قصتان للكاتب الروسي أنطون تشيخوف ترجمة عن الروسية إيرينا كراسنيوك بيش

مقدمة المترجمة

إنّ هذا المشروع الأدبي واللغوي عبارة عن ترجمة ثلاث قصص قصيرة(*) إلى اللغة العربية لأحد أبرز وأبدع كتّاب وأدباء روسيا القيصرية أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904). لقد اخترت القصص الثلاث التى تعجبني كثيراً عندما أقرؤها بلغتها الأم، وهي القصص التالية:
“الحصان كنيته أو ما يشابهها”
“امتحان في سبيل الترفيع”
“الحجرة رقم 6”

أنطون تشيخوف Anton Chekhov

تُرجِمَت الأعمال الأدبية لأنطون تشيخوف إلى عدّة لغات، كما أصبح بعض رواياته وقصصه القصيرة موضوعا رئيسيا لتمثيليات مسرحية عُرضت على خشبات المسارح العالمية. لقد تعرّف القارئ العربي على تراث تشيخوف الأدبي عبر ترجمات عديدة. أتمنّى أن تسهم ترجمتي هذه إلى العربية في فهم واستيعاب فلسفة الأديب الروسي وطابع المجتمع الذي كان يعيش فيه.
ترجمة هذه المؤلّفات هي التجربة الأولى بالنسبة لي كمترجمة من اللغة الروسية إلى العربية، أتمنّى أن تكون مفيدة لقرّاء العربية المهتمّين بالأدب الروسي الكلاسيكي الشهير. وأتقدم بالشكر إلى من علَّمني العربية، فشُغِفْتُ بها حتّى عشقتُها. إلى أبي مكسيم جزيلُ شكري، وخالصُ عرفاني وامتناني.

المترجمة إيرينا كراسنيوك – بيش
كييف، 2015

 

