“الأسرار الأخيرة” للشاعر المغربي خالد الريسوني مقال د. فاضل سوداني

يتحتم على الشاعر الطليعي أن يكتبَ قصيدة الحياة، لأن الشعر في زماننا هذا أمسى ثرثرات عجائز، وهذا يعني عليه أن يكتب ذلك الشعر الذي يؤشر فيه على أسرار الوجود والحياة وقلق الإنسان وحتى يكون شعراً قادراً على تمجيد الحياة وإعلاء جمالها والإشارة الى بؤسها إذا اقتضى الأمر، لذا فإننا نحتاج الى قصيدة تحدثنا عن الأسرار الخفية، ولا بد أن تتوفر لمثل هذه القصيدة ثلاثة شروط مهمة:
1ـ الشعرية: وأعني شاعرية الشاعر الفذة التي تتناول مشكلة الحياة والوجود والتي من خلالها يتوجب على الشاعر أن يعرف سر شعرية الحياة وبؤسها وسعادة الإنسان وبؤسه وأن يعرف أيضاً كيف يعّبر شعرياً عن هذا كله.
2ــ الإيقاعية: وأعني فهم إيقاع الحياة ونبض معاصرتها حتى نستطيع من خلاله أن نقيِّم أزمنتنا كما هي على حقيقتها.
3ــ الخيال: وهي مشكلة شاملة لها علاقة بالإنسان عموماً والشاعر في المقدمة، لأن الخيال هو الذي يجعل وجود الإنسان في الحياة أما هامشياً او فاعلاً.
أن هذه الشروط ضرورية لكل قصيدة وهي متوفرة في ” كتاب الأسرار ” (الديوان الفائز بجائزة ابن عربي الإسبانية) للشاعر خالد الريسوني الذي يكتب الشعر الحقيقي في زمن الرداءة والثقافة العربية الاستهلاكية مما يحتم هذا على الشاعر الذي يعرف كيف يمجد الحياة أن يكتب شعراً لزمن شعري آخر عندما لا يفهم معاصروه معاناته في تأشير شعرية الحياة الآنية.
وهذا ينطبق على قارئ الشعر أيضا إذ عليه أن يقرأ الشعر بنفس وعي الشاعر حتى يستطيع من خلاله أن يعيش وجوداً جديداً وهذا ما يؤكده الشاعر ايضاً:
” كلما دنوتَ من قدرك الحتمي
وجدت نفسك بعيداً عن نفسك “
ويمكن تأويل هذا شعرياً، فكلما كتب الشاعر قصيدته ابتعد عن ذاته، ولكن في ذات الوقت يحتاج الى كتابة قصيدة أخرى حتى يعيد تماسك ذاته من جديد. وكذلك القارئ فكلما قرأ قصيدة ابتعد عن ذاته وهو يحتاج الى قراءة قصيدة جديدة حتى يستطيع أن يرى في مرآة الشعر روحه الشعرية التي من خلالها يفهم شيئا من الحياة او الوجود ويعيد تماسك ذاته من جديد. إذن نحن دائما بحاجة الى الشعر الذي يعيد توازننا في غفلة من الزمان الهارب، لكن أي شعر هذا الذي نحتاجه حقاً؟
مثلا يكتب الريسوني:
” خلفك تسحبُ سماواتِ المنفى،
مواعيد مع أسحارٍ بعيدة،
تراتيل توشي الماءَ
أساطير الغُرْبَةِ القُصْوى
إذ تهربُ نحو أبعاد أخرى
وتتضاعفُ
مثل ألحان لا متناهية لعالم لا تخمُد جذوته،
اغتيالاتُ بساتين الزيتون
تحت أعين الفجر،
حدائقُ رغبات تتألقُ
وأنينٌ ليليٌّ ما بين الجذوات.
وفي العتمة تتيه نظراتك العارية
وهي تمحو أسرار المياه الأسيرة.
أنت النهرُ. وليلك هندسةُ
قبورٍ وبروقٍ ووَهَداتٌ.
أحيانا يُشرعُ لك العمى خطوةً
نحو تخومِ الضوءِ،
لكنه لا يوقظ سماءك المتواطئة:
قبة زرقاءُ بلا نجومٍ، بلا أجنحةٍ وبلا أفقٍ.”
هذه الشاعرية بخيالٍ ساحر ٍ يمكن أن تؤشر على ذلك السر الذي يكشفه الشعر والذي أعنيه، لكن أي سر هذا الذي من خلاله نقبض على الزمن الهارب والذي يمتلك القدرة على إلغائنا دائماً أو تدميرنا؟ وبمعنى آخر ما هذه الأسرار التي يقلقنا الشاعر الريسوني بها؟ ولأهميتها يجعلها الشاعر عناوين لقصائده مثل:
“أسرار ما بعد النسيان، أسرار كلمات الروح، أسرار النزيف، أسرار الصمت، أسرار الحجر، أسرار السقوط، أسرار الشاهد، أسرار الغياب، أسرار الجحيم” وغيرها من الأسرار التي تكوّن جوهر شعر الريسوني في ديوانه “كتاب الأسرار”.

 

 

الشاعر خالد الريسوني

وهنا يكون من الضروري على الشاعر أن يحدثنا عن هذه الأسرار التي من خلالها يكشف لنا بعضا من سر الحياة والأحلام والوجود وقلