الشّاعر والمترجم المغربي جَمال خَيرِي يتحدث عن: متعة الترجَمة وعَذاباتُها

جمال خيري

هَذَا فصلٌ منْ حوَارٍ مُطوَّل مَع الشَّاعر والمُتَرجِم المَغرِبيّ – الفَرنسِي جَمَال خَيرِي، سَعيْنَا فِيه مَعاً إلَى الاِقتِرَاب مِنْ مَوضُوع التَّرجمَة وأسْئلتِهَا ومُقتضيَاتِها، ومِنَ التَّجرِبَة العَمَليّة التِي رَاكَمهَا (فِي هذَا المَجَالِ) عَلى مَدَى سَنواتٍ. يَخلُصُ الشاعرُ والمُترجم جَمال خيري، في الحِوارِ إلَى أنَّ الترجَمة إعادَة كتابَة تمنحُ النصَّ أفقاً جديداً. كمَا يَتفاعل معَ أسْئِلة عن تحوُّلاتِ النَّص وَهوَ يعبُر منْ لغةٍ إلى أخرَى. ترجم إلى العربية ديواني شعر لعبد اللطيف اللعبي هما “الفصل المفقود” و”حب جكراندا”، نشرهما بيت الشعر بالمغرب سنة 2015، ضمن كتاب “بستاني الروح” الذي ضم عملين آخرين للشاعر نفسه.

حاوره: زهير فخري

يبدو أنك صرت في السنوات الأخيرة مأخوذا، أكثر من أي وقت مضى، بترجمة الأدب الفرنسي. أحب أن أسألك: على أي أساس تنتقي نصوصك، ثم ما هي درجة الوعي لديك بحاجة القارئ العربي إلى ما تقدمه له من ترجمات؟\

النصوص التي أنتقيها، الشعرية منها على الخصوص، وأشتغل على ترجمتها، أو بالأحرى التجارب الشعرية التي أتقدم بها إلى القارئ العربي، تربطني بها علاقة عشق ومتعة. فالانتقاء، طبعا، يتم وسط ركام من التجارب/الدواوين، التي أتناولها بعد التنقيب عنها أو اكتشافها بلا توقع، بالدرس والاستفسار عبر القراءة، و بالعودة إلى قراءتها مرات أخرى مشدودا بما تركته في من أثر مثير وسؤال ملحاح أو قلق.

وأظن أنني عبر تجربتي البسيطة في قراءة وكتابة الشعر، العربي منه والفرنسي، تمكنت من اكتساب وتطوير بعض الأدوات النقدية الانتقائية، وبعض المراس الحدسي الناتج عما أتمكنه من متابعة للحركة الشعرية، يجعلاني قد أتوفق (وهذا ما أرجوه) في اختيار ما يمكنه أن يساهم في سد حاجة القارئ العربي، أو على الأقل فتح شهيته، إلى معرفة تجارب شعرية متميزة وممتازة قد تبقى عنه بعيدة المنال بحكم الحاجز اللغوي واعتبارات أخرى غير لغوية. وكل هذا لا يتم بيسر في غياب ظروف مثالية للنشر.

ولا ننسى أنني قارئ عربي قبل أن أكون شاعرا أو مترجما. وموقعي ها هنا بفرنسا، وفي باريس بخاصة، يجعلني كما داخل مكتبة أنقب بين الكتب، فيما يبدو لي القارئ العربي خلف الزجاج يتفرج على ما يزين الواجهة.

  أتيت على ذكر عوائق النشر، وهذا الموضوع له شجونه، كما تعلم؛ دعنا نؤجل الحديث في هذا الموضوع، واسمح لي بسؤال إضافي بشأن الترجمة أصوغه كما يلي: هل تكفي المعرفة الجيدة باللغة لتحقيق ترجمة جيدة لنص ما؟ أم هل هناك متطلبات أخرى يقتضيها فعل الترجمة؟

إتقان اللغة (لغتين على الأقل) شرط محتَّم للقيام بترجمة نص ما. ومن نافلة القول أن الكتابة لا تتم إلا باللغة، وأن الترجمة في تعريف بسيط هي تحويل من لغة إلى لغة. نسمي الأولى اللغة الأصل، أي لغة النص الأصلي المطلوب ترجمته. والثانية، نسميها اللغة الهدف، بمعنى أنها لغة النص الذي نرمي إليه. ولهذا ننعته بالنص الهدف. ولكن المعرفة الجيدة باللغة، أو بالأحرى باللغتين لا تفيد في تحقيق ترجمة جيدة لنص ما. فالنص، وحديثي ها هنا عن النص الأدبي، ليس اللغة فقط؛ اللغة بموستوياتها التركيبي والصرفي والقاموسي (ولا نغفل كذلك المستوى الصوتي الذي لا يهتم به المترجمون إلا ناذرا)، بل النص الأدبي يتجاوز ذلك إلى نطاق الدلالي/التداولي، الاجتماعي/الجغرافي، التاريخي/الحضاري، الفني/الجمالي. أي أن النص بنية ثقافية ولتحقيق ترجمته يلزم على المترجم أن يكون ملما بثقافة اللغتين. فالترجمة ليست تحويل نص ما من لغة إلى لغة، بل من ثقافة إلى ثقافة. إنها إعادة كتابة تمنح للنص أفقا جديدا عبر وفي ثقافة أخرى. إنها إبداع ولا تكون جيِّدة إلا حين يبدو النص الهدف مبتكرا لدى المتلقي.

صحيح، فالنص الهدف كما سميته، وللاعتبارات التي ذكرتها، يصير نصا بروح جديدة كما لو أنه كائن بذاته وليس مسنودا إلى نص آخر. لكن هناك من قد يستفسر عن مصير روح النص الأصلي. ما الذي تقوله بهذا الصدد؟

رغم أن هذا الاستفسار يكتسب مصداقيته من واقع الترجمة، فأنا لا أظن أنها تمنح لنص ما روحا جديدة. إنما هي تنفخ في روحه حيوية طريفة وتمنح لمادته نشاطا وتجدد دينامية أسلوبه. فروح النص هي الذات الكاتبة أسلوبها وتجربتها وعوالمها التي تُنبضُها لغته في ثقافة معينة. وهذا ما يلزم على المترجم ألا يغيبه عن ذهنه، فهو لا يترجم متواليات وتراكيب لغوية خارج ما تحتويه من سياقات تداولية وإحالات معرفية، اجتماعية وسياسية وتاريخية وما ترج به من إيحاءات وخلفيات بل يترجم كل هذه الحمولة، أي التجربة اللغوية الثقافية للنص وللذات الكاتبة. فهو إذن ملزم بمعرفة ما يقع خارج اللغتين من سياقات تداولية وإحالات معرفية وغيرها، وملزم كذلك باعتبار خصوصيات وخلفيات وتقنيات الذات الكاتبة وكلتا اللغتين.

فلنمثل للمسألة ببساطة: النص الأصل في لغته بين دفتي كتاب، يظل نصا مجمَّدا بالنسبة للقارئ الذي يجهل هذه اللغة. ودور المترجم هو أن يقدم لهذا القارئ في لغته تقريبا النص نفسه متحركا متدفقا. وأود ألا يُفهم من كلامي هذا أنني أقصد أن الترجمة نسخة طبق الأصل، ليس إلا.

إذن، وهذا غالب ظني، فلن يستفسر عن مصير روح النص الأصلي إلا الذي قدم له المترجم جسمانا هامدا لا بدنا متوهجا بالحياة. فالترجمة الجيدة هي التي تنسينا أن النص الهدف نسخة لا مشروعية لها إلا من خلال الأصل.

  عطفا على ما تفضلت به، أريد الإشارة إلى ارتباط مفردة “الخيانة” لدى الكثيرين بالترجمة، بل منهم من يراها “خيانة إجبارية” للنص طالما أن المترجم يكون أمام نظامين لغويين مختلفين مثلما ذهب إلى ذلك الكاتب الجزائري واسيني الأعرج؛ كيف تستقبل الكلام عن موضوع “الخيانة” التي يربطها أدونيس (خلافا لهؤلاء) ب”قاموس “الأمن” – النقيض المطلق للشعر” كما يقول؟

لفظة ترجمة تختلف معانيها من لغة إلى أخرى وتحيل على خلفيات شتى، حتى أنه يقال عنها إنها اللفظة التي لا تُترجم، أو التي لا تعد ترجماتها ولا تحصى. ولا ننسى أنها تحيل في اللغة العربية إلى السيرة وإلى التفسير إلى الإبانة والنقل… إلخ. ومقولة “الترجمة خيانة”، وهي لعبة لغوية، واردة في كل الثقافات، وما يزال البعض يبحث عن أصلها إن كان فعلا إيطاليا أم فرنسيا، لكن المتفق عليه أنها أتت من مقولة كَنَسِية لا علاقة لها بالترجمة فحواها “المرتد خائن” نعتا للمسيحيين الذين ارتدوا عن دينهم ودخلوا الوثنية خوفا من التعذيب في عهد الإمبراطور الروماني ديوكلتيانوس.

والذي يقوله السيدان واسيني الأعرج وأدونيس، يقوله غالب المترجمين في كل اللغات. وهو دفاع عن الترجمة عموما وعن ترجماتهم ونظرياتهم بخاصة، ثم هو دفاع عن النفس بحيث إن كلمة “خيانة” وفي كل اللغات كلمة انتقاصية قدحية جعلت كل المترجمين يسقطون في مأزق رد الفعل وإبعاد التهمة بغية الدفاع عن النفس وهذا أمر لا يفيد في معالجة الأسئلة الذي تطرحها الترجمة أو تُطرح عليها.

فلنعالج الأمر ببساطة : حين نترجم نصا من اللغة الفرنسية مثلا إلى اللغة العربية، فنحن نقلبه كتابيا. ننقله من كتابة تبدأ من اليسار الورقة إلى كتابة تنطلق من اليمين. وننقله خطيا من حروف لغة أشكالها لا تشبه أشكال اللغة الأخرى بتاتا، وبصوائت وصوامت مختلفة. فنحن منذ البداية نغير في النص. هذه الاختلافات دليل على أن النص في لغته الأصل يدخل سلسلة من التحولات ليصبح النص نفسه غيرا لنفسه في آن عبر اللغة الهدف.

فهل يعقل أن نتحدث ها هنا عن الخيانة؟ ثم إن الخيانة لا تكون إلا بنقيضها، فلا يمكن أن نتحدث عن الخيانة بغض النظر عن الوفاء. فهل مقولة “الترجمة خيانة” تعني أن “عدم الترجمة وفاء”؟ النص المترجم مهما بلغت به درجات “الوفاء” في العلياء يبقى نصا آخر، كتابة جديدة وإبداعا جديدا. ويكفي أن نتناول أوفى وأصدق وأخلص وأنزه نص مترجم، أن نتناوله بالترجمة المضادة، يعني أن نعيد ترجمته إلى لغته الأصل وسنرى أنه سيصبح نصا مغايرا عن أصل أصله، نصا جديدا آخر. فالنص، أي نص، ليس لصيقا بلغة ما، بل هو محمول بها وهي مشحونة به.

في نظري ليس هناك ترجمة وفية وترجمة خائنة، وقد أجبت يوما عن ما يشبه هذا (في حوار أجراه معي الأخ محمد جليد عن صحيفة أخبار اليوم حول ترجمتي للشاعر عبد اللطيف اللعبي) قائلا أنني لا أظن أن ثمة ترجمة وفية، لأن الوفاء يقتضي منها أن تكون طبق الأصل، وهذا ليس بالإمكان، وليس المطلوب من الترجمة، بتاتا. الترجمة إعادة كتابة قد تفلح وقد تخيب. ولهذا فإن كان لا مناص من الحديث عن الخيانة، خيانة النص، فهي تكمن في الجهل بلغتيه وخلفياتهما السوسيوثقافية، الأمر الذي يولد الرداءة والركاكة والتزييف وتضع بين يدينا نصوصا لا تنتمي إلى هذه اللغة أو تلك، لا أصل ولا هدف لها.

عدم إمكان حصول ترجمة طبق الأصل، كما قلت، هذا ما يعتبره آخرون “خيانة”، لأن النص الأصلي وقد تحول إلى لغة أخرى يظهر بأبعاد أخرى جديدة، وقد ينزاح ويقول ما لم يقله النص الأصل…

بالفعل، فحين نقول إن الترجمة تفتح أفقا جديدا لنص ما، فهذا بعض مما نعنيه. أي أنها تقدمه في أبعاد لغوية أخرى بخلفيات ثقافية جديدة. الوقوف عند حرفية النص والتعلق بتلابيبه يخنقه ويجمده وهو خائنه الأول.

فالترجمة عموما مستويات ثلاث: الأول، ترجمة ظاهرية تلتصق بسطح النص وتطفو على حرفيته طلبا في محاكاته، وتظن نفسها أمينة بهذه المحاذاة لما هو مباشر شكلا ومضمونا في النص. فهي مثلا (مثلا بسيطا) لا حصرا، قد تترجم جملة “Ils sont revenus sur leurs pas” ب : “رجعوا على خطواتهم”، فهل فعلا هذه الترجمة الظاهرية فلحت في توصيل الجملة الفرنسية بعربية سليمة إلى المتلقي العربي؟ هل نعتبرها ترجمة وفية لا لشيء إلا لأنها لزقت بحرفية النص؟ لا أظن. إنها كتابة بالعربية على نحو فرنسي.

المستوى الثاني في الترجمة، هو المستوى التوليدي، أي أنه نابع من قراءة متأنية متأملة للنص الأصل لغة دلالة وتداولا، ومتأمل كذلك في اللغة التي يترْجِم بها إليها على نفس الشاكلة أي لغة دلالة وتداولا. إنه مستوى الترجمة التي تريد نفسها عارفة، فهي تحاور النص وتتوقف على حيثياته وتتجاوز ظاهره إلى ما قد يخفيه كي تولِّدُه في اللغة الهدف باحثة فيها عما يضمن لها الجودة داخل اللغة والثقافة المترجَمِ بها وإليها. فمثلا هي قد تترجم نفس الجملة السابقة بـ “رجعوا على أعقابهم”، وهذا تعبير عربي يفي بالمهمة.

ثم هناك المستوى الثالث وهو نوع من الترجمة التأويلية التي تأخذ كامل الحرية في التصرف بالنص، وتمضي أبعد من المطلوب أحيانا، أي أنها تضيف إلى النص ولعلها تشطب منه وتلغي، وأحيانا أخرى قد تحمله ما لا يتحمل. وقد تترجم نفس الجملة مثلا بـ : عادوا خائبين”، وإنما هذه الترجمة، حسب ما يبدو لي، لضرب من المغالاة.

الترجمة تمر بمراحل معينة من الاشتغال تبدأ بقراءة النص الأصل مرارا لضبطه وسبر أغواره. وتنتهي بالعمل على النص الهدف بالتصحيح والتنقيح. وترجمة المحاذاة، أي الحرفية، ليست سوى بعض من مرحلة الاشتغال الأولى. إنها تشبه المسودة، إنها التصور المبدئي للنص، كتابة أولية، ما علمونا أن نسميه “وسخا” في المدرسة الابتدائية، ليس إلا.

  بعيدا عن الجانب النظري، اسمح لي بالوقوف عند إحدى تجاربك العملية الأخيرة، أقصد ترجمتك ل”الفصل المفقود، يليه حب-جكرندا” وهو أحد الدواوين الثلاثة الصادرة لعبد اللطيف اللعبي ضمن منشورات بيت الشعر المغربي لسنة 2015 في كتاب تحت عنوان “بستاني الروح”، ما تقييمك لما قمت به وأنت تترجم اللعبي؟ هل كنت أمام نصوص فرنسية شكلا ومحمولا ثقافيا أم أمام عمل أدبي فرنسي اللغة مغربي الروح؟

مَعْذِرَة لابد لي قبل أي رد من توضيح مسألة “الجانب النظري” فيما يخص الترجمة؛ فأنا لا أعتبر نظرية معينة بكلامي السابق، بل أعبِّر عن ممارستي للترجمة حسب تجربتي البسيطة في ميدانها، فعلا وقراءة. لقد زاولت الترجمة سابقا من حين لحين إما مضطرا حين كنت طالبا جامعيا وكانت جل المصادر والمراجع باللغة الفرنسية. أو طلبا في بعض المتعة حين كنت أقوم بتحويل بعض النصوص الشعرية لازدرادها باللغة العربية. لأنني كنت وها ما أزال أعتبر الترجمة لعبة ممتعة بحق. والممارسات الفتية التي قمت بها قبلا، أفادتني أولا في إعادة كتابة بعض قصائدي من كتاب “وكأني أحلتني حدود بلادي”، وإصدار ديواني “باتري-سيد” بالفرنسية. ثم، ومع الزمن والمراس أفادتني في تنميق طريقتي الخاصة في الترجمة، وهي عبارة عن مجموعة من الإجراءات تبدأ بقراءة النص الأصل مرارا وتسجيل ملاحظات عما يمكن تحميله وما لابد من تحويله، وتمر بمراحل أخرى منها البحث المعجمي والتحقيق التداولي وغيرهما إلى أن تنتهي بالاشتغال على لغة النص الهدف وجماليته. النظرية لا تصنع المترجم، إنما المراس المراس (والتشديد مني).

وبهذه الطريقة اشتغلت على ترجمة دواوين الشاعر عبد اللطيف اللعبي، ومن بينها الديوانان اللذان ذكرتهما، وقبلهما ديوان “منطقة الاضطرابات” عند صدوره (أي قبلهما). وشعر عبد اللطيف اللعبي يتطلب الحذر والتأني، لأن لغته، التي تبدو بسيطة سهلة المنال، تخفي تصوره العميق للعالم والإنسان والأشياء. إنها لغة إيحائية وليست تصريحية، وكأنها (وفعلا أحيانا) تعتمد أساليب الحكمة والطرفة، وتجعل ترجمته ضربا من السهل الممتنع.

في الدواوين التي تناولتها بالترجمة، انطلقت مبدئيا من اعتبار شعر اللعبي شعرا فرنسيا فهو مكتوب باللغة الفرنسية ولا يمكن في نظري أن نفرغ لغة ما من خلفياتها، فاللغة ليست شكلا فقط وكلماتها ليست جوفاء بل مشحونة بحمولات سوسيو-ثقافية. والكتابة بالفرنسية ليست موجهة إلى القارئ العربي (المغربي على وجه الخصوص) بل إلى قارئ يمتلك نفس اللغة أينما كان، وكيفما كان فرنسيا أوغير فرنسي. وقد ترجمت شعر اللعبي وعيا مني أنه لا يصل إلى القارئ المغربي والعربي عموما. نعم هناك أسماء بعض الأمكنة المغربية تتخلل دواوينه من حين لحين، وبعض الإحالات إلى ما هو ثقافي مغربي، ولكن هل هذا وحده يضمن للنص مغربيته؟ أم أن هوية الشاعر المغربية هي الكفيلة بذلك؟

ومن جهتي كقارئ لشعر عبد اللطيف اللعبي، أرى أنه (أي شعره) يتجاوز هوية الانتماء الوطني أو الثقافي أو اللغوي إلى ما هو أبعد وأعمق. إنه شعر إنساني بامتياز. شعر الإنسان أينما وكيفما كان لا يضيق نَفَسَه بالمحليات أو الفولكلوريات، بل يسع الأرض وما ومن عليها وفي أجوائها وأعماقها. وهذا، أظنه آت من سيرة الشاعر نفسه، عبد اللطيف اللعبي شاعر قضايا الإنسان (الحرية، الكرامة؛ المساواة…إلخ) والذي عانى السجن والمنفى دفاعا عنها.

على أي، موضوع هوية ما يطلق عليه “الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية” خلافيّ وقيل فيه كلام كثير ومتضارب، حتى أن هذا التوصيف الشائع المذكور يقابله توصيف مغاير هو: “الأدب الفرنسي الذي يكتبه مغاربة”. هل يمكن حسم المسألة بالقول إنه أدب كوني إنساني وكفى، مع القفز على اللغة والانتماء الجغرافي؟ لكن، ما الذي يجعل هذا الشاعر أو ذاك كونيا؟ هل هي القضايا الكبرى التي يُشغل بها مثل الموت والحب وكل ما يتعلق بالمشترك الإنساني؟ أم أعماله وقد تحولت إلى لغات أخرى بها تتوسع دائرة قرائه؟ أم هل هي القضايا الخاصة جدا والتي تثير القارئ لشدة خصوصيتها (وأنت تعرف، بالمناسبة، أعمالا أدبية كونية رغم أنها غارقة في محليتها؟)…

أنا لا أوظف كلمة “كوني” أبدا في الحديث عن الشعر والشعراء، وأتعامل معها بحذر كبير. فمن جهة فلأنها تفخيم لا فحوى له في الحديث عن الشعر والشعراء. ومن جهة أخرى لإنها مفهوم تنظيري غربي لصيق بالفكر الحداثي وله معناه الخاص في المشروع الثقافي الغربي الذي ما يزال مهيمنا وما يزال كذلك استعماريا منتقيا من الثقافات الأخرى ما يعبد مساره وخانقا لكل بصيص خصوصية ولكل مقاومة. وقد استعملت من قبل من طرف الدين تقريبا لنفس الغرض ثم كمقولة، تناولتها الفلسفة الغربية في معنى معين، ثم كمفهوم إجرائي تناولها البحث الأنتربولوجي والنقد الأدبي وغيرهما.

والكوني توظف أحيانا بمعنى العالمي، أي الشائع والمعروف في العالم كله، وتحيل كذلك في ما تحيل إليه إلى العولمة (وهذا ما يرفضه دعاة الكونية الذين لا يرون فيها إلا المشترك الإنساني الذي يوحد الخصوصيات). والعولمة ليست مقتصرة على ما هو اقتصادي فقط بل تطال الفكري والروحي كذلك. فإن كان القصد البسيط بكونية الشعر، أي عالميته أنه شائع ومعروف في العالم كله، فلا بأس من ذلك فيما يخص الشعر لا فيما يخص الشعراء. فالشعر ظاهرة إنسانية، موجود أينما وجد الإنسان في صيغة أو في أخرى. وأما الشاعر أيا كان فمعروف فقط في الأوساط المهتمة بالثقافة وبالشعر خصوصا. لا أظن أن قبائل في قلب إفريقيا تعرف الشاعر بونفوا أو الشاعر أدونيس، ولا قرى منعزلة في قلب فرنسا. بل كل هذه القبائل وغيرها تعرف الشعر. ولها شعرها المحلي بشكل أو بآخر، ولها شاعرها المحلي حلاقا كان أم فلاحا. وعلى أي حال، يبقى هذا تصوري الخاص عن هذه المسألة.

وإلى أن يثبت عكس ما أقوله، فالإنسان كائن أرضي، وفقط. ولا شيء كوني إلا بمعنى انتمائه إلى الكون، لأن الكون كل الموجود. وأما الموجود، أي موجود كان، فليس سوى من مكونات هذا الكون. فالإنسان قد يندثر والشعر معه ولكن الكون بعدهما يبقى.

في حديثي عن شعر عبد اللطيف اللعبي قلت إنه شعر إنساني. بمعنى أنه شعر منطلق من خصوصيته ولكنه متخفف من ذاته إلى ما قد يكون مشتركا. فحين يتناول قضية الحرية، أو تجربته في السجن، فهو لا ينحصر في ما هو خاص في تجربته، ولا يقحمنا في زنزانته بل يهذب فينا ما يجعلنا نتحسس زنازننا. حين يتناول الحب فهو يفتح في قلوبنا بابا لتقبل الآخر، ولا يتعبنا بالآهات واللوعة. وحين يتناول الموت، فهو يعبر عن موت الإنسان فينا أكثر لا فقدانه من بين أيدينا. وهذا ما أحسسته وأنا أقرؤه وأترجمه. وطبعا تبقى هذه قراءتي.

فترجمة نص ما إلى كل لغات الأرض، لا تجعل منه نصا إنسانيا، بل نصا مترجما وفقط. فهو بالفعل يصبح معرفة إنسانية، يمكن أن يتناوله بالقراءة والدرس هذا أو ذاك في لغة أو أخرى. فترجمة القرآن إلى كثير من اللغات، لم تجعل متكلمي هذه اللغات مقتنعين بأن الرسالة موجهة إليهم جميعا، وأن الأمثال ضربت إليهم جميعا، وأن النهي والأمر أوالترغيب والترهيب يهمانهم في شيء. فكثير من الفرنسيين إبان الاعتداءات الإرهابية مؤخرا بباريس، قرؤوا القرآن لا لشيء إلا للبحث فيه عن إن كان الإرهاب من أركان الإسلام. فالترجمة تساهم في المعرفة الإنسانية بمعنى أنها جسر لاكتساب المعلومات، فهي تقرب لنا معرفة التجربة الشعرية لهذا أو ذاك، ولكنها لا تجعل من شعره شعرا إنسانيا. ما قد يجعل الشعر إنسانيا، في نظري، هو انتماءه لا إلى نظرية إنسانية بل إلى تجربة إنسانية نابعة من خاص مشترك، من اختلاف ائتلافي لا خلافي. فشعر المتصوفة أقرب إلى شعراء العالم من شعر أحمد شوقي. وما يحاوله بعض شعراء اليوم بتقليد الشعراء الغربيين الذين يقال عنهم “كونيين” فيأتون بقصائد تخسف رونق قصائدهم وتتشبه بها إلى درجة أنها تبدو قصائد مترجمة، قصد مواكبة الحركة “الكونية” لن يجعل من شعرهم شعرا “كونيا” أو إنسانيا. الانطلاق من الأنا هنا والآن في تجربة شعرية ما هو الذي يجعلها تعبر عما يتجاوز الأنا إلى الإنسان، والهنا إلى الأرض، والآن إلى الوقت المطلق، وهذا لا يعني بتاتا أنه علينا أن ننغلق مع سبق الإصرار في محلية وخصوصية ضيقة. فالمرحوم محمود درويش حين استنجد بتجربة الهنود الحمر في شعره، الذي يبقى أساسا شعر قضية خاصة بشعب ووطن، فتح عيون العالم على المأساة التي يعيشها الفلسطيني الذي يتخبط بين الإبعاد والإبادة.

ولا نغفل الإشارة هنا إلى أن مسألة “الكونية” مرتبطة أكثر بالتنظيمات والمؤسسات والاتحادات، وهي محشوة بالسياسي والإيديولوجي لا بالفكري الفني.

أنت تعلم أننا نستعمل صفة “الكوني” على سبيل المجاز ليس غير، دون أن نعني أن الموصوف كائن ميتافيزيقي، تماما مثلما نقول عن شاعر مفلق إنه شاعر ينتمي إلى عالم آخر. وهذه طرائق في التعبير شائعة نفعمها ببعض “الكذب” المستعذَب، وأنت تعلم درجة ارتباط تعابيرنا ب”الكذب” الذي ليس إلا مجاز واستعارة وكناية…. إنها طرق في التعبير ليس إلا. دعني الآن أسألك عن تقديراتك لاختيارك الشاعرين الفرنسيين بيير طوروي و زينو بيا نو اللذين تعكف على ترجمة بعض أعمالهما التي قيض لي أن أقرأها مترجمة منك، ثم كيف تفاعلت مع لغة الشاعرين؟

بالفعل، من جهة، يقولون هذا الشاعر أو ذاك “كونيا” على سبيل المجاز، أفهم هذا جيدا. ومن جهة أخرى يقولون ذلك لأنهم لا ينتجون ما يقولونه، إذ أخذوا هذا المفهوم عن التجربة الشعرية والنقدية الفرنسية بخاصة، وأقحموا بعض شعرائنا الكبار الذين نحوا منحى شعراء فرنسا واستهلكوا تجربتهم، داخله. لكن هذه الصفة لا تخلو من إيديولوجية معينة. فمن قال بكونية شعر أو شاعر ما، في البدء؟ الغرب طبعا. وتناولها كمفهوم داخل منظومته الثقافية تنظيرا وتطبيقا، ونحن إذْ نقلناها واستعملناها للاستهلاك الذاتي نقلنا معها الاعتراف بكونية الغرب وتفوقه، اعترافا رسميا بأنه رائدنا في الشعر وفي النظرية النقدية. و”الكونية” لا علاقة لها بالميتافيزيقا كما قد نفهمها، فالشاعر بونفوا مثلا، الذي يقال عنه أنه كوني، يقر في تنظيراته بألا مكان للميتافيزيقا في الشعر. وعلى العموم، فعلى مفكرينا ونقادنا أن يجيبوا عن مثل هذه الأسئلة وأن يجدوا لثقافتنا حلا حتى لا تبقى ثقافة طفيلية شرهة في استهلاك الآخر.

لهذا تراني أبحث في الشعر الفرنسي المعاصر عن تجارب لذيذة وجريئة خارج ما تروجه المؤسسات الثقافية الحكومية هنا وهناك، وأتناولها بالترجمة. أنتقي التجارب التي تشفي غليلي أولا، أي أنني أتلذذ بها وأتأملها وأحاورها وأجد فيها صراحة بعض الائتلاف مع تجربتي البسيطة. إنها تجارب متحررة من المشترك العام، المتفق عليه في القول الشعري شكلا ومضمونا. ولائحة مشروع ترجمتي لا تتوقف عند بيير طوروي وزينو بيانو، بل تتعداهما إلى كثير من التجارب الشعرية التي تثري الفضاء الثقافي الفرنسي، أو الفرانكفوني عموما، ولا تصل إلى القارئ العربي إلا ناذرا أو بتاتا.
ومشروعي البسيط داخل هذا المشروع الضخم، هو أن أترجم الأعمال الكاملة لهذين الشاعرين الكبيرين، لأنني أومن بالتخصص في الترجمة، أي متابعة التجربة الشعرية الكاملة لشاعر ما. لأن الترجمة ليست ترجمة النصوص فقط، بل الإلمام بكل ما يخص الشاعر وكتابته وتستلزم البحث والتدقيق. فترجمة نص واحد أو ديوان واحد لشاعر ما، تقرب النص أو الديوان إلى المترجم أولا، ثم إلى قارئ اللغة الهدف، ولكنها قد تشوبها عيوب وانزياحات نابعة عن القصور في فهم المضامين الخارج شعرية، وقد تبعدها عن الخلفيات الفكرية للشاعر وعن حركية فعله الشعري. فالتجربة الشعرية ليست رهينة قصيدة أو ديوان، إنما هي الفعل الشعري لدى شاعر ما في صيرورة مساره. التجربة الشعرية (والحديث هنا ليس عن الخبرة النفسية) ليست ثابتة ومكرسة في نص أو في ديوان.

حين قرأت طوروي تذكرت جرير الذي قيل إنه كان ينحت من صخر. فلغة طوروي قوية جدا، وتراكيبه مستعصية إلى غاية الغموض. إنها كتابة آتية من مدى خفي للإنسانية المشتركة، أقصد موروث الفكر الحيوي الإنساني بما فيه من أساطير وحيوات في عوالم روحية موازية لعالمنا الملموس. وقد سموه شاعر الأنوار الأطلسية، لأن له كتابة متميزة في الشعر، فالقصيدة عنده تنظير وتطبيق للقصيدة. إنه الشعر الصامت وصوته الإصاخة التي يكتب بها، شعر متأمل في ذاته ومحيطاتها وسط عالم الأشياء والأحياء واللغة. شعر يتساءل عن كل الكينونات بما فيها كينونة القصيدة.

وأما بيانو لغة، فشعر متكلم كحرفي في خضم الاشتغال، مركز على موضوع قصيدته، مرتكز على ما بين يديه من مادة، دون أن ينغلق على نفسه. لأنه يلتقط من هنا وهناك ما يرتئيه إضافة جديدة، ويحدث تجديدا في الصورة أو في المتواليات اللغوية التي يغترفها. مبدئيا، الشاعر بيانو لا يكتب صامتا. فالشعر لا يكتب عنده إلا جهرا. إنه لا يكتب القصيدة، بل يقولها. فهو ليس أبدا أمام بياض الورقة متأملا باحثا عن شيء. بل هو يجد ضالته أمام أزمنة الحياة، والعالم والأحياء والأموات والأشياء، يحكيها ولا يتوقف عندها واصفا بل يتجاوزها إلى ما تحيل إليه، وما تستند عليه، وما قد ستصبحه. لهذا عند قراءته تشدنا هذه السلاسة، وتحملنا لغته وتهدهدنا بما يشبه الرقرقة والخرير، إلى غاية أننا نصل معه المصب (أقصد نهاية الديوان أو القصيد)، فيعود بنا الشوق إلى ركوب عبابه.. إلى إعادة قراءته من جديد.

ألا نحس أن بيانو وكأنه يغرف من بحر؟ ألا نلمس أنني بين جرير والفرزدق في هذا الاختيار، اختيار هذين الشاعرين لترجمتهما إلى اللغة العربية وتقديمهما إلى القارئ العربي؟ أو لست وأنا أقرأ هذين الشاعرين العظيمين أسقط في عشق شعرهما من خلال موروثي الثقافي الأول؟

تستحضر جرير والفرزدق في مقارنتك بين اختلاف لغة الكتابة عند طوروي وبيانو، وأنا بدوري أستحضر “موازنة” الآمدي بين البحتري وأبي تمام. هل أستطيع القول إن هذه اللمحة المقارنة بين طوروي وبيانو قد تكون بداية لمشروع “موازنة” بين تجربتي الشاعرين المذكوين؟ هل تفكر في الأمر وترتدي يوما قبعة الناقد؟

من الممكن، طبعا. ربما سأهتم بالنقد الشعري مستقبلا. لكن الحاضر للترجمة، وأتمناها أن تكون تمهيدا لذلك. ولعل ليس″الموازنة”، بل القراءة النقدية لتجربتي بيانو وطوروي قد بدأتْ بترجمتهما وتقديمهما إلى القارئ العربي، وحتى إلى الناقد إن استطاع إلى ذلك سبيلا. بالمناسبة، ترددت في الإشارة إلى أبي تمام عند جوابي السابق كيلا يصل بنا الحديث إلى أدونيس. لماذا؟ لأنني أحس بخيط يربط بين أبي تمام وطوروي وأدونيس وآخرين من جهة. وخيط آخر يربط بين البحتري وبيانو ودرويش مثلا من جهة أخرى. أحس وكأن الشعر، مُنذ فجره، وهو، لغويا، نهر بتيارين توأم سيامي، وغيرهما روافد فرعية.

ها أنت تبدو ناقدا في ما تقوله؛ على أيٍّ دعني أقترب معك من تجربة لك مغايرة في الترجمة، إذ ترجمت قصائد شعرية لشعراء مغاربة وعرب من العربية إلى الفرنسية، هذا بالإضافة إلى ترجمة مختارات من دواوينك المجموعة في كتاب “وكأني أحلتني حدود بلادي…” المنشورة بدار “لارماطان” الفرنسية تحت عنوان “باتري-سيد”؛ لو تحدثني قليلا عن هذه التجربة، عن قارئك الفرنكوفوني المفترض، عن وجه الصعوبة ودرجتها وأنت تترجم نصوصا من داخل السياق العربي إلى لغتك الثانية المحكومة بسياقها الخاص (الفرنسية)…؟

أبدا، لست ناقدا البتة. أنا قارئ فقط. والترجمة أوصلتني إلى مستوى آخر من القراءة لأننا إبانها نتوقف على الشاذة والفاذة في نص ما بالسؤال. إنها القراءة التي تتبنى مبدأ الشك، بمعناه الديكارتي. الترجمة تنطلق من الطاولة الممسوحة بمعنى أن على المترجم، مهما كان صيته، أن يتناول بالقراءة، قبل أن يشرع في الترجمة، النص وكأنه لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. الترجمة لا تنطوي على خلفية معينة سوى توقها إلى نقل نص إلى لغة/ثقافة أخرى. المترجم لا يتساءل كيف سيترجم، الكيفية تأتي فيما بعد، إنما يتساءل أولا عن الماهية؛ ماذا أترجم، تراه يقول. هناك دائما تساؤل عن القصد، عن المرجعية، عن الدلالة وانزياحاتها بالمجاورة، وغير ذلك. إن الترجمة، القيّمة طبعا، هي القراءة المعمقة والشاملة للنص؛ قراءة تصبو إلى الكمال. لهذا ترى المترجم يقترب من “أنا أفكر إذن أنا كائن” (موجود)، لأنه مادام يفكر فهو يترجم. إلى أن ينشر، يبقى النص المترجم الناجح، كما النص الأصل يتفكر في نفسه ومستعدا لإلحاق تغيير أو قلب تركيب.

وأما عن “باتري-سيد” فالمسألة أعمق من أن تكون مرتبطة بترجمة نصوصي فقط. إنها محنتي الوجودية (المشتركة مع آخرين). إنها مرتبطة بأعمق ما قد تمثله الغربة في السنوات الأولى. إنها كما القميص القسري لغويا، فبين عشية وضحاها وكيفما هاجر الإنسان عن وطنه، مخيرا أم مسيرا، يجد نفسه متخبطا في الصمت الثقيل. نعم، بالفعل، في الأشياء اليومية يتدبر حاله باللغة الأخرى؛ يشتري خبزه ويحدث من حدثه ولو بعناء. ولكن في الأشياء الجوهرية، كل ما هو نفسي ووجودي يجد نفسه قاصرا عن أي تعبير، أو في أحسن الأحوال معبرا عن أحاسيسه بما لا يَفهم ولا يُفهم، فيسقط في الانعزال، أو بما لا يَلمَس ولا يُلمس فيقع في الإشكال. حين نرحل من بلد إلى بلد آخر، فنحن نرحل من لغة إلى لغة، ومن ثقافة إلى ثقافة. فمثلا ورغم أننا نشارك بلدانا عربية أخرى نفس الثقافة عموما، فالمصري الذي يهاجر إلى المغرب للإقامة (لا أتحدث عن السياحة والزيارات العابرة) يجد صعوبات عدة في التواصل والتأقلم في سنواته الأولى، لأن لغته اليومية مختلفة ومرجعياته النفس اجتماعية ليست هي نفس المرجعيات المغربية، وحتى الطقس مختلف بين البلدين بعقلية الناس وحركية أجسادهم.