الحصان كنيته أو ما يشابهها

عندما تمكّن الألم من أسنان العميد المتقاعد والإقطاعي الكبير بولدييف، لم يترك وسيلة علاج شعبية إلا واستخدمها. فقد غرغر فمه بالفودكا والكونياك، وحشا السنّ المنخورة بقطع التبغ والأفيون، وبخّها بالكحول. ومسح خدّه بصبغة اليود، كما كانت أذناه محشوتين بالقطن المبلّل بالسبيرتو، ولكن هذا كله لم يُفده في شيء، ولم يخفّف من آلامه، بل على العكس فقد أثار فيه شعورا بالغثيان والإقياء. حضر إليه طبيب الأسنان وفحص سنّه ووصف له الكينا دواء مسكّنا، لكن هذا أيضا لم يساعده إطلاقا. وعلى اقتراح الطبيب بقلع السنّ المريضة رفض العميد رفضاً قاطعا. أفراد الأسرة جميعهم: زوجته وأولاده وطاقم الخدم وحتى الطباخ بيتكا، كلّ نصحه بالعلاج على طريقته. في حين جاءه مدير أعماله إيفان يفسييتش ونصحه بالعلاج عن طريق التعاويذ والرقى. وقال له:
يا صاحب المعالي، منذ عشر سنوات كان يعمل لدينا موظّف ضرائب اسمه يعقوب فاسيليتش، فكان يرقي الأسنان المريضة، ما شاء الله عليه! لقد كان يلتفت إلى النافذة ويهمس ويبصق، فيزول ألم المريض فورًا، لقد كانت له كرامة من الله. فسأل السيد:
وأين هو الآن؟
بعد إقالته من منصبه انتقل للعيش في بيت حماته في ساراتوف، وحتى يومنا هذا مازال يرتزق من علاج الأسنان. فإن توجعت سنّ فلان راجع يعقوب فاسيليتش، وتمّ شفاؤه على يديه. وهو يستقبل المرضى في بيته من سكان ساراتوف، أما إذا أراد أحدٌ المجيءَ إليه من مدن أخرى فإنه يرسل إليه مسبقاً برقية يبلغه فيها عن عزمه القدوم إليه. أتمنّى على معاليكم أن ترسلوا إليه برسالة عاجلة تشرحون فيها حالتكم الصحية، وتقولون له إنّ الفقير لله آليكسي يقاسي آلاماً مبرحة، فأرجوك أن تساعدني وتخلصني من هذه المصيبة. فإن وافق على الحضور إليكم، تحولون له الأجرة بالبريد المضمون.
أجاب آليكسي بولدييف: هذا هراء ونصب واحتيال!
قال إيفان يفسييتش: حاولوا يا سيدي، فأنتم لا تخسرون شيئا. بالمناسبة أن يعقوب يتعاطى ويدمن على شرب الفودكا، ويعيش بدون زوجة بل يعاشر عشيقة ألمانية، وهو بذيء اللسان، ولكن بالرغم من ذلك فهو إنسان طيب القلب صافي السريرة.
تدخلت زوجة العميد وقالت: يا الله! يا آليوشا. كيف لا تؤمن بالتعاويذ؟ ولقد جربتها أنا شخصيا. فلماذا لا ترسل في طلبه؟ على الأقلّ إنه لن يضرّك في شيء.
ردَّ بولدييف بالموافقة قائلا: لا بأس. في هذه الحال سوف أرسل رسالة عاجلة ليس إلى موظّف الضرائب وحده، بل وحتى إلى الشيطان أيضا. أُفّ! لم أعد أطيق هذه الآلام، … أين يقيم هذا الموظّف الآن؟ إلى من سأكتب الرسالة؟
جلس العميد إلى المائدة وأمسك قلما بيده. فأجاب مدير الأعمال:
إنّ الجميع يعرفونه في ساراتوف. فتفضّلوا بالكتابة إلى هناك،…. إلى السيد يعقوب فاسيلييتش،…. يعقوب….. فاسيلييتش .. واسم عائلته….. لقد نسيت كنيته. لا حول ولا قوة إلا بالله! ما اسم عائلته؟…. عندما كنت في الطريق إليكم كنت ما أزال أتذكّر كنيته…. أنا آسف جدا.
قال بولدييف: ما هو اسم عائلته؟ يا الله، تذكّر بسرعة!
أجاب إيفان يفسييتش: لحظة من فضلك يا سيدي، إن اسمه بسيط جدا فهو يعقوب، أما نِسْبَه فإنها تشبه اسم الحصان أو الخيل….. أو الفرس. أمهلوني قليلا كي أتذكّر.
قال بولدييف: لعلّ كنيته المهر؟
قال إيفان: لا. أبدا، ليس ابن المهر….. إنّني أتذكر أنّ كنيته تشبه اسم الحصان، ولكن ما هي بالضبط فلا أستطيع أن أتذكّر……
من الممكن ابن المهير؟ – قال بولدييف.
لا، لا…… انتظروا قليلا…. ابن الخيل…. ابن الخيول….. ابن المهور…… لا، ليس هكذا!
فكيف سأكتب إليه إذن؟! فكّر جيدا يا إيفان! – قال بولدييف
ثانية واحدة! لعلّه ابن الأحصنة…. أو الأفراس الأصيلة….
هل من الممكن أن تكون كنيته ابن الأصول؟ – سألت زوجة العميد.
