“كوابيس” حسونة المصباحي

حسونة المصباحي Hassouna Mosbahi

 

إلى روح أولاد أحمد

“فيلقاني بعينين كأنهما الغيب ويقول:
من أنت؟ أو:ممّن أنت؟ ويمرّ كالخيال”
محمد المسعدي

1

فجأة مات كلّ شيء: الشارع الذي أسكنه منذ ما يزيد على العشرة أعوام، والمدينة التي لجأت إليها بعد عام الجراد والجرذان في بلادي، والحديقة التي أركض فيها كلّ صباح لإنعاش القلب المريض.
كلّ شيء مات. وجثّة البارمان الذي يسقيني كلّ مساء كانت ملقاة على رصيف شارع “الأتراك”(1) يرتع فيها الذباب. وذاك الشاعر المطرود من بلاده البعيدة بسبب قلمه ولسانه، كان يتعفن أسود أمام باب العمارة المواجهة للعمارة التي أقيم فيها. وكلب جاري الذي لا يبتسم أبدا لسبب لا يدريه أحد، كان يحتضر ممددا على الإسفلت ، وسط الشارع.
هل متّ أنا أيضا؟…تساءلت وأنا أتحسّسُ جسدي. وحين لم أتمكن من أن أثبت ذلك بالدليل القاطع، صعدت إلى الطابق السادس في العمارة التي أسكنها. فتحت باب شقتي الصغيرة لأجد زوجتي ممددة صفراء خضراء بنية على فراش بدا كأنه متروك منذ عصر الفراعنة. صفعتني رائحة عفونة حادة، فرحت أتقيّأ إلى أن فرغَ بطني تماما. عندئذ تحققت أنني لم أمت بعد إذ أن الموتى إستنادا إلى ما أملكه من معلومات جد دقيقة في هذا الشأن، لا يتقيّأون ولا يتغوّطون. وهو دون فم، ودون أست تماما مثل هراوة جدي التي كان يقتل بها الثعابين السامة في قريتي الصحراوية.
بعدأن استعدتّ حيويتي، رحت أضرب زوجتي بقسوة لا مثيل لها، غارسا أظافري في لحمها المهترئ. إلاّ أنها لم تأبه بي، ولم ترفع صوتها بالصراخ محتجة على ما أفعل. بعد أن استرحت قليلا، سحبتها من الفراش، ورحت أضربها بقسوة أشد من ذي قبل. وحين تيقّنت أن كلّ ما قمت به لم يحقّق لي النشوةَ المُرْتَجاة، قلت:لا فائدة، فالشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها. بعدها توجهت إلى النافذة العريضة، وأنا ألهث، وأمسح العرق المتصبب بغزارة من مسام جسدي. نظرت إلى الشارع. كان مزدحما بجثث الأموات. بعد لحظات، برز في ركن الشارع على اليمين عجوز سكران كان يتحسّسُ طريقه مثل الأعمى، مردّدا: أنا من ضيّعَ في الأوهام عمره…
– عليك أن تستحي! صحت فيه وأنا في أشد حالات الغضب والحنق. رددت المدينة صدى صرختي فرفع العجوز السكران رأسه الأصلع. حدجني بنظرة قاسية، ثم أطلق قهقهة عالية وسمعته يقول: أنت الذي عليك أن تستحي من نفسك…فقد فقدت كل شيء. ..الوطن..واللغة…والزوجة الأجنبية… ومثلك يجدر به أن يدفن نفسه حيّا! قال ذلك، ثم مضى مترنحا وهو يردد: يا نخلتين في العلالي يا بلحهم دواء…
ظللت أرقب الموت وهو يحصد الكائنات والحيوانات إلى أن تمدّد الفجر على الأفق وهو يلهث مادّا لسانا متقرّحا مثل كلب يحتضر…
وفي لحظة ما ألقيت بنفسي من النافذة ، ثم لم ألبث أن سمعت جسدي وهو يتهشّم على الرصيف ، وزوجتي وهي تصيح بي من الطابق السادس: كان عليك أن تدرك من زمان أنك لا بدّ أن تموت شر ميتة أيّها البدوي الأحمق!
رحت أضحك منها ومن نفسي وأنا أتفتت على الرصيف البارد…

