قصيدتان للشاعرة الاميركية جوي هَرجو ترجمة دنيا ميخائيل

جوي هرجو شاعرة أمريكية من سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) وهي أيضاً تعزف موسيقى الجاز. لديها ثمانية كتب بين الشعر والمسرح والمذكرات وحازت على أرفع الجوائز الأدبية مثل جائزة روث ليلي من منظمة الشعر ووالس ستيفنز من أكاديمة الشعراء الأمريكيين. ولها كرسي الشرف في جامعة تنيسي.

 

كيف تكتب قصيدة في زمن الحرب

 

لا يمكنك أن تبدأ حيثما تشاء. هنا حطام،
شظايا، عين بيت، صف من البيوت، فأر يندفع مذعوراً
من الضوء وبقايا لحم في فمه. طفل مشدود بارتخاء
على ظهر أمه. جنود يزحفون في المدينة،
النهر، البلدة، القرية،
غرفة النوم، مطبخنا. يأكلون كل شيء
أو يحرقونه.
يقتلون ما لا يمكنهم أخذَه. يغتصبون. يأخذون
ما لا يمكنهم قتلَهُ.
تتساقط الإشاعات كالمطر.
كالقنابل.
كدموع أم وأب، حُبست من أجل سلام مضطرب.

مثل غروب ينحدر نحو ليل بلا قمر.
مثل قطار أُعفيَ من الوصول إلى محطتهِ. مثل بذرة سقطتْ
في المكان الذي لن تنبت فيه شجرة ولن يعيش فيه طير.
لا، إبدأ هنا. أيل يتراءى من طرف الغابة.
اعتدنا أن نرى نقّار الخشب
بحجم الشمس، الطائر الأحمر، الكتاكيت تحييهم
بأغاني صباح الخير.
طبَخنا في الهواء الطلق على طراوة الندى والضحك، آه
حلاوة إشراقات الشمس الداخنة.

حاولنا أن نتظاهر بأن الحرب لن تحدث.
ولو أنهم بدأوا يبنون بيوتهم حولنا وطالبوا
بالمزيد.

بدأوا بتعليم أطفالنا قصة ربّهم،
قصة نكون فيها العبيد دائماً.
لا، ليس هنا.
لا يمكنك أن تبدأ هنا.
هنا الذاكرة ممزقة ولا يمكن الاتكّال على الكلمات، حتى لو كانت
شعراً.

هذه الذكريات تُركتْ هنا مع الأشجار:
الجيب الممزق لفستان ابنتك المخيّط باليد،
الوشاح، رباط الحذاء.
نعل الطفل بالخرز الناعم مازال مربوطاً بقدمهِ،
ورقة وعد من شاب إلى حبيبته ـ
لا، ليس هذا أحسن مكان لتبدأ.

الكل كان نائماً، بالرغم من القنابل البعيدة. الرعب أصبح ذلك
الغريب الأليف.

البنتان التوأم الحبيبتان مكوّمتان بملابس النوم،
بجانبي وجانب أبيهما.

لو نبدأ هنا، لن يدوم أي منا إلى نهاية
القصيدة.

لابد أن يعيش أحدنا، هكذا غنّى الجد لحفيدهِ،
لحفيدتهِ، وهو ينفخ أقوى أغنياته إلى
قلوب الأطفال.

هناك ستكون مخفيّة عن الجنود الذين
سيقطعون أميالاً، أنهاراً، جبالاً من مكان
الوتر البحري
ليصلوا إلى أصل القصة.

هو عرفَ بأن يوماً ما، يوماً بعيداً، سيعود الأحفاد،
بعد أجيال

فوق طرق سريعة صقيلة مبنيّة فوق السكك القديمة

عبر جدران من القوانين الموضوعة كعقبات مدمِّرة، فوق
مكتبات
الأسلاف في الريح، المولودين في الصخور.

أغنيتهُ تأتي بنا إلى مكان بيتهِ في هذه التلال التي بلون الدخان

إبدأ هنا.

 

 

قصة التبغ الأصلية، لأن التبغ كان هدية
الغرض منها أن تسير بجانبنا إلى النجوم

(من قصة عن كيفية مجيء نبات التبغ إلينا،
رواها لي قريبي جورج كوسر الإبن)

 

في قديم الزمان، قبل أن يكون هناك قديم الزمان
عندما ضفر الزمن السماء مع الأرض.
الأطفال حُبل بهم، ولدوا، كبروا، ساروا ممشوقي القامة
في النهار مثلما نسمّيه اليوم.
كانت هناك شمسان، قمر مضيء، وضوء
أكثر بقليل مما لدينا الآن، بريق
الوقوع في الحب قرب جسد الأرض
بومضة خاطفة تشعلنا.
نحن الذين كنّا هذا الكوكب في توقنا للمسة.
كل فكرة زرعناها أنبتتْ سلالمَ
من النبات إلى النجوم، في قديم الزمان، قبل أن تكون هناك
لاعودة إلى قديم الزمان، ياما غنينا قرب أزرار
ثوبها، الآنسة ميري ماك.
أطفالنا هم دائماً
أطفالنا. حتى في ذلك الزمان حينما لاحَ لنا الوقتُ
في الذرة. كنا نعرف نباتاتنا مثل أقاربنا.
قصصها قصصنا، كانت لنا
أغنيات لكل شيء ـ ينبغي أن أقول
هناك أغنيات لكل تحوّل بين قديم الزمان
والآن، الآن الأبدي، حينما شاب وشابة من ماسكوغي*
يسيران عبر وميض بداية المساء.
يصيران أغنية واحدة.
يتمددان في الظلمة. أستطيع أن أسمع
كلامهما الحميم الخفيض.
كيف يتشاقيان بحب من القلب.
الأرض تصنع سريراً، مع أكوام
من الوسادات. وهناك حيث تغني حشرات الليل،
يحبلان بطفلهما الأول. سينظران
إلى الوراء وهما يسيران شرقاً نحو شروق الشمس.
سيقان النبات الطازجة كالبدايات
ستشرب الضوء، تتجذر عميقاً في ظلمة الأرض.
في أثر حبهما
سيظهرُ النبات الطفل، الرأس البذرة أولاً، ثم
الأوراق، الأزهار المذكرة والمؤنثة للتبغ،
مثلما سمّاه الناس عندما
دعاهم، تعالوا، جلبونا
إليكم من أولئك الذين يحبونكم. سنساعدكم.
وهكذا كانت البداية، في قديم
الزمان، حينما عرفنا كيف نسمع أغنيات النبات
ونجيب بمثلها، كما نفعل الآن
على الورق، بآثار كأقدام الطيور، ولكن أين
آذاننا؟ كبرتْ لتكون على مقاس
سماعات الآذان، لتسمع موسيقى
تجاريّة، مثل دخاننا الحبيب –
المنبعث بإدمان وكلمات ميتة.
غنّ لي هذه الأغنية مرة أخرى، يا بنت.
في ضوء القمر، نبات التبغ له أزرار
قمر فضية على طول ظهرهِ.
نتزيّن لنخرج ونزرع أغنيات جديدة بكلمات.
شمسنا تخبو أسرع.
شكراً للتبغ، شكراً للشمس
شكراً للأرض، آه شكراً**

 

* ماسكوغي اسم قبيلة من قبائل الهنود الحمر
** السطران الأخيران مكتوبان بلغة الهنود الحمر وقد ترجمتها لي الشاعرة جوي هرجو إلى الانكليزية.

 

دنيا ميخائيل شاعرة ومترجمة، أميركا
dunyamikhail@gmail.com