“كيف فقد جليل ملاكه الحارس في ثلاث خطوات” قصة قصيرة للكاتب المصري جمال مقار

جمال مقار

عندما أصبح له من العمر أربع سنوات ونصف، كان قد أفصح عن طفل عجوز؛ يستطيع أن يدرك جنبات العالم المحيط بعقله، ذلك ما حدا بأمه وبالتالي أبيه إلى الموافقة على ذهابه سيرا وبلا رفيق إلى مدارس الأحد.
في عصر ذلك اليوم ألبسته أمه بنطالا وقميصا حاكتهما بنفسها من بقايا ملابس دور مسرحي أداه أبوه من سنوات طوال.
رأه أبوه واقفا أمامه ممسكا بيد أمه وهو على هذا النحو الذي يبعث على المرح، فانفجر في ضحك مجلجل، ثم مسح شاربه بيده وانحنى عليه قبله وهو يضع في كفه الصغيرة قرشا تعريفة ليضعه في طبق العطاء الذي يمر به في الكنيسة طفل أكبر سنا.
هكذا اندفع سائرا في طريقه لكنيسة (مارجرجس) مصحوبا بنداءات خفية داخلية تصعد من أعمق أعماقه كأنه سيقابل الله نفسه.
بوصوله، هناك، استقبله بدهشة فتى يافع في الخمسة عشر عاما من عمره؛ له سحنة سمراء تدل على منبت صعيدي، وعينان سابحتان في حمى الإيمان، سأله في رفق:
– أ جئت وحدك؟
هز رأسه الصغير، فابتسم له؛ وقال :
– اسمي ميخائيل، وأنت؟
– اسمي جليل.
ازدادت ابتسامته اتساعا وعاود السؤال:
– أجئت من أجل مدارس الأحد؟

مرة أخرى هز الصغير رأسه ايجابا، فقال ميخائيل له:
– طيب، أدخل وانتظر مع الأطفال، سآتي في الحال.

دخل لأول مرة إلى بهو الكنيسة، أدهشته الصور المعلقة على الحوائط لهؤلاء القديسين الأبرار بلحاهم الوحشية المنسدلة على صدورهم، ثم جاءت رعشة وأمسكت بجسده الصغير وهو ينظر إلى الملاك الذي يحلق في الهواء مشهرا سيفا من نارا يتهدد بها وحشا شريرا
.
**
جاء ميخائيل ومعه صور صغيرة مقاس 6 X9 سم سيئة الطباعة، وبدا في توزيعها علي الأطفال، قبل أن يأمرهم بالوقوف لقراءة ( أبانا الذي في السموات) ردد كلماتها التي أحفظتها له أمه، ولما انتهوا، قال ميخائيل:
– اجلسوا.

جلسوا، علا صوته في بهو الكنيسة وحلق بهم سابحا بهم في سموات الأحلام، حكى قصة طفل صغير ذهب إلى مدارس الأحد، وعندما انتهى الدرس، ضل طريقه للبيت، وراح يتخبط في الطرقات، ثم أعتمت الدنيا، وراح يضرب على غير هدى، حتى جاءه ملاك الرب واصطحبه إلى البيت، ومن بين بكاء أمه وفرحة أبيه برجوعه بكى جليل وهو يعيش تلك الميللودراما الشجية، عندها أصر في نفسه شيئا؛ أن يتوه عمدا وهو عائد إلى البيت؛ ليجبر ملاك الرب أن يجئ ويعيده إلى أهله.
هكذا بعد انتهاء الدرس مضى يضرب في الشوارع المتربة شمالا ويمينا منتظرا أن يجيئ ملاك الرب أو أي ملاك آخر، لكن أحدا لم يجئ سوى بعض كلاب ضالة طاردته؛ وكادت أن تنال منه لولا أنه احتمى بمدخل أحد البيوت، حتى خرج رجل في منتصف العمر، رآه واقفا يرتعد من الخوف، سأله:
– ماذا تفعل هنا يا صغير؟
قال له:
– الكلاب تحاول أن تعضني .
أطل فوجد سربا منها واقفا يتسكع، لوح لهم بعصاه، فنبحوه، مال والتقط حجرا، ورمى به إحداها، فعوى بينما اندفعت بقية الكلاب هاربة، عاد إليه وسأله :
– أنت ابن من؟
أجاب :
– ابن جلال.
– آه؛ صاحب المكتبة؟
هز رأسه، التفت ونادى:
– يا شوشو.

جاءت فتاة في مطلع المراهقة، حلوة ولها ضفيرة غليظة تتدلى حتى ردفيها، قال لها:
– خذي الولد وأوصليه لبيته، إنه ابن جلال صاحب المكتبة على ناصية شارع عبد الرحمن محمد، أتعرفينها؟

هزت البنت رأسها، وقالت:
– نعم أعرفها.

