“قسم المجاهيل” قصة قصيرة للكاتب العراقي مهند يعقوب

مهند يعقوب

بعد أشهر من انتهاء صلتي بالدراسات الدينية، اقترح عليّ بعض الأصدقاء الذهاب إلى مؤسسة الأبطحي لتحقيق التراث، فهم بحاجة إلى موظفين في الغالب. استحسنت الفكرة ، وفعلاً ذهبت في اليوم التالي إلى هناك.
رحّب بي سكرتير السيد الأبطحي عند باب المكتب، وهو رجل خمسيني، عرفت فيما بعد أنه من العراقيين المسفرين القدامى إلى ايران.
تفضل قال لي.
في الحقيقة جئت من أجل البحث عن فرصة عمل لديكم في المؤسسة. قلت
رد على الفور، من حسن حظك أن السيد موجود الآن وسيأتي بعد قليل إلى هنا، وسيقرر أمر تعيينك من عدمه!
حسناً، أجبته شكراً لك.
كانت غرفة المكتب صغيرة فيها بعض الكراسي التي يبدو أنها من الخشب الخاص، مع أرضية بسجادة صغيرة لا أدري إن كانت من النوع الخاص أيضاً!
أثناء جلوسنا في تلك الغرفة قال لي السكرتير بإبتسامة مازحة: إن القلادة التي تضعها في عنقك غريبة، هل العلامة في السلسلة هرم مقلوب؟!!
رحت أنظر إلى هذا الرجل الخمسيني باستغراب، لكنّي لم أستطع الرد على هذه الكلمات السريعة والمباشرة، فقد دخل السيد صاحب المؤسسة للتو.
السلام عليكم، قال بلكنة فارسية
نهضنا أنا والسكرتير لرد التحية، قال السكرتير موجهاً كلامه إلى السيد: إن هذا الشاب يبحث عن فرصة عمل لدينا في المؤسسة.
نظر إليّ السيد بشكل سريع، وفي يده مسبحة طويلة. أخذت المسبحة بالدوران حول يده الكبيرة كأنها أفعى فاقدة للحواس، ثم أمسك طرفها الآخر وبدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة. سكت للحظات!! بعدها قال للسكرتير: اجعله يعمل في قسم المجاهيل، ثم خرج!
رافقني السكرتير إلى الباب الرئيسي للمؤسسة، قال لي وما زالت ابتسامته المازحة على وجهه العراقي القديم: يمكنك أن تبدأ العمل غداً وفي أي وقت تشاء؛ لأننا نستخدم نظام الساعات وليس الوقت المحدد.
شكرته على اهتمامه وحسن الاستقبال وانصرفت.

كانت المدينة أقل كآبة في النهار، لكنّها في الليل ستكون شيئا آخر مع نهاية شهر محرم. أضواء الشوارع الرئيسية مغطاة بأكياس داكنة، وأصوات البكاء والموسيقى الجنائزية تأتيك من كلّ صوب، والدخان يتصاعد من الشمعدانات العملاقة المصنوعة من الحديد، وعليها رموز غريبة، يتناوب على حملها رجال أقوياء يتجوّلون بين النّاس بزهو، حيث لا مهرب من هذه التراجيديا السنوية السوداء إلا بالذهاب باكراً الى البيت، أو التجوّل مع إحدى الأرملات في ” الشوارع الخلفية ” البعيدة عن هذا المسرح المفتوح.