إذن كان علي أولا أن أتحول، أنا نفسي. أن أتخلى عن بعض الأشياء وأتبنى أخرى. فهل تراني مثلا كنت سأواجه صقيع الشتاء الباريسي بجلباب صوفي بلدي مثلا؟ وهل تراني كنت سآخذ موعدا مع الطبيب مثلا غدا، وأقول له إن شاء الله؟ وهل كنت سأطوق صديقا بذراعي ونحن نتجول في شوارع باريس وأزقتها (المسألة هذه عادية في الدار البيضاء، لكنها هنا تعني أننا زوج مثلي)؟ وهل كنت سأتناول وجبتي في المطعم الجامعي مباشرة بأصابعي؟

ولم أترجم القصائد التي انتقيتها من “وكأني أحلتني حدود بلادي”، بل حولتها، (وإن كنت تذكر ففي أول ترجماتي كنت أتحدث عن التحويل (transfère) لا عن الترجمة (traduction) وحولت بعضا من قصائدك)، لماذا التحويل وليس الترجمة؟ لأن الترجمة قد تكون حرفية أو معنوية أو تأويلية… ولكن التحويل، وهذا ما أحاول أن أدافع عنه، هو إعادة كتابة النص، طبعا في طقوس مغايرة، وبأدوات مختلفة، ولكن وكما في المسرح حين يتمكن الممثل من تقمص شخصية ما للعب دور ما فهو يصبح الشخصية إبان التدريب والعرض، ولكنه يبقى هو كأصل لما قدمته الشخصية ذات دور لعبه، لأنه سيتقمص شخوصا أخر وسيلعب أدوارا أخرى. أي أن “المترجم” يدع نفسه جانبا ويدخل روح النص/الكاتب (الشاعر في موضوعنا)، ويكتبه من جديد كما لو كان هو أصلا الكاتب، فيصبح النص الجديد وكأنه أصلا كتب باللغة الهدف. ولهذا فعلى المترجم أن ينطلق من الطاولة الممسوحة. وقد تخليت عن مفهوم التحويل لأن جمهرة المهتمين لا تؤمن إلا بالترجمة.

ولم يكن لي في هذه التجربة، تحويل بعض من “وكأني أحلتني حدود بلادي” قارئ مفترض. بل كنت محاصرا بكل أشعاري التي قلتها في وباللغة العربية، وبالقارئ الذي لم يكن مفترضا بل كان أمامي واقعا وحقيقة كجمهور ينتمي إلى اللغة الفرنسية وثقافتها. في البدء كان بعض الأصدقاء يطلب مني أن أحدثه عما أكتبه، أي أن أعطيه فكرة. وحتى في المقهى أو في عربة الميترو وأنا أراجع نصا أو أخربش بداية كان غالبا ما يسألني شخص عما أكتبه وعن اللغة التي أقرأها أو أكتب بها…

كنت أنشط مع شعراء فرنسيين في حلقة كانت تدعى “الغجرية” في أحد المسارح بباريس وكنت أقرأ عليهم بالعربية وكانوا ينوهون بإيقاع الإلقاء وبغرابة هذه الأصوات الحلقية التي تجعل الشعر كما الزغردة، ولكنهم كانوا دائما يطالبونني بالترجمة. من هنا بدأت تحويل قصائدي. وبدأت كذلك بعض المحاولات باللغة الفرنسية. ثم بعد ذلك بدأت أقوم بأمسيات شعرية، أقرأ فيها قصائدي باللغتين ومحاولاتي الفرنسية البسيطة. إذن كنت مضطرا إلى “ترجمة” أو بالأحرى إعادة كتابة البعض من “وكأني أحلتني حدود بلادي”، الكتاب الذي لم يكن قد نشر بعد. حين يترجم كاتب ما نصوصه، فهو يتصرف فيها، بل ومن حقه أن يتصرف فيها مثلما يشاء. لأنه في العمق لا يترجم بل يكتب. والصعوبات التي واجهتها في هذه “الكتابة” في اللغة الأخرى، كانت تشبه وإلى حد بعيد، صعوبات اندماج ذاتي بكل شحناتها وتقاليدها وعاداتها في الثقافة الفرنسية. والمسألة لم تخل من عنف وقساوة على الذات بما فيها من وطن، وعلى اللغة/اللغتين وعلى الآخر. لأن سنواتي الأولى بالمَغْرَب (بفتح الراء) كما أسميه كانت عصيبة جدا، سنوات من الألم والتشتت والتشرد… وهذا موضوع آخر لا يهمنا الآن.

أثارني أمران في ما قلته، أولهما أن الترجمة “لا تنطوي على خلفية معينة سوى توقها إلى نقل نص إلى لغة/ثقافة أخرى” وهو ما يدعوني إلى التساؤل: هل الترجمة أو المترجم بكل هذه البراءة؟ وثانيهما هذا الذي صرته أو، بالأحرى، الذي أجبرت على أن تصيره. تحدثت عن “محنة وجودية” وقلت: “كان علي أولا أن أتحول، أنا نفسي. أن أتخلى عن بعض الأشياء وأتبنى أخرى”. هل يمكن الحديث عن تبعات لهذا التحول؟ عن خسارة ما؟ عن فجيعة؟ عن مأزق نفسي؟ عن أثر ندبة في الدواخل؟…. وإذا كان الأمر كذلك، ما حجم الفداحة في كل ذلك؟

