسه الداخلي حيث لم يكن يرتدي سواه وتحسس طريقه في ظلام الغرفة نحو الحمام. وهو ينشّف جسده رأى الورم الذي رآه سابقا ولم يعره اهتماما في أسفل سرته وقد تفتق وبرز كعضو أنثوي مكتمل النمو لطفلة حديثة الولادة. أقشعر بدنه وأراد الهروب ولكن إلى أين وهو ملتصق بجسده مثله مثل أي عضو من أعضائه الأخرى. تمالك نفسه ولمسه بتردد فأحس به، إنه جزء من جسده، أمسكه بين ابهامه وسبابته وأخذ يضغط عليه فأحس بألم، تصور لو انه سحبه قليلا لتمكن من اقتلاعه لكنه كان متجذرا في لحمه. لم تظهر عليه أية أعراض جانبية، تفحص وجهه في المرآة، لا شيء غير طبيعي عدا ارتباكه، مسح وجهه بكفيه وتنفس بعمق: “لِمَ القلق!”. استسلم للأمر في ذلك الفجر لكنه لم يغمض له جفن في فراشه، ظل يتمشى عاريا في غرفته جيئة وذهابا وينظر بين الحين والأخر إلى شيئه الذي لم يجرؤ أن يسميه، فليس من المعقول امتلاك زوج من الأعضاء التناسلية في جسد واحد. كان مرتبكا لكن عدم شعوره بأية أعراض غير طبيعية أعاد له ثقته بنفسه. عليَّ أن لا أتهور، يجب التصرف بعقلانية، لكن أية عقلانية، إنه كس، ومن المحال تقبل الأمر. رمى نفسه على الأريكة وأخذ يقارن كسه بكس حبيبته لورا، أزعجته فكرة المقارنة، لم يرتح لها لأنها أشعرته بأنها تلطخ ذكرى لورا، لورا الجميلة، يا ترى أين هي الآن ؟

****

بعد ساعات خرج من شقته وفي نيته الذهاب إلى مكان ما أو فعل شيء ما أو القيام بأي عمل، لم يكن على دراية بوجهته، كان مسرعا في خطاه مترددا بين أن يستقل الترام أو أن يعاود المشي. توقف عند موقف بوتانيك، وهو يراقب الجهة التي يأتي منها الترام، مدّ يده خلسة إلى ما بين فخذيه وصعد بها ببطيء لتلامس كسه، تحسسه برهة، شعر كمن يمدّ يده ليغرف بإصبعه عسلا من خلية نحل متأججة، سحب يده فجأة بعدما تعرض للدغة لاسعة. كان وقع الشعور بتحسس عضوه الجديد غريبا ومربكا عليه، شعر بتفاقم ضربات قلبه وارتجاف أطرافه. قد لا يكون لديه متسع من الوقت لتفادي عواقب ما آل إليه، لكن ماذا باستطاعته أن يعمل؟ أخذ علبة سجائره وأشعل سهوا سيجارة من فلترها، رماها وأخذ سيجارة أخرى وأشعلها أيضا من الفلتر، تأكد من وضع السيجارة الأخيرة في فمه بشكل صحيح، وتوجه بخطوات قصيرة نحو حاوية النفايات الممتلئة ببقايا أمسية صاخبة من أماسي بوتانيك في عطلة نهاية الأسبوع: علب بيرة الجوبيلير، قناني النبيذ والخمر، أقماع كارتونية تحتوي على بقايا البطاطة المقلية، حشر علبة السجائر بين النفايات، تساقطت القناني والعلب على الرصيف، أعادت إليه الضوضاء لحظة من الطمأنينة وقرر العودة إلى شقته، فليس هناك أفضل من التجوال بدراجته الهوائية في مثل هكذا يوم، هذا ما أفضته إليه دحرجة إحدى علب الجوبيلير على الرصيف.