لا، لا،…… ابن اللجام،…..لا، إطلاقا. لقد نسيت نهائيا! قال إيفان:
لمَ نصحتَني به إذا كنت قد نسيت اسمه؟! – قال العميد مزمجرا. – انقلع من وجهي!
خرج إيفان يفسييتش من الحجرة ببطء. أما العميد فقد أسند خده على كفه وأخذ يذرع حجرات البيت جيئة وذهابا.
يا ربّ! لقد اسودّت الدنيا في عيني من شدّة الألم! – أخذ يصيح بولدييف.
خرج مدير الأعمال إيفان إلى الجنينة وألقى نظرة إلى السماء وحاول أن يتذكر اسم موظف الضرائب: ابن الخيول….. ابن الفحل…… ابن الفرس ……. لا، لا، أبدا ليس هكذا.
وبعد فترة وجيزة دُعِيَ إيفان إلى أسياده.
هل تذكّرت كنيته؟ – سأله العميد.
للأسف لا، يا سيدي.
من الممكن كنيته ابن الشاة؟
أخذ كل أهل البيت يخترعون كنيات شتّى؛ راجعوا كلّ فصائل وأجناس وأنواع الخيول، وتذكروا العفرة والحوافر واللجام والسرج والغرة وكلّ أكسسوارات الحصان. كان يذهبون ويعودون ما بين البيت والجنينة والقبو والمطبخ، وهم يحكّون جباههم باحثين عن اسم العائلة للطبيب المشعوذ.
أرسل بولدييف في طلب مدير أعماله مرة أخرى.
ابن القطيع؟ – كانوا يسألونه – ابن الحافر؟ ابن الفحل؟
لا، لا – كان يجيبهم إيفان يفسييتش ناظرًا إلى أعلى ولا يزال يراجع الأسماء بصوت جهوري:
ابن الحصان….. ابن…..
يا بابا! – صاح الأطفال من الغرفة – ابن الترويكا! ابن اللجام!
هاجت الدار وماجت، فوعد العميد المنهك بمنح خمسة روبلات لمن يتذكر الاسم الصحيح لعائلة موظّف الضرائب. ثمّ أخذ الجميع يمشون وراء إيفان يفسييتش، مدير أعمال العميد المتقاعد.
لعلّه ابن الأصيل؟! – سألوه – أو لعلّه ابن الفحل؟
لقد حل المساء، ومازال اسم العائلة لصاحبنا هذا مجهولا. أخيرا غرق كلّ أفراد العائلة في نوم عميق، لكن الرسالة لم ترسل. أما العميد فما غمض له جفن طوال الليل وهو يمشي من زاوية إلى أخرى ويئن و يتوجّع. وفي الساعة الثالثة صباحا خرج من البيت ودقّ نافذة مدير أعماله إيفان وقال:
من الممكن ابن المخصي؟ – سأله وهو يتأوه ألما.
لا يا سيدي ليس ابن المخصي – أجابه إيفان يفسييتش وزفر زفرة الإحساس بالذنب.
ومن الممكن أن اسم عائلته ليس ابن الحصان بل شيء آخر؟…
نعم، إن كنيته بالتأكيد تشبه ابن الحصان. هذا ما أتذكّره جيدا.
يا أخا النسيان أو أنت النسيان بذاته ….. إنّ اسم العائلة هذا أغلى عليّ الآن ممّا في العالم كله. وقد تعبت حتى الهلاك.
في الصباح الباكر أرسل العميد في طلب طبيب الأسنان، وقال له: هيّا لنقلعها. لم أعد أستطيع تحمّل كلّ هذا الألم.
جاء الطبيب وقلع السنّ المريضة، فخفّ الألم مباشرة وارتاح العميد. لما خلص الطبيب من القلع وأخذ أجرته، ركب عربته ورجع إلى بيته فالتقى بإيفان يفسييتش خارج بوابة الفيلّا. حيث كان واقفا على رصيف الطريق وهو ينظر إلى رجليه نظرة مركّزة وثاقبة، يفكر في شيء ما. وبحسب التجاعيد على وجهه، والانطباع المرسوم في عينيه، فقد كانت أفكاره متوتّرة ومشوّشة للغاية. وأخذ يتمتم:
ابن الأصيل….. ابن حامل السرج… ابن الخيل….. ابن الحصان….
يا إيفان يفسييتش – توجه إليه الطبيب – أريد أن أشتري من عندك خمسة أرطال من الشوفان. التجّار عندنا يبيعونني الشوفان فاسدا ومدوّدا.
ألقى إيفان يفسييتش نظرة حانقة إليه، وابتسم ابتسامة صفراء، ولم ينبس ببنت شفة، صفق بيديه وجرى نحو البيت بسرعة هائلة كأنه يهرب من كلب مسعور.
آه! لقد تذكّرت يا سيدي! – صاح مسرورا وهو يسرع إلى مكتب العميد – لقد تذكّرت، يا سيدي! إنه بن الشوفان يا صاحب السعادة! أرجو أن ترسلوا رسالة عاجلة إلى ابن الشوفان فيحضر بأقصى سرعة.
قال العميد شاتما ومحقرا:
لم نعد بحاجة إلى اسم حصانك بعد الآن، يا أتفه التافهين، لقد عدت إليّ بعدما سبق السيفُ العذلَ، فقبّحك الله، وثكلتك أمك أيها النذل الحقير!

