سرديات شعرية: محمد علاء الدين عبد المولى

محمد علاء الدين عبد المولى

كورس يديرُ شؤون الصدفة

ما هذا الطبلُ يعكر طيران الصمت في أذنيّ؟
أطفئوا صراخكم
مدعوّةٌ أنا للعناق مع داخلي
وإذا استمريتم في ذلك فسوف تتّسع الفجوةُ بين رحيق الوردِ والورد، ويُغرقُ الألمُ أجنحة الفراشات.
وأنتِ يا نقطة الحبر الغائبِ
أفسحي لي تجويفكِ مكاناً لريشات اللغة
أطمئنكِ أنني لن أستنفذك كلكِ،
ألا تتذكرين أننا عقدنا قراننا على التكتم على مصيرنا؟
أغذيكِ وتغذينني
أحتويك وتحتفين بحفيف حزني المنسوج كرغيفِ صاجٍ على نايٍ هادئة.

أنتِ يا أنا!
أنا يا أنتِ
أنا الشاعرةُ القصيدةُ الذهاب الإيابُ
أنا ضربةُ النجمة على حافر الحصانِ وهو ينامُ
أنا أنتِ اندفاقُ النبع من هزّة داليةٍ خرساء

أنت يا أنا
هيا نتكوّم على أنفسنا داخلنا
نحنُ رحمُنا الذاتيُّ
صدفتنا المستقرة في قاعِ القاع
نتحلزنُ معاً نتعاشقُ نتشابقُ نتوالد نربّي مستقبلنا في يومٍ واحدٍ وليلةٍ

يا أنت يا أنا
تلتصق بأجسادنا مواد خضراءُ كتلك التي تحمي جنيناً
لكن لا نريد أن يمسّنا أبٌ ولا أخٌ ولا جدٌّ يجيّرنا إلى حاكورته.

أنت يا أنا
يا أنايَ المتقوّسة كقوس قزح ملمومٍ في قلبٍ
نسبح الآن الحركةَ ما بعد الأخيرة من الكورس الصامتِ
اصمتْ
اصمتْ
كورس يديرُ شؤون الصدفة في مهارة اللؤلؤةِ
ونلدُ بكل أبّهةِ الرحيل…

16 آب 2017

في حبّة كمّثرى

في حبّة كمّثرى يختبىء صوتي
تجتمع عليه بلابلُ برج بابل وتتبلبل اللغاتُ في المعاجم التفاحية والرمانية والعنبية
أنا لم أكمل متاهتي فيكِ بعدُ
يا امرأة الكمثرى الناضجة
أنسجُ “لا شيءَ” لأغطي ظهركِ المكشوف للرعد والهجراتِ
أشكّ النهار بالنهارِ والضحى بالضحى وأسدل عليكِ أسبوعي
لألدَ من عينيكِ بصيرةً تحدق في الشجرِ الزاحف نحو كوخي.
لا أملك ترساّ لأردّ الذئبَ
وما أدراني أن الذئب لم يكن قادماً من داخل جمجمتي؟ لماذا يهاجمني إذاً؟
هل تمتدّ يدكِ الخبزيّةُ تردع هذا الجوع الناحبَ فيّ؟
هل تنهين جناز العصافير في بيدر القمحِ؟
أمّي لم تقل لي أحبكَ يا ولدي، لكنها ماتت وهي تبكي!
منديل أمّكِ رأيته مرة على سرير أمّي وهي تغني لأسمهان،
كان صوت أمي شهقة إلماسٍ، يجرح الصياد فيرمي بندقيته ويجلس يؤلف حكاية عشق للعصفورة.

هل ستقول لي أمكِ: أحبكَ يا ولدي؟
عندها سوف أخطفكِ وأخبئك معي
داخل حبّة كمثرى…

16 آب 2017

ابتلعتْ سبعة أوتار خرساء

 

سمعتها حين كانت تتمرن على الصمتِ
ابتلعتْ سبعة أوتار خرساء
وقطعتْ واحدا وثلاثين غابة ببحيراتها المتجمدة
حتى وصلتْ إلى عرسٍ خمش روحها بمخالب النسر
وما كانت تعرف غير أسماء الأجراس التي عطّلها لصوصُ الطرقات عن الغناء.
هل هذه العريشة تنزفُ أكاليل؟
أم هناك أطفالٌ لا يتكلمون يرفعون ذيل فستان عرسها؟
ألقت عليهم نظرة نابعة من داخل كهف.
وتذكرت طفولتها حين كانت تحتمي بذيل ثوب أمها لا تفارقه
يومها ناداها جسد الأم: يا ظلّي!
لا تريد أن تكون ظلاًّ.
لكنها كانت تتخيل أمّها نهاية الكونِ، وتحاول منعها من النهاية.
بعد سنين سوف ترى عدة نهاياتٍ
مع أنها تركت فستان أمّها وكبرت في ظلّ سنديانة.
وجاء بعلٌ رماها خلفه على عربة الجليد، وهي نارٌ.
قالت: نارٌ نارٌ أنا أنزلوني من العربة.
بدلاً من نزولها صعدَ إليها الأطفال حاملين الكمنجات اليابسة،
وأخذوا بتكسيرها على الحافة.
ومن يومها وأنا أسمعها تتمرّن على الصمتِ، ببكاء…

 

شاعر سوري، ألمانيا
mmalmawla65@hotmail.com