*****

كانت السماء صافية ومع دفء الشمس والنسيم البارد الذي ينعش صدره وهو يقود دراجته الهوائية بهدوء مارا من شوارع تكاد تخلو من المارة والسيارات، عاد إليه استقراره النفسي نوعا ما. قادته حاجته لرؤية الناس إلى ساحة ليبرتي. كان العاملون في المقاهي المحيطة بالساحة يوزعون الكراسي والطاولات تحت ظلال أشجار السنديان والمظلات الملونة. يبدو من النشاط البادي في حركاتهم وتنقلاتهم بأن نهارا شاقا مشحونا بالزبائن في انتظارهم، فالناس لا يفوتون فرصة كهذه ولا يدعون هذا النهار المشمس يمضي من دون أن يستمتعوا بلقاءات الأصدقاء والأحبة، لتزجية بعض الوقت في الشرب والاسترخاء، متناسين أسبوعا شاقا من العمل والتوتر. أوقف دراجته على حافة الرصيف ودون أن يترجل منها، أخذ يراقب الحركة في الساحة، لم تكن الأجواء تثيره في شيء، وقد لا يكون هناك ما يثير انفعاله في شيء، حتى لو انتظر وراقب الناس لساعات سيسمع لا محالة حوارات لطالما سمعها من قبل في مثل هكذا أجواء:
“كلبي مكتئب، منذ أسبوع يمر بأزمة نفسية ولا يطيعني، لهذا لم اصطحبه معي”.
“هل سيكون الطقس جميلا طيلة أيام الأسبوع؟”.
“أفهمُ، أفهمُ ذلك، رغم خيانة شارلوت لك مع أحد أصدقائك المقربين، مع ذلك فأنت لا تنوي إلغاء تمضية العطلة القادمة معها”.
” هل لديكم بيانو في المنزل؟”.
“أي يوم جميل هذا!”.
“لقد فقدتُ قطتي، سألصق هذه الإعلانات في المنطقة علَّني أجدها”.
“المطعم الذي قرب المصرف، يحضّر وجبات شهية”.
“في الفراش، كيف هو؟”
“اشتريتُ هذا الوشاح من روما، فعلا ملمسه ناعم وألوانه جذابة”.
لكنه كان متأكدا بأن أحدا سوف لن يوشوش في أُذن صاحبه “اسمع، استيقظتُ هذا الصباح وإذا بي أجد كسا ناتئاً من جسدي، فوق أيري المسكين”. لهذا تابع طريقه قاطعا ساحة ليبرتي. مرَّ من جنب سياج المتنزه الملكي وفكر لو أنه مارس الرياضة بانتظام، كهؤلاء الناس الذين يركضون حول المتنزه، لربما يكون قد تحاشى ما أصابه. رأى المتنزه خالية من متعقبي البوكيمون، وكان ذلك طبيعيا على ما يبدو بعد الحادثة التي أبهرت الجميع. قبل أسابيع وفي أحد أيام الآحاد خرج ليتمشى في المتنزه، كان هناك العشرات بل المئات من صائدي البوكيمون متجمعين حول نافورة في وسط المتنزه، منهمكين في النظر إلى هواتفهم النقالة، شباب وشابات، عوائل تصطحب معها صغارها، كان البعض يجلس على كراسي سهلة الطي والحركة، ينتقل بها من مكان إلى آخر لمطاردة البوكيمون. كانوا فرحين منسجمين مع بعضهم في أجواء تعمّ فيها الألفة حتى ولو كانت افتراضية. مع دقات ساعة كاتدرائية سان ميشيل القريبة من المتنزه معلنة بدأ مراسيم صلاة الآحاد، تعالت صرخة مرعبة لشابة رمت بهاتفها وجلست القرفصاء مغطية وجهها بيديها، ثم توالت الصرخات وبدأ الناس يركضون إلى الشوارع الفرعية، أُمهات يركضنَّ حاملات أطفالهنَّ، كلاب تنبح، بينما تمالك البعض أعصابه واستمر في متابعة صيد رأس الراهب بابتسامته المتخشبة الذي ظهر فجأة ينطّ على شاشات الهواتف النقالة، بدل البوكيمون. أقبل البوليس إلى المكان مصطحبين معهم الكلاب المدربة على تعقب الحقائق الافتراضية وكشفها، كما توافدت سيارات وعمال البلدية للملمة الهواتف المرمية وإعادتها إلى أصحابها، احتار المحققون في كيفية الربط بين هذه الحادثة وبين الحادثة الغامضة التي وقعت قبل أيام في شقة في ضواحي بروكسل والتي لم يجرؤا أن يسموها جريمة لعدم كفاية الأدلة، عندما وجدوا جثة لراهب مقطوع الرأس، رغم جهودهم وجهود كلابهم المدربة أيضا على كشف الرؤوس الافتراضية، لم يفلحوا في العثور على الرأس المفقود الذي ظهر فجأة بابتسامة متخشبة ينطّ على شاشات الهواتف النقالة، مع أولى دقات ساعة الكاتدرائية، كما عجزوا عن معرفة سبب ظهوره فقط في أيام الآحاد حيث مراسيم وقت الصلاة. بعد هذه الحادثة خلى المتنزه الملكي في أيام الآحاد من صائدي البوكيمون…

******

توجه المسترخي على الكرسي بدراجته الهوائية نحو ساحة بولاخ المطلة على حي مارول. كان من عادته كلما افتقد لورا أن يأتي إلى هذا المكان، حيث بإمكانه أن يرى الشقة التي عاشا فيها معا قبل أن ينفصلا لأسباب بيولوجية، كان المسترخي على الكرسي يفكر بـلورا، لورا الجميلة المرحة التي تجيد إضافة إلى العديد من اللغات الأوربية، اللغتين العربية والتركية. كان يحب لورا ومدينة بروكسل كونها المدينة التي تعرف فيها عليها، ففي الأماكن المألوفة تبدأ الأجساد ذات الرؤوس غير المخصيية باجترار ماضيها، وها هو طبيب الأسنان فيليب بعدما استنشق كمية لا بأس بها من الهواء الغرفة المعبئة بغاز الضحك، يتمايل على أنغام الترومبيت، ويستمتع بمنظر الديدان الخارجة من نخر سن المسترخي على الكرسي، يلتقطها بحركات بهلوانية بهدوء وبلا اشمئزاز يلفها بمناديل ورقية ويرميها في السلة المبطنة بالبلاستك، يفكر بجده الأكبر الذي وُلد بسن من ذهب، وبلعنة كونغو التي حلّت على عائلته منذ زمن بعيد وأجبرته أن يمارس حسب عرف العائلة مهنة طبيب الأسنان، بدل تحقيق حلمه في أن يكون مغنيا وعازفا للجيتار يتجول في شوارع بروكسل.

 

كاتب عراقي مقيم في بروكسل.
Adnanadil.o@gmail.com