امتحان في سبيل الترفيع

يعمل ييفيم زاخاريتش فيندريكوف موظّفا في مركز البريد، شارف على الستين، فخيّرته الإدارة ما بين التقاعد أو اجتياز بعض الامتحانات التى تؤهّله في حال اجتيازها بنجاح للترفيع إلى درجة أعلى. شاءت الأقدار أن يكون الأستاذ الفاحص هو مدرس الجغرافيا في البلدة وكنيته غالكين، وكان على عداوة وبغضاء شديدتين مع فيندريكوف، والسبب كان تافها للغاية. فذات مرة دخل المدرس غالكين إلى مكتب البريد لإرسال رسالة مسجّلة، فحاول تجاوز الناس في الطابور واقترب من فيندريكوف ليسلمه رسالة أراد إرسالها، لكن الأخير طلب إليه بكلّ أدب واحترام أن يقف في الطابور كبقية الموجودين وينتظر دوره حسب الأصول. وهذا ما أثار حفيظة غالكين، واعتبر ذلك إهانة كبيرة له، فأخذ يذيع وينشر الإشاعات المغرضة والكاذبة حول فيندريكوف، كما قرر أن ينتقم منه، ويسيء إليه، فيضع درجات ضعيفة لابنه يغوروشكا- الطالب في المدرسة التى يدرّس فيها غالكين. يقول فيندريكوف:
كنت مرة أتجوّل قرب خمّارة في حيّنا، فاذا بالأستاذ غالكين يطلّ برأسه من نافذتها، ويلوح بعصا البلياردو مخمورا ثملا ويصيح بأعلى صوته، بحيث يسمع صراخه كل من كان في الميدان قرب الخمّارة قائلا: «أيها السادة! من القادم إلينا! إنه الطابع البريدي الصدئ والمجعلك». قال ذلك وهو يعنيني وهذه إحدى الحماقات الاستفزازية التى وجهها إليّ المدرس غالكين.
عندما حان الوقت لتقديم الامتحانات ذهبت إلى المدرسة – مركز الامتحانات – فقابلت السيد غالكين برفقة زميله مدرّس اللغة الروسية بيفوميدوف، وكان الأخير يدخّن سيجارة ويقف في الممرّ المؤدي إلى الإدارة، فبادرني مُطَمْئِنا:
لا تقلق يا سيدي. فلم يقدّر لأحد من الممتحنين سابقا أن يرسب في أي من الامتحانات. أما ما يقوله الأستاذ غالكين من تهديدات وتوعّدات بحقك، فهي مجرّد كلمات. فقلبه طيب وحسن النية!
لم يطل اطمئناني فقد مرّ أمامي غالكين بلحيته الخفيفة، يرتدي بنطلونا قطنيا نصف شفّاف وسترة جديدة زرقاء. فحدجني بنظرة ثاقبة قاسية ثمّ مضى. ثمّ علمت بوصول كبير المفتّشين، فارتعدت خوفا، وأخذت أنتظر بقلق شديد كأني في السجن أو المعتقل، أتابعه بنظراتي حيث لحق به مدرّس القانون إزميجالوف في عجلة شديدة. كان يرتدي ثيابا رسمية موشاة بصليب. اتجه الجميع إلى قاعة الامتحان. بعد دقائق خمس بدأنا نكتب الأجوبة.
لقد امتُحِنَ شخصان للحصول على مرتبة مدرّس ريفيّ، فأحدهما نجح والآخر رسب. وبعد ذلك اُمْتُحِن موظّفان آخران من مرتبة ثالثة، بعدها جاء دوري في الإجابة:
أين تعمل؟- سألني المفتش.
أنا أعمل موظّفا في مركز البريد يا سيدي المحترم، لقد عملت إحدى وعشرين سنة والآن ظهرت الحاجة لترفيعي إلى المرتبة الأولى فكان لزاما عليّ أن أقدّم هذا الامتحان اليوم.
لا بأس. سوف تكتب إملاءً أقرؤه عليك.
قام بيفوميدوف من مكانه، تنحنح وبدأ الإملاء بصوت جهوري رفيع محاولا أن يضلّل الطالب الممتحن ويوقعه عمداً في أخطاء لكلمات تُكتب بطريقة مختلفة عن نطقها. برغم كلّ محاولات بيفوميدوف، فقد نجحت في امتحاني الأول وهو الإملاء وبتقدير جيّد.
في النهاية توجهتُ إلى العدو اللدود غالكين وقلت له:
أودّ أن أخبرك بأنني تعلمت الهندسة في كتاب من تأليف دافيدوف، وأحيانا كنت أدرسها مع ابن أخي فارسونوفيا الذي عاد من ندوة علمية، فكنّا ندرس الخطّ والهندسة الفراغية على أصولها. عقّب المفتش بقوله:
إن الهندسة الفراغية ليست مدرجة في البرنامج.
أليست في البرنامج؟ لقد عكفت على دراستها شهرا كاملا. وا أسفاه!
ثمّ أطلقت زفرة طويلة.
دع الهندسة الفراغية وشأنها. ننتقل الآن إلى المادّة التى من المفروض أن تعجبك جدا، لاسيّما وأنك موظّف في البريد. إنها الجغرافيا، علم سعاة البريد.
ابتسم كل الأساتذة باحترام. أما أنا فلم أكن مقتنعاً أنّ الجغرافيا علم سعاة البريد، وقلت بكل احترام: «بالطبع». بعد ذلك تنحنحت قلقا وأخذت أتوقّع الأسئلة التالية بحذر وخوف شديدين من عدوي غالكين الذي استند إلى ظهر كرسي دون أن ينظر إليّ وسألني بصوت متقطع:
قل لي، ما هو النظام السياسي في تركيا؟
من البديهي أنه تركي.
«تركي» ليس هذا المطلوب، والجواب الصحيح هو أن النظام في تركيا دستوري. الآن قل لي ما هي روافد الغانج؟
لقد درست كتاب الجغرافيا لـ«سميرنوف» ولكني لم أستوعبه كاملا….. لكنني أعلم علم اليقين أن نهر الغانج يجري في الهند، ويصبّ في البحر.
أنا أسألك عن الروافد لا عن المصبّ …. يبدو أنك لا تعرف الإجابة. أخبرني أين يقع نهر آرس؟ ….. أرى أنك لا تعرفه أيضا. أمرك عجيب يا هذا ……. أين تقع مدينة جيتومير؟
أظنّها تقع على الطريق السريع الثامن عشر، في الموقع الحادي والعشرين بعد المائة. شعرت أن العرق يتصبّب بارداً على وجهي، وأخذت أفرك عيني وأحرك لساني مع شعوري كأنني ابتلعته.
والله العظيم – أخذت أتمتم – لقد عملت إحدى وعشرين سنة بسلوك حسن وسيرة مرضية. أعوذ بالله من ساعة النحس.
دعنا من الجغرافيا. فماذا جهّزت في مادة الرياضيات؟
والله …..بالنسبة للرياضيات لم أتعلمها كفاية…… لقد بدأت بتحضيرها منذ عيد الشعانين ولكن النتيجة متواضعة بلا شكّ. ماذا تريدون مني يا سيدي؟ لقد أصبحت كبيرا على الدراسة. أرجو عطفكم يا مولاي، سوف أشكر الله دائماً مقرونا بشكري لكم. واغرورقت عيناي بالدموع، وتابعت:
لقد عملت بإخلاص ودون تقصير. أصوم كلّ عام…. وألتزم بجميع وصايا وأوامر ديننا الحنيف.
قال الأستاذ:
فما الذي درسته لتنجح في الامتحان؟
أجبته:
لقد درست كلّ شيء، لكني لم أعد أتذكر شيئا من كل ما قرأته، وعمري يقارب الستين، وأصبحت كبير السنّ على التعليم.
أراك لم تنس أن تأتي إلى هنا ببدلة الخرّيجين الفاخرة، أما فكرت في أن معلوماتك صفر؟ – قال المفتش إزميجالوف مكشرا عن أنيابه. ثمّ ختم قائلا:
لا بأس. اذهب الآن، وسنرى ماذا سنفعل بك.
بعد نصف ساعة توجهت مع الأساتذة إلى الحانوت لشُرب الشاي والاحتفال بالنتيجة. تهلل وجهي سرورًا، وأشرقت السعادة في عيني، وكنت أحكّ قفاي دون انقطاع، لقد نجحت في الامتحان بالرغم من غبائي الشديد، لكن فكرة ما مازالت تعذّبني وتؤلمني.
أنها الحقيقة المرّة، لقد كنت ومازلت في منتهى الغباء والبلادة – هذا ما قلته لنفسي.
وفجأة سألني الأستاذ بيفوميدوف عندما لاحظ ارتباكي وسمع تمتمتي:
ما بك؟
فقلت:
كم أنا غبي، لقد درست الهندسة الفراغية وهي ليست مدرجة في البرنامج؟ والله العظيم لقد درستها طوال الشهر. فعاقتني عن دراسة المطلوب. 

أنطون تشيخوف، 1892

ترجمة: إيرينا كراسنيوك – بيش
Iryna Krasniuk-Pesch

مراجعة: مكسيم صبح Maxim Subkh

 

(*) أما القصة الثالثة المعنونة “الحجرة رقم 6” فقد تم نشرها في العدد رقم 12 من مجلة كيكا للأدب العالمي (النسخة الورقية). وهي قصة طويلة جدا، تقريبا 14,380 كلمة.