2

في وقت غير محدّد، أيقظتني طرقات عنيفة على الباب. فكرت أنه قد يكون عبد المولى (2) جاء ليروي لي كعادته بعضا من مغامرته الوهميّة مع النساء في أضرحة الأولياء، أيّام الجمعة، وفي المناسبات الدينية، أو ليسعدني بقراءة فصل من روايته الطويلة عن مصائب الفئران والجرذان في خرائب المدينة العتيقة، وأنفاقها. وفي الحين، هرعت إلى الباب وأنا عار كما أنجبتني أمي في خريف سنة الجوع والقحط. حالما فتحته، وجدتّ نفسي أمام كتيبة من الصوماليين المدججين بالسلاح يشبهون أولئك القراصنة، مُختطفي الباخرة الأمريكية في فيلم “القبطان فيليبس” الذي كنت شاهدته قبل أيام. بجرأة لم أتعود عليها من قبل، صحت فيهم: ماذا تريدون أيها الأشقياء الصوماليون؟
ردوا بصوت واحد، وأسلحتهم مصوبة إلى قلبي:
-الإمام أمر بإعدامك في ساحة “الإستقلال”، بعد صلاة الجمعة، وقد صدرت الأوامر بحملك إلى هناك مُقيّد الساقين واليدين !
-وهل اليوم يوم جمعة؟
-لا تحاول أن تتلاعب بعقولنا أيها الزنديق… نحن نعرفك جيدا، ونعرف ألاعيبك، ولنا قائمة طويلة تحتوي على كل افعالك القبيحة المنافية للأخلاق والدين.. لذلك ستكون أول من يُعْدم رجما بالحجارة في نظامنا الإسلامي الجديد !
وكان بودي أن أواصل الجدال معهم إذ أنني كنت مُتحقّقا من أن اليوم هو يوم أحد بحسب ما اسعفتني به ذاكرتي القوية، ألا أن الوجوه الغاضبة السوداء المنتشرة أمامي كقطع من الليل، جعلتني أحجم عن ذلك..
-لكن هل بإمكاني أن أرتدي ثيابي؟ سألتهم
-نعم.. بإمكانك، شرط أن نراقبك وأنت تفعل ذلك…
دخلت غرفة نومي، فانتصبوا أمام الباب، وأسلحتم مصوبة نحوي.
أحدهم راح يطوف في الصالون الصغير. فلما رآى ديونا لصديق توفي قبل عام، بان الشر في عينيه، وصاح بي:
-أين صاحب هذا الكتاب اللعين؟
أجبت بنفس الهدوء الذي كان يجيب به القبطان فيليبس مختطفيه في الفيلم المذكور، قائلا:
-لقد مات قبل سنة بالضبط!
صاح فيّ حانقا :
– أنت كذاب وسفيه
نظر إليّ الذي كان يبدو أنه قائدهم ، وقال لي :
– إسمع… الأفضل لك أن تقول الحقيقة وإلاّ فإننا سنضطرّ إلى سحلك ورمي جثك لكلاب الحي!
كررت بنفس الهدوء:
– قلت لكم لقد مات قبل سنة بالضبط
– فتشوا الشقة فلعلّ صديقه متخفّ في ركن من الأركان!
نفّذوا أمر قائدهم بدقّة مُتَناهية. فلمّا انتهوا من ذلك، لوّح أحدهم بكتاب آخر، وسألني:
– ولمن هذا الكتاب؟
– لصديق يعيش في المنفى
سألني القائد:
– وأين بالضبط؟
– في ميونيخ
إلتفت الذي يمكن أن يكون قائدهم إلى الواقف بجانبه ، وأصدر له أمرا بإضافة تهمة أخرى تفيد بأن لي علاقات مشبوهة بزنادقة آخرين يعيشون خارج البلاد. بعدها طلب منهم أن يأتوا بصناديق لحمل كلّ كتبي لكي تحرق في ساحة “ّالإستقلال” تزامنا مع إعدامي رجما بالحجارة مثلما يفعلون مع المرأة الزانية بحسب الشرع…