في صباح اليوم التالي ذهبت الى المؤسسة وأنا لا أعرف تماماً طبيعة العمل الذي أنيط بي!
ماذا يعني السيد بقسم المجاهيل؟ ثم أنهم لم يتحقّقوا إن كنت أصلح للعمل في هذه المؤسسة أم لا؟ ولم أوضع تحت أي اختبار!
ظلت هذه الأسئلة تدور في رأسي أثناء الطريق، لا يهم! قلت مع نفسي، ما دام الوقت سيمضي بشيء مفيد وجديد عليّ، أنا طالب العلوم الدينية المفصول بسبب الغيابات وسماع الموسيقى!
وقفت في باحة المؤسسة لوقت قصير بعدها لمحني السكرتير. قال لي بصوت هادئ: من هنا أرجوك تفضل إلى القاعة.
دخلنا أنا وهو إلى قاعة كبيرة فيها طاولات متفرقة، وأخرى مصفوفة مع بعضها البعض وعلى جانبيها يجلس الموظفون، وخلفهم تقبع كتب ومخطوطات تراثية تصل إلى السقف بارتفاع أربعة أمتار أو أكثر.
قدّمني السكرتير إلى شخص اسمه رسول، قال إنه مسؤول قسم التخريجات، وهو الذي سيدرّبني على عملي المتفق عليه، وسيعرّفني على بقية الأقسام كذلك. تمنى السكرتير لي النجاح في عملي الجديد، ثم تركنا وانصرف.
كان رسول شاب عراقي طويل وملامحه هادئة يعمل في هذه المؤسسة منذ سنوات. قال لي بصوت منخفض: لا تأخذ الأمور على محمل الجد دائماً، هذه مؤسسة شكلية لتحقيق الكتب التراثية، ونحن موجودن فيها من أجل الهراء فقط.
ضحكت من وصفه غير المتكلف هذا، وشعرت بخفة ظله من كلمة هراء، وعرفت فيما بعد أنه لا يعني الكتب التراثية ذاتها، بل آلية العمل والسياسة التي يتبعها صاحب المؤسسة لسير ذلك العمل.
تعرفت على بقية الموظفين والعاملين في المؤسسة، رحّب بي الجميع. قال رسول باهتمام: عملنا هو البحث عن بعض الأراء المجهولة المصدر، ولدينا مكتبة كبيرة كما ترى، سنبحث في هذه الكتب عن تلك المجاهيل ونقوم بعدها بوضع هامش برقم الصفحة وعنوان الكتاب الذي عثرنا فيه على ذلك المجهول واسم المؤلف أيضاً، كلّ هذا بورقة مستقلة.
طيب، وما هي المجاهيل التي لدينا الآن؟ قلت
رد رسول، لدينا ثلاثة مجاهيل في الحقيقة ليست سهلة، ونحن نبحث عنها طوال السنة. الأول يخص المعنى، والثاني يخص اللغة، والثالث في التفسير. لكنّك تستطيع أن تبدأ مع المجهول الذي يخص المعنى لعبد القادر الجرجاني، حيث يقول: ( إن المعنى في قوله تعالى ” غير المغضوب عليهم ولا الضالين ” يدل على الدعاء، أي بمعنى: اللهم لا تجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين، ولا يفيد معنى التخصيص والحصر باليهود والنصارى ) وأضاف، لدينا مصدر واحد يمكنك الاعتماد عليه.
شكرت رسول على هذا الشرح المفصل، بعدها جلسنا أنا وهو على الطاولة المخصصة لنا في القاعة.
قال رسول وكأنه يريد أن ينتهي من حديثه السابق عن العمل بسرعة: أغلب الموظفين هنا عراقيون، وهناك شاعر حداثة غائب يعمل معنا أيضاً، لديه مخطوط شعري لا أحد يفهم منه شيئاً.
ضحكت وقلت له، يفترض أنكم تعملون في مؤسسة لتحقيق التراث، وهذا يجعلكم دقيقين في فهم أي نص. قال رسول: نعم! صحيح، لكنّي لا أميل إلى هذا اللون من الكتابة الشعرية .
مع التجوال داخل القاعة بين المصادر والموظفين صرت آلف المكان أكثر، وبدت الحركات التي يقوم بها الموظفون تثير فيّ الضحك. ففي اللحظات التي يغيب فيها السيد صاحب المؤسسة، يستلقون تحت الطاولات للنوم، وفي حال سمعوا عبارة ” إجه السيد ” ينهضون على الفور كلّ شخص في مكانه المعتاد! وكان الشخص المسؤول عن هذه العبارة هو أبو حسن الورّاق، رجل في العقد الخامس من عمره نحيف وله صوت رخيم.

كانت المدينة قد بدأت تتعافى من الفوضى التي خلّفها ذلك ” الشهر الحرام ” وأخذ النّاس يعودون إلى أعمالهم الرتيبة بالتدريج، حتى المجانين الذين كانون يجوبون الشوارع صاروا أقل جنوناً من ذي قبل!
تبدو الأمور كلها على ما يرام، ها قد مضى أسبوع حتى الآن على عملي في هذه المؤسسة. حيث يبدأ العمل الساعة التاسعة صباحاً وينتهي عند الخامسة عصراً يتخلل ذلك فترة استراحة للغذاء وهناك أوقات متفرقة للتدخين خارج القاعة. أما الطقوس الدينية التي يتشارك فيها السيد الأبطحي مع الموظفين بعد نهاية العمل، لم تكن تعنيني في شيء؛ لأنني ببساطة شخص غير مهتم!
في اليوم الأول من الأسبوع الثاني، قال لي أبو حسن الورّاق ونحن ندخن في الساحة، إن السيد الأبطحي يعرف بموضوع القيلولة، وفي الحقيقة لا تهمه التحقيقات في الكتب كثيراً، فهو يعوّل على البركة من هذا العمل ولو بشكل صوري!
ماذا تقصد يعول على البركة؟ قلت
رد أبو حسن، هدف هذا الرجل غير مفهوم نوعا ما، فهو يكتفي فقط بالجلوس عند نهاية الدوام في باحة المؤسسة كما رأيت ويبدأ بالتسبيح والصلاة على النبي لآلاف المرات، ويدعو جميع الموظفين للفعل ذاته بشكل طوعي، حيث يعطي لكل شخص 200 تومان إذا صلى على النبي 1000 مرة، وكلما زادت الصلوات ازداد عدد النقود! هذا غير الأجر الأساسي الذي تمنحه لك المؤسسة حسب الساعات. وأضاف: السيد ليس انساناً عادياً كما ترى، وقوة شخصيته تكمن في المسبحة، والصلوات، وذلك الوشم على ذراعه الأيسر!
أي وشم؟ قلت بفضول!!
أجاب أبو حسن: إن الأبطحي رغم تدينه الظاهر لكنّه شخص غامض أيضاً، وهذه المؤسسة ربما تكون قناعاً لهذا الغموض، اسمع هذه الحكاية. مرة دخل أحد الموظفين واسمه أحمد إلى الحمامات، فوجد السيد الأبطحي وهو يتوضأ، وأخبرنا أنه رأى على ذراعه الأيسر وشماً بارزاً على شكل هرم مفتوح، وعندما أحسَّ به السيد شعر بشيء من الضيق وخرج مسرعاً. لكنّ الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد، ففي المساء وعند الوقت المخصص للصلوات جلسنا جميعاً لإقامة هذا الطقس اليومي، بدأ السيد الأبطحي بترديد بعض الكلمات ونظراته تحوم حول الجميع، أخذ المسبحة الطويلة بين أصابعه وصار يتمتم بكلمات غير مفهومة، بعدها قال للسكرتير، أجعل أحمد ينتقل إلى قسم المجاهيل. ومن يومها، لم نعد نسمع شيئاً عن أحمد!

 

كاتب عراقي، بلجيكا
mohanadyacob@hotmail.com