“الذئبة” قصة قصيرة للكاتب المصري عبدالنبي فرج

الخطُّ كلُّه من الكيت كات إلى الخطاطبة، القناطر الخيريَّة، محافظة الجيزة، محافظة المنوفيَّة، تعمل ألف حساب لاسم عارف غانم أبو حسين، تاريخٌ طويلٌ في مجال الإجرام، والعنفٍ الجسديِّ، بناه بقلبٍ ميِّتٍ وروحٍ شريرةٍ، خسيسٌ، لا أحدَ يجرؤ أن يقفَ في طريقهِ. غانم نار على عَلم!، هجَّام حقيقي ولص متأصل وقاتل محترف، منذ نعومة أظفاره، يضربُ ضربته!، معلِّم بصحيح!، دخل السِّجن عشرات المرَّات!، في قضايا خفيفة أطولُها ثلاث سنواتٍ، في قضية ضربٍ أدَّى إلى عاهةٍ مستديمةٍ، وعند الإفراجِ اصطدمَ بوجهِ قمرٍ مُنيرٍ، روح مُشعَّة ببهاءٍ وجمال نادر، ضربَ كفًّا بكفٍّ على الزَّمن الوسخ الذي يجعل يدًا مُشعَّةً بهذا الجمالِ تُطوَّقُ بطوقٍ حديديٍّ خسيسٍ، وهيَ التَّي يجبُ أن تُوضَعَ في يدِها عقود الماس واللؤلؤ، متَّهمة في قضية نصبٍ على محلِّ جواهرجيّ، حيث يقال أنها خدعت جواهرجيًّا؛ باعت له مصاغًا بـ 4 ألاف جنيه، واتَّضحَ بعدَ ذلكَ أنَّها مزيَّفةٌ تزييفًا مُتقنًا، والحقيقة الجواهرجيُّ معذورٌ أيضًا يا خلق الله كيف يشك البني آدم منَّا، في هيئة حسنة، في جلالِ الجمالِ، وبهاءِ السِّحر؟، هل يُمكن السُّخرية من فراشةٍ تدورُ حولَ مصباح هلاكِها. عَتَهٌ؛ الذي يثبتُ ويحتفظُ برأسِه سليمًا في مواجهةِ هذا الصَّاروخِ قفا، جِلْد ثخين، لا يستحق إلاَّ أن يُطعَمَ للنَّار.
المصاغُ ظلَّ في يدِه فترةً، يعلم به علاَّمُ الغيوبِ والمطَّلعُ على أحوالِ الدُّودةِ في الحجر، والسُّوس في الشَّجر، ولكنْ في النِّهايةِ يذهبُ السِّحرُ ويعودُ العقلُ إلى صاحبهِ، من التيه، وتُقلِّبُ العينُ النَّاصحةُ في الذَّهبِ الذي في اليدِ، شتَّ عقلُهُ، وصرخَ، ولماذَا هذا الصُّراخ؟، هل يعرفُ هذا المخبولُ قيمةَ المالِ، وعلى رأي المثل: “مال النُّزهي للكنزي”، ولكن ليسَ دائمًا تأتي رياحُ سفنِ النُّزهي بما يهوى، والمصادفةُ الحسنةُ لصاحبِ المحلِّ أن امرأةً غلوية – أعرفها جيِّدًا بحكم الجيرةِ السَّيئة،والتي جعلتني أكتب على حائط بيتنا: البيت للبيع، والجيرانُ أدرى بهم ربنا – تفرط في عمرها، ولا تقمع رغبتها في الانتقام، كانت ذاهبةً إلى محلِّ عوني للذَّهب، لكي تبيعَ الحلق الذي انكسرَ عدَّة مرَّاتٍ، ورأتْ أن تستبدلَ الحلقَ القديمَ بجديدٍ، وتدفعُ الفارقَ الذي كنزتْه؛ سحتوت على سحتوت، من وراء مصروف البيت، وعندما رأت الزِّينة دخلتْ المحلَّ شامخة تدفع بصدرِها الهواءَ، كأنَّها الملكة المتوَّجة تأجَّجَ صدرُها بنارٍ مُتَّقدةٍ، وارتفعَ الدَّمُ في رأسِها لدرجةِ أنَّها توقَّعتْ أن تدهمَهَا جلطة. أخذتْ تبرمُ أمام المحلِّ كالدَّبور، حتَّى خرجتْ وعلامةُ البشْرِ على وجهِها، دخلتْ السَّيِّدةُ المحلَّ وجهُها أسودُ من الغلِّ، فوجدتْ الرَّجلَ يفحصُ بدقَّةٍ المجوهراتِ ثم صرخ: ” فالصو .. فالصو”، وأزاحَ السَّيِّدةَ حتَّى أخرجَها من المحلِّ، وأغلق البابَ وأخذَ يجري في الشَّوارع يبحلقُ في المارَّةِ ويتلفَّتُ في هلعٍ، ظلَّ أكثرَ من ساعةٍ لم يتركْ شارعًا في دائرةٍ طولُها عدَّة كيلومترات، وعندما يئسَ عاد إلى المحلِّ يندبُ حظَّه العاثرِ، وكانتْ السَّيِّدةُ الصميمةُ تقفُ كالوتد، في انتظارِهِ، وعندما دخل المحلَّ، قالت له: أنا أعرفها!، نظر إليها كغريقٍ تعلَّقَ بقشَّةٍ، وذكرتْ له الاسم بالكامل، والبلد، والشَّارع، والبيت، ثم اختفتْ بدونِ أن تُبدِّلَ الحَلق، و كانَ قلبُها يُرفرفُ بالفرحِ، كأنَّها أكلتْ كيلو لحمًا، ومارستْ الجنسَ مع ثورٍ، ستَّ مرَّاتٍ!.
وأمامَ النِّيابةِ رفضَ التَّصالُحَ، ولم يلتفتْ إلى الدُّموعِ التي سالتْ على خدِّها، وظلَّت مُعلَّقةً، تلمع فيراها وكيل النائب فيميلُ، يراها الجواهرجيُّ، فيزيد حنقُهُ، ولم يرتحْ إلا وهيَ تُسْحَبُ داخلَ المُعتقلِ.
حُكِمَ على الجليلةِ بعامٍ سجن، وفي هذا اليوم المبارك تقابلت مع غانم، أمام المحكمةِ ، في انتظار التَّرحيل إلى سجن القناطر؛ حيثُ تقابلا وجهًا لوجهٍ؛ فنطق اسمه لها: عارف غانم أبو حسين .
نظرتْ نظرة استنكارية:
– تكون أبو رجل مسلوخة وأنا مش واخدة بالى!، خبر إيه يا جدع؟، وسَّع الطريق يا يا خايب يالي شبه القلُّوط!.. ودفعته في صدره، فتنحي، ضحك العسكري:
– روح يا بو حسين، مش كل الطير اللي يتَّاكل لحمه!، دي لحمها حنضل! ..
أكل سد الحنك، اتلهى على عينه وسكتم بكتم، لحد ما اختفت من قدامه، وبعد ما فاق من الدُّش البارد، عاد على البيت ساهمًا، يُفكِّرُ في المرأةِ التي اخترقتْ قلبه كالسِّكين في الزَّبد .

– 2-

ظلَّ العاشقُ طوالَ عامٍ كاملٍ يتقلَّبُ على الفِراش أرقًا وسهدًا، بسبب غياب المحبوبة وراء القضبان، ولكي ينسى ويهربُ من سطوةِ عينيها المتوحِّشةِ وجسدِها الجبَّار، كان يستغرقُ في العملِ بهمَّةٍ ودأبٍ يحسد عليهما، من السَّرقةِ بالإكراهِ، واقتحام شققٍ مُحصَّنةٍ، يصعبُ على أرسين لوبين اختراقها، وتفكيك سيَّارات، كانَ هذا العام هو الأكثرُ حزنًا، وتألُّقًا، وعندما انتهى وخرجت الغالية، أقامَ حفلا على الضَّيق دعا إليه الخاصة، وقدَّم فيه أكوام اللحوم والفاكهة والأرز والمكرونة، أخذ يُطلِقُ الألعابَ النَّاريَّة مبتهجًا، ثم ذهب في اليوم التَّالي إلى بيت الأبِ المنكوبِ؛ لكي يطلبَ يدَ ابنته المصونةِ العفيفةِ سعديَّة الشَّهيرةِ بسعديَّة الغازية، وكادَ قلبُ الرَّجل أن يتوقَّفَ من المفاجأةِ السَّارة التي لا كانت ع البال أو الخاطر، وخلال ثلاثة أشهر كان غانم أبو حسين الشَّهير بالعترة يركب المرجيحة، مستغرقًا في لذَّةٍ ودَعَةٍ، لم يسبقْ أن تمتَّعَ بهما من قبل؛ لذلكَ لم يكن يخرجُ من البيتِ سوى للضَّرورةِ القُصْوى، وكان يشعر فيه بغربة، ولم يعُدْ يُطيقُ هذا العالمَ، هذه الحَيَاةَ، كانَ قد استنفذ تمامًا ويُريدُ أن يعيشَ باقي عمرَه في سكونٍ، ممَّا جعلَ السَّيِّدةَ تُصابُ بالضَّجرِ والسَّأمِ، فكانتْ تسِمُّ بدنَهُ بالكلامِ ولكنْ دونَ جدوى، حتَّى أنجبتْ سعيد الذي كان يشبه أبيه تمامًا؛ نفس الملامح، نفس البلاهة، نفس الاندفاع الجريء المفاجِئ، والتَّبلد، والشَّيء الذي كان يُخفِّفُ من الغضبِ داخلها هو تجمُّع الأشقياء؛ أصدقاء زوجها في البيت، وآمالها في استعادة البغل روحه ونشاطه، وإلا الموت لها وله، كيف لها أن تعيش تحت سقفٍ واحدٍ مع بغلٍ لا شُغلة ولا مَشغلة؟؛ لذلكَ حرمته من حقه، ورغم محاولاته وإلحاحه لم تستجبْ، حتَّى إنه فتح عليها المطواة قرن الغزال “يا بنت الناس ما ضيَّعيش نفسك” وغرس سنَّ المطواة في رقبتها.
لم تهتزّْ وظلَّتْ صامتةً، وجزءٌ منها يعلمُ جيدا أنَّه قادرٌ على فعلها، ولكن هيَ هكذا إذا أرادت أن تفعل شيئًا تفعله بدون حسابٍ للمخاطر، وفي النِّهايةِ استجابَ لها، وقرَّر أنْ يعودَ إلى العمل، وتمَّ بالفعلِ تحديدُ الهدفِ، وفي منتصفِ ليلٍ شتائيٍّ خرجَ الرُّباعي: شحته وراء أمجد، وعوض الأعور وراء ميدو على الماكينة، الموتوسيكلات كالشياطين تهدرُ في الشَّارع، حتَّى اقتربا من الهدفِ، تم ركنَ الماكيناتِ في منطقةٍ مهجورةٍ، وسارا، وعندما لاح لهم الهدف، نظرَ شحته يبحث عن غانم لم يجده بينهم، نظر خلفه وجده يقف منحنيًا ومنطويًا على نفسِه، فبان كالكلبِ الَّذي يتبوَّلُ .
– هو، هو، إيه يا اخونَّا، انتم ماشيين كده وخلاص؟!
– فيه إيه؟
– غانم!
التفتوا وجدوه يقعي على كوم ترابٍ، وعندما اقتربا منه ردَّدَ:
أنا مش قادر، أنا عندي حُمَّى وعيَّان
كان يرتعشُ، ووجهُه أصفرُ زي الليمون،احتاروا هل يلغوا العمليَّة؟، صفَّقَ الأعور قرفًا، ما تقوم يا خول!، ما أنت من ساعة كنت زي الثور!!.
بموت يا عوض يا اخويا
ضرب كفًّا بكفٍّ، وابتعدَ عنه، ليقترب من ميدو:
أحَّا فيه إيه؟
ثم استدارَ ناحية شِحته:
ما تتكلِّم يا عمّ!، هتعملوا إيه يا رجالة؟، احنا هنفضل واقفين كده؟
اقترب ميدو وهو يلعبُ في ميداليةٍ:
أنا باقول نسيبه مع المَكن، ونقوموا احنا بالعملية دون غانم..
وظلُّوا فترةً بسيطةً يُعيدونَ توزيعَ المُهمَّاتِ وانطلقوا حتَّى انتهتْ العمليَّة بسلامٍ، وعادوا إلى غانم، فوجدوه في أتمِّ الصِّحة وأحسن حال، والغريبُ أنَّه جعلهم يُقسمونَ على المصحف ألاَّ يقولوا شيئًا لسعديَّة، ورغم القسم المغلَّظ إلاَّ أنَّهم تنافسوا على من يقول الأوَّل لها، وعندما علمتْ ضربتْ خدَّها ومطَّتْ شفتيها، وأخذتْ تُردّدُ يا عِرَّة الرِّجالة!.