في وقت وجيز للغاية، وُضعت كل كتبي التي جمعتها على مدى عقود طويلة في صناديق، وحملت خارج الغرفة.
أتممت ارتداء ثيابي.أغمضت عيني وأنا أهمس لنفسي: أقدس إستشهاد هو إستشهاد الشعراء!”. وكنت أنتظر أن يهجموا عليّ ليقيّدوا رجليّ و ويديّ إلاّ أن الصوماليين إختفوا فجأة من دون أن يخلفوا أثرا يؤكد وجودهم في شقّتي قبل لحظات…
هرعت إلى الباب. كان الشارع فارغا تماما. والمدينة كلها بدت لي خالية من أهلها. ولم تكن هناك سوى أشجار الشتاء العارية، والأرصفة الحزينة المحفورة، ورائحة كثيفة ذكرتني برائحة الصوماليين…
تجوّلت في “باب البحر” (3) بحثا عن أصدقائي الجدد والقدامى، إلاّ أنني لم أعثر على أيّ واحد منهم. حتى بار “الزنوج” الذي يظل مفتوحا إلى ساعة متأخرة من الليل، كان مُقْفَلا. أمام الباب لافتة صغيرة، كتب عليها:” البار مُغلق حدادا على وفاة المغفور له….”. وبما أن إسم الميت كان قد تمّ فسخه من قبل أحدهم، فإنني حدست أن يكون الميّت ذاك الشاعر الذي لا موهبة له سوى إيذاء الآخرين، والإساءة إليهم. وربما أكون مصيبا في حدسي إذ أنه بلغني قبل أيام أن هذا الشاعر المُنْتَتفخ بالأحقاد يعاني من مرض خطير قد يقتله في أية لحظة.
توجّهت إلى بيت عبد المولى في المدينة العتيقة ظانا أنه الوحيد القادر على تقديم تفاسير مُقْنعة لكل تلك الألغاز. ضربت على بابه بقوة أكثر من مرة فلم أسمع سوى صدى ضرباتي. بعد لأي أخرجت عجوز شمطاء رأسها الأشيب من فتحة الباب، وغمغمت:
– ماذا تريد؟
– أين عبد المولى؟
– لقد أخذه الصوماليون!قالت العجوز، ثم أغلقت الباب في وجهي..
بقيت واقفا أفكر وأنا مشتّت الذهن… ترى هل قرّر الصوماليون إعدام عبد المولى مكاني؟ وما ذنبه؟ هو لا يفعل شيئا آخر غير شرب البيرة في “بار الزنوج”، والكتابة عن محن الفئران في المدينة العتيقة. سرت باتجاه ساحة “الإستقلال”. حلّقت طائرات عسكرية فوق رأسي. سمعت قصفا بعيدا.، ونساء يَنُحْنَ ، وأطفالا يبكون بحرقة. في ساحة”الإستقلال ” كانت هناك جثث تتعفن تحت الشمس. وفي قلب حلقة صغيرة من الناس جميعهم حفاة، يرتدون ثيايا بالية ، كان الشاعر الذي ظننت أنه مات، يرتدي الزي الأفغاني.وملوحا بسكين مطلخة بالدم، بينما لحيته الشعثاء ترقص في الهواء كان يهدد ويتوعد:”أقتلوهم حيثما وجدوا… لا تتركوهم يفسدون حياتكم، ويدنّسون بلادكم بالكفر والشر والعهر… وسوف يكون الله في عونكم، فالله يغفر لكم لكن لن يغفر لهم أبدا !”
فررت هاربا..وظللت أركض وأركض إلى أن لم أعد أسمع شيئا سوى دقات قلبي وهو يرجف من فرط الإجهادالخوف.