أمسكت بيده، كانت الدنيا قد بدأت تعشي، مضى معها، كانت تنظر من وقت لآخر إليه وتبتسم، ثم نحت به نحو شجرة كافور ضخمة، تلفتت حولها ولما أمنت العيون أمسكت كفه ووضعتها على حِرّها فلم يمانع، وأخذت تدعك بها في قوة وتتأوه، بينما بقى جامدا ذاهلا ينظر إليها، ثم ارتعشتْ وندت عنها آهة قوية، بعدها هدأت، قبلته وواصلت المسير، حتى وصلا إلى البيت، وفي المدخل انحنت عليه، رفعته وقبلته، ووضعت كفه على ثديها، وتأوهت مرة أخرى، في تلك المرة أحس بتيار كهربائي يسري في جسده، انتابه خوف قصي وبادر بهمسة باكية، فأنزلته، وقالت وهي تقبله مرة أخرى في خده:
– لا تخف يا مغفل.
بينما ترامى صوت أبيه من داخل الشقة، يقول لأمه:
– كفى عن البكاء والعويل، قلت سأذهب وأبحث عنه.

عندها دقت شوشو الباب بكفها، وما إن رأته أمه حتى قفزت من فوق الكنبة ورفعته في الهواء وعادت تحتضنه بقوة وهي تبكى، بينما سبه أبوه:
– أين كنت يا ابن الكلب؟
لم يجب، بينما حكت لهما الفتاة كيف وجده أبوها.

**

في تلك الليلة، أدرك أن ذلك الميخائيل كذاب وإنه ليس هناك ملائكة ستنقذه أن ضلَّ الطريق سوى تلك الفتاة الملاك، راوده إحساس غامض وهو يرى طيفها متجسدا أمامه في الظلمة المتمكنة، فبحث في أعماق روحه مرارا عن ذلك التيار الكهربائي الذي بعث ملاكه الحارس به من قبل في جسده ؛ لكنه لم يجده .

**

رغم ذلك أصر أبيه أن يذهب إلى مدارس الأحد وحده، شريطة أن يمشي في طريق مستقيمة لا يحيد عنها شمالا أويمينا، وتواكب أن يعارض الشيطان دعوة الرحمن في ذات الموعد الذي يذهب فيه إلى الكنيسة، ففي الخامسة عصرا يخرج عم عبده من محل صناعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة ( الجيلاتي) بعربته البوكس المحمولة على دراجة لها ثلاث عجلات مكتوبا على جنبها:
– شركة آيس كريم عبر البحار لصاحبها عبده وأولاده.
وعلى جنبها الآخر رُسِمَ قرطاسٌ مملوءا شكولاتة بنية وفانيليا بيضاء؛ يسيل خيط منهما على أجنابه، فيسيل لعاب الصبية والصبايا الذين يتحلقون حول العربة وهم يمدون الأيدي بقروشهم القليلة إلى إله اللذة الكامنة في قراطيس البسكويت المعبأة بالجيلاتي.

همس لنفسه: مادام الملائكة غير موجودين فأنا أولى بقرش العطاء.

قبيل الوصول إلى الكنيسة، ترصد وصول العربة، أعطى العم عبده القرش تعريفة، فملأ قرطاسا مسروقا من الجنة بآيس كريم المانجو والفانيليا.

**

عندما مر الولد بطبق العطاء؛ وقف بضعة ثوان أمامه أملا في أن يضع شيئا، طأطئ رأسه أسفا، ثم يَئس الولد جامع العطاء، تركه ومضي لغيره0

هكذا سارت الأمور، حتى وشى به (كريم، ابن جارة لهم) لأبيه، فنال علقة ساخنة، ولم يعد أبوه يعطيه شيئا للعطاء.
**

لكنه بعد شهور من العلقة، استعاد بعض شجاعته التي ذهبت بها الخيزرانة اللعينة، وفي ذلك العصر – قبل الذهاب إلى الكنيسة – وقف أمام أبيه وأطال الوقوف، وحين ضاق الأب بهذه المراوغة وضع في يده قرشين، وقال موصيا بلهجة مسرحية:
– واحد منهما يا ولدي للرب، والآخر لقيصر، فأعط ما لله لله؛ وما لقيصر لقيصر، فاهم ؟

هز الصغير رأسه وابتسم، ومضي مجنحا ليصل إلى ذلك الصندوق المسروق من الجنة، راقب الرجل وهو يسوي أطراف المانجو والفانيليا بسكين الجيلاتي، أخذه منه وأعمل فيه حواسه بأكملها ليصل إلى عمق الإيمان أو إلى طرف من خبره في الجنة الموعودة عبر مذاق الفاكهة الذي يصعد إلى رأسه.
هكذا ظل حينا وفيا لمعادلة الرب وقيصر، لكنه والحق يقال مع الوقت اختل من يده الميزان قليلا، كان من حين لآخر يعطي القرشين لقيصر وحده، وخفض مما ينال الرب من العطايا.
بمضي الوقت أدرك كم هو طيب ومتسامح جدا ذلك الرب البعيد الذي يسكن السماوات العلى، لذلك لم يعد يدفع له شيئا جزاء رحمته، بينما استولى قيصر على القرشين بالكامل مقابل تلك اللذة العابرة.

gamal_z_m@hotmail.com