أَبدا، الترجمة ليست عملية بريئة. هذا ليس قصدي. فالذي يجعلها كتابة جديدة للنص المترجم، بالعكس، هو خلوها من البراءة. فالمنطلق، مثلما وضحته سابقا، أنه على المترجم أن يباشر عملية الترجمة بالطاولة الممسوحة، يعني أنه يشك في النص وفي نفسه كذلك. فهو ليس عارفا بالنص المراد ترجمته بل يتعلمه ويسائله وهو لا يأتيه ليسقط عليه معارفه بل ليستخرج ما فيه من معارف. إنه أولا يصبو إلى كتابة في لغة ما وبها ما كُتب قبلا بلغة أخرى وفيها. إنها ليست كتابة منه ومن لغته وبثقافته بل به وبلغته وبثقافتها (لغته)، لأنه لا يترجم لنفسه بل لقارئ مفترض في اللغة الهدف وثقافتها. إنه ليس الكاتب الذي تفزعه الصفحة البيضاء، وإنه ليست ترجمته بمثابة ملء فراغ في ثقافته بأي وجه كان، بل بالعكس إنه الكاتب الذي قد تفزعه الصفحة المثقلة بالحبر وما يحمله. إنه يتحول عبر المراحل التي تتطلبها ترجمة نص ما، من أداة ناقلة (أي من كونه كقارئ ذكي متمكن من اللغتين الأصل والهدف، متسائل، باحث) إلى ذات كاتبة أي متصرفة في النص في حدود ثقافية معقولة، إنه يكتب النص نفسه بلغة أخرى وخلفياتها وشحناتها الثقافية، وإن عسر الأمر فهو يملك مساحة الهوامش الواسعة. والجميل أن هناك ترجمات أفضل بكثير من النص الأصل.

بالفعل كان علي أن أتحول، أنا نفسي، وأتخلى عن بعض الأشياء وأتبنى أخرى، وهذا الأمر يحدث إبان ترجمة النصوص. فتحويل نص من لغة إلى أخرى يجعله يتبنى ويتخلى، لأنه يرحل عن لغته وثقافته ويقيم في لغة وثقافة جديدتين. إنها، أعني الترجمة، ولادة جديدة ولا بد من مخاض وألم وعويل. فما بالك بالإنسان، الذي يهاجر مجبرا، ويجد نفسه غريبا في عالم غريب عليه. أمام واقع لا يمت بصلة مع واقعه، أنام أشكال وأشياء وروائح وعلاقات وعادات إلخ… يجهل عنها الكثير. ويجد نفسه بعيدا عن أيامه وأهله ورفاقه وأمكنة عيشه وعن نفسه حتى. نقول ببساطة “عليه أن يتأقلم”. لكن كيف؟ كم وما ثمن وما معنى “التأقلم”؟ فالجنين الذي بطبيعته يقتات ويتنفس في محيط مائي، حين يلفظ إلى محيط الهواء، وكي يتأقلم معه، يمر بالألم وبالموت. ويتخلى عن جل وسائل عيشه بالرحم ويتبنى أخرى كي يستمر في العيش وإلا هلك. ثم ولا بد من قطع الحبل السري. إبان الترجمة كذلك يقطع المترجم الحبل السري للنص الأصل في المرحلة التي يقرر فيها عدم العودة إليه فيستمر في التدقيق والتنميق. وهذا هو التأقلم.

وأما أنا، فقد عشت المنفى (يحلو لي أن أسميه “المَغْرَب”) بشفافية، وبشجاعة، وواجهت حقيقته بحقيقتي كإنسان رماه وطنه فرضي بقرار الوطن، ولكنه قرر مع نفسه ألا يعود أبدا إلى هذا الوطن الجاني إلا كعابر مرغم على زيارة أمه والأصحاب والأحباب من حين لحين. نعم تألمت، نعم بكيت، وشارفت الجنون وحاديت رفض الحياة. وأشعاري تعبر عن ذلك في دواوين “وكأني أحلتني حدود بلادي”، والتي حين ترجمت منها إلى الفرنسية بعضها عنونتها من جديد، أي سميتها وكأنها ولدت من جديد (هذا ما يذكر بأضحية العقيقة) “باتري-سيد” بمعنى قتلُ الوطن. وهذه المحنة لا يريد أن يفهمها بعض المثقفين الذين يتوجهون إلي بالحقد لأنني أعلن أنني فرنسي. كنت مرغما أن أصبح غيرا لي وفي. كنت مرغما أن أنبني على أنقاضي.. أن أدخل في سلم مع نفسيتي وذاكرتي.. أن أقبل التحول والتغيير.. أن أتقبل ما أحسه خسارة، وأتقبل ما أحسه ينبت في كما طفيليات. كنت مرغما أن أغير عاداتي الحياتية وطرق تدبيري وتعبيري… وأشياء أخرى. كنت مرغما أن أتقبل الطفرة. أن أصبح كائنا طافرا. لأنني خضرمتني الحياة. لأنني أصبحت مخضرما. عشت زمنين وثقافتين.
نعم هناك فجيعة، خسارة ما، وجروح عميقة في الروح. وأنت تعرف جيدا هذه المأساة لأنك ركلك الوطن فركبت المنفى.

 

ترجمات جمال خيري:
ترجم إلى العربية ديواني شعر لعبد اللطيف اللعبي هما “الفصل المفقود” و”حب جكراندا”، نشرهما بيت الشعر بالمغرب سنة 2015، ضمن كتاب “بستاني الروح” الذي ضم عملين آخرين للشاعر نفسه.
ترجم إلى الفرنسية مختارات من بعض دواوينه، ضمَّها كتاب (قتل الوطن)، نشر (سنة 2010) بدار لارماطان بفرنسا ( Patrie -cide) edition L Harmattan)
دواوينه المنشورة بالعربية:
“قهوة الصباح مالحة” – ديوان شعر، عن منشورات بيت الشعر بالمغرب 2016”.
“خطوط وخطى” – ديوان شعر، عن دار كلمات للنشر بالمغرب 2011”
“وكأني أحلتني حدود بلادي…” ثلاثة دواوين مجتمعة، منشورات “البيان” بالدار البيضاء-المغرب(2003)

ترجمات إلى العربية قيد الطبع:
*”غمرات” و”حالم صعب المراس” (ديوانان آخران لعبد اللطيف اللعبي)
* ”المعتم يشتغل” للشاعر هنري ميشونيك
* ”متاهة يتعقبها الصدى” و”ما يقرع على كلماتنا” و”شيء ما آت من بعيد” (ثلاثة دواوين للشاعر الفرنسي بيير طوري)
* ”بستان الحبر” ديوان للشاعر الفرنسي برنار نويل
* جيمي هيندريكس” ديوان للشاعر والمسرحي الفرنسي زينو بيانو

زهير فخري، كاتب مغربي مقيم في أوسلو، النرويج
fakhryzf1962@yahoo.fr