3

اشتدّ عليّ أذاهم حتى أنني لم أعدْ أروم الخروج من الجحر الذي آويبت إليه بعد أن طلّقتُ زوجتي، وفُصلت من وظيفتي لسبب لا تدريه سوى السلطات العليا. وفي مساء رائق خرجت لأتمشى قليلا في حديقة قريبة من جحري، فانتبه لوجودي ناقد يناصبني العداء، ويجد متعة في تنغيص حياتي. وفي الحين جمع فتيانا أشرارا، وشرع يحرضهم على رميي بالحجارة قصد”تهشيم دماغي الفاسد”. وفعلا نفّذ الفتيان الأشرار أمره، وراحوا يقذفونني بالحجارة وهم يصيحون:” الله أكبر!الله أكبر!الله أكبر!”. وكان عليّ أن أبذل جهودا مضنية لكي أفلت من موت مُحقق. ظللت مختفيا في جحري أياما عدة لا أتذكر كم عددها، ثم انتبهت إلى أن مؤونتي نفذت فخرجت متنكرا في زيّ المتسولين لأشتري ما أحتاجه للأكل والشراب.لكن من سوء حظي، تمكن شاعر اشتهر بكتابة قصائد يبكي فيها بدموع التماسيح على ضحايا إنتفاضات الجوع في كلّ مكان من الأرض، فأخذ هو أيضا يحرض جماعات بالزيّ الأفغاني صائحا فيهم٠:” يا قوم! أتتركون وأنتم حراس الدين الحنيف، وحفظة الأخلاق الحميدة ، شاعرا زنديقا يدنّس المدينة، ويعبث بالقيم، ويحرض الناس جهارا على الجريمة والفسق؟!” وفي الحين إندفع نحوي مثل عاصة هوجاء أولئك الأفغان، وفي عيونهم ما يشي أنهم عازمون على تمزيق أوصالي، ورميها للكلاب السائبة. ركضت بكل ما أوتيت من جهد وأنا أحاول أن أفهم السبب الذي جعل الشاعر المذكور يقلب القميص ليتحول من شيوعي راديكالي، إلى مناصر للأفغان مردّدا :”سبحان الله مُغيّر أحوال أعدائي ، وليس أحوالي!”. ومن جديد إختفيت في جحري لا أبرحه. لكن ذات صباح، إنتصب أمامي رجل ضخم الجثة، كبير الرأس، على أرنبة أنفه ثؤلول أسود، وقال لي:” لا تعتقد أبدا أنك في مأمن منا…نحن نتابع حركاتك وسكناتك!”.
تجرأت وسألته:
– ومن تكون أيها السيد؟”
ردّ عليّ بحدة قائلا:
– أنا حارس الوطن الأمين”…
– وماذا تريد منّي؟” سألته ثانية.
صمت لحين ، ثم قال:
لقد نصحناك أكثر من مرة بأن تضم فمك لكنك لم تنصعْ لنصيحتنا، وواصلت الهذيان والثرثرة في كلّ مكان تذهب إليه، أو تمرّ به”.
هذا ليس صحيحا مطلقا!
حدّق فيّ بعينين ملتهبتين بالغضب ، وأضاف قائلا:
– نحن لا نتكلم عن خطأ أيها الشاعر السفيه… وهذا آخر تحذير منا !
قال ذلك ثم إختفى مخلفا وراءه رائحة عطر رخيص.
وبسبب ما لحقني من ضيم، تسلّتُ على أطراف أصابعي من الجحر، وغادرت المدينة في ظلمة الليل، وقطعت مسافة مديدة في الحقول والفيافي، ثم أويت إلى مغارة في سفح جبل، لم أكن أسمعُ منها سوى عويل الرياح في الوهاد السحيقة. وكنت أغطّ في نوم عميق في تلك المغارة لما بدأ الجبل يهتزّ كأنه مركب في عاصفة هوجا، فخرجت أستطلع الخبرَ. وإذا بي أرى نيرانا هائلة تلتهم الأشجار والنباتات القليلة. وكانت سحب من الدخان الكثيف تغطي الآفاق. وبينما أنا كذلك أرقب مبهوتا ما يحدث أمامي ، طلع أمامي جنود مدججون بالسلاح، تصحبهم كلاب ألمانية متوترة، ويتقدمهم حارس الوطن الأمين. وخلفه كان هناك الناقد والشاعر اللذان حرضا على قتلي فعجبت من أمرهم، وحيرني تحالفهم. ومن دون أن يتلفظوا بكلمة واحدة، هجموا عليّ، وقيّدوا يديّ ورجليّ، ثم كمّمُوا فمي، وشدوني إلى جذع شجرة عجوز. بعدها شرع الناقد في تلاوة قرار إدانتي بصوت خشن كان ينغرس في لحمي مثل الشوك.أما الآخرون فكانوا ينصتون إليه في خشوع وكأنهم ينصتون إلى خطبة الجمعة. حالما انتهى الناقد من تلاوة قرار إدانتي، أعطى حارس الوطن الأمين الأمر للجنود بإطلاق النار. وفي نفس اللحظة التي صوّب فيها الجنود بنادقهم نحو قلبي، حدث إضطراب في الجبل، ثم هبّت ريح لها رائحة الياسمين ، وإذا بي أرتفع إلى أعلى عليين في رمشة عين. …
رحت أرتفع وأرتفع ، وتحتي أولئك القوم بشعين مثل فئران في مصيدة. بعدها سمعت ملاك الشعر يهمس لي بكلام عذب لم أسمع له مثيلا من قبل أبدا. وكان صوته ناعما كالورد. عنئذ هطلت دموعي فما عرفت حتى تلك اللحظة بكاء ألذّ من ذلك البكاء، ولا دموعا أنقى من تلك الدموع.

 

كاتب تونسي، تونس
hassounamosbahi@gmail.com

هوامش:
-1:شارع بحي شوابينخ بميونيخ حيث كان يقيم الكاتب
-2: كاتب تونسي معروف بنزعته التمرديّة
-3: شارع كبير بقلب العاصمة التونسية