ومن يومها أصابها الجنونُ بسبب تخاذُلِ العار، أصبحتْ تُخرجُ الغلَّ الذي بداخلها توبيخًا وسخريةً وتقطيمًا في الموكوس، عِرَّة الرِّجالة، وهو يُقابلُ ذلك بضحكةٍ سمجةٍ، أو لا مبالاة ، أو يجري صارخًا نحوها والمطواة في يده: أنا هغُزِّك!، أنا هغُزِّك وأدخل فيكِ السِّجن يا سعدية!، خافي على نفسِك!، فتضحك ضحكةً كلّها خُبْث وسفالة مُتحدِّية: لو راجل اعملها!، أنا اهوه!.. وتفك طوق الجلابيَّة فيظهر صدرُها أمامه، فيُعاود مُداهنتها بكلامٍ ناعمٍ، والإغداقِ عليها بالفلوسِ، والهدايا الذَّهبيَّة، ولكنَّها لا تهمدُ؛ تظلُّ تبرمُ في البيتِ، كلبؤةٍ هائجةٍ، عيناه تبرقانِ برغباتٍ شيطانيةٍ، وفى الليلِ تجلسُ معهم في الصَّالةِ وفي يومٍ سحبتْ سيجارةَ بانجو وأشعلتْهَا غيرَ آبهةٍ باحتجاجه وسبِّه لها، ثم أخذتْ تنخرطُ في الشَّرابِ معهم، وتأخذ حبوبَ ترامادول وحقنًا وقد شاطَ جسمُها، أصبحتْ تسهر طوالَ الليلِ، وتنامُ طوالَ النَّهارِ ، ولا تهتمُّ بتنظيفِ البيتِ،أو الطَّهي، إلا تحتَ ضغوطٍ شديدةٍ .

– 3-

تحتَ هالةٍ من الدُّخانِ المُخدِّرِ، وأكلٍ دَسِمٍ، يتراءى الجواهرجيّ لها، فيتأجَّجُ صدرُها بالغلِّ، والرَّغبةِ العنيفةِ، في الانتقامِ، تحاولُ إزاحةَ غمِّها، ورغباتها الشِّريرة، ولكن لا فائدة، كانتْ مدفوعةً نحو مصيرٍ أسودَ بقدمها، همستْ لأمجد، فقام مفزوعًا، كأنَّما قرصته عقربة أو ثعبانٌ أسودُ سامٌّ.
– عايزة تقضِي باقي حياتك في السِّجن؟، تشرّدي ابنك، ويبقى صايع زي أبوه؟.
رمت السِّيجارة وقالت له:
قوم نام .
تركت الصَّالة، ودخلتْ الحمَّام، وتركت الدُّش يصبُّ ماءهُ فوق رأسِها.
ما الذي ذكَّرني بك يا بن الحرام؟
ثم بكت ..
خرجتْ من الحمَّام وهي تشعرُ بالسَّكينةِ والخفَّةِ، دخلتْ غرفةَ التَّخزين، اقتربتْ من الشُّوم والعصي المركونةِ، سحبتْ شومة يُغطِّيها الغبارُ وذبل الحَمَام، أخذت تُنظِّفُها وعندما انتهت، ركنتْها وسحبتْ غيرَها، ثمَّ خرجت من غرفة التَّخزينِ إلى غرفة النَّوم، فوجدتْ عارف يغطُّ في نومٍ عميقٍ، والغلامُ في حضنِهِ، أزاحتْ الغِطاءَ وأخذتْ تُفكِّرُ في الانتقامِ من ابنِ الحَرَام الَّذي جرَّسَها.
في المسَاءَاتِ التَّالية أخذتْ تُقلِّبُ في الأشقياءِ، بحثًا عن رفيقِ طريقٍ شريرٍ، وبعد تفكيرٍ طويلٍ، وقعَ نظرُها على شحته؛ فهو الأكثرُ رجولةً واتزان، فميدو تافه وعوض خبيث خائن، أخذت تميل عليه، وتهمسُ بكلامٍ ناعم، ونكتٍ فاضحة، وتستأثرُ به في خلواتٍ حتَّى أسرَّتْ له ما في نفسِها من ضغائنَ تجاهَ القذر، وبعد فترةٍ وافقَ شحته على تأديبِ النَّخاسِ، وفى ليلةٍ مزدهرةٍ بمناخٍ طيِّبٍ وقمرٍ مُنيرٍ، ارتدتْ عباءةً سوداءَ ونقابًا، خرجتْ وفى يدها شومةٌ بطول متر، مغموسةٌ بالدَّم ومطرَّزة بالكباسين، حتَّى خرجتْ خارجَ نطاقِ البلدةِ فوجدتْ شحته يركب على الماكينةِ، ركبت وراءَه، وانطلق ينهب الأسفلت في ضراوة، وهيَ تحزمه بيديها وتُحرِّك يديها في رقَّةٍ، وعندما وصلا إلى محيط الهدفِ، ركنَ الماكينة تحتَ شجرةٍ بجوار النَّهرِ، وذهبَ لشراءِ كيلو حلاوة من محلِّ الحلواني المفتوحِ في الميدانِ، دخلَ وطلبَ كيلو تشكيلة، العمَّال يُرتِّبونَ المحلَّ للإغلاق فترة حتَّى أغلق الجواهرجيُّ المحلَّ، وركب سيارتَه، وسارَ عائدًا إلى البيتِ، انطلق شحته يتبعه حتَّى وصلَ وهو ينزلُ من السَّيَّارة، وهيَ قفزتْ من على الماكينةِ كغزالةٍ، ورفعتْ يدها بالشُّومةِ، وضربته على رأسِهِ، فسقط على الأرضِ، وظلّتْ تضرب حتى تهشمت رأسُهُ تمامًا، وضاعت معالمها، والدَّمُ تناثر على ملابسِها، ولم يُوقفْها إلاَّ شحته، الذي حملَها بيديه القويَّتانِ ووضَعَها على الماكينةِ، وانطلقَ عائدًا وهو يشعر بالخرابِ، وأنَّه ما كان عليه أن يتبع مخبولةً، لبؤةً، شرموطةً، قاسيةً، كان يتصوَّرُ أنَّ الموضوعَ مجرَّدَ كسْرِ رِجْل، أو يدٍ، ولكن تقتل بهذا البشاعة!، و ظلَّ صامتًا، ماذا يقول؟، بنت وسخة شرموطة ضحكت على شحته!، كان يشعرُ بالعارِ أنَّه قنطرة، يشعرُ بالمرارةِ أنَّ امرأة تقتل رجلاً أمامَه، وهو مجرَّد موصَّلاتي، عندما وصلَ نطرَها من على الماكينة في قرف، وانطلقَ دون أيِّ كلمة، وهيَ لم تبالِ؛ فقد كانت تشعرُ أنَّ العالمَ عادَ لوضعِهِ الطَّبيعيِّ، وأنَّها تملكُ نفسَها، مُحرَّرةً، أنَّها استعادتْ نفسَها، وعندما دخلتْ البيتَ، وجدتْ عارف يقعي كقرد لحيم قذر:
كنت فين يا شرموطة؟.
هبَّ ليُكملَ ما خزنه في ذاكرتِهِ فوجدَهَا تُخرجُ الشُّومَةَ من العباية، وترفعها عليه فالتقطها منها، وأخذ يصفعَها بعنف أربكها، وعندما لم تجدْ حيلةً تجاهَ قسوةِ الضَّربِ، بكتْ، فتوقَّفَ عن الضَّربِ ونظرَ إليها في بلاهةٍ، ورأى الدَّمَ متناثرًا على ملابسِهَا، ظلَّ فترةً صامتًا، وهو يُدخِّنُ سيجارةً من أخرى ثم قال بصوتِ راسخ: قومي لمِّي الهدوم .
مسحتْ دموعها في ملابسِها، ثم خلعتْ العباية ووضعتها في فرن البوتاجاز، وغيَّرتْ ملابسَها وجمعتْ كلَّ الملابسِ في بوقجة كبيرةٍ ووضعتها أمامَه، ثمَّ دخلتْ غرفةَ النَّومِ وحملتْ الغلامَ، وهو حمل البقجة، وخرجا من البيت، يلفهما الظَّلامُ والصَّمتُ، وصوتُ خطواتهم على الأرضِ، حتَّى وصلا إلى الطَّريقِ العموميِّ، ووقفا يلتفتانِ يمينًا ويسارًا، في انتظارِ سيَّارةٍ تُقلُّهم للبعيدِ .

 

 

كاتب مصري، القاهرة
abdlnabyfarag70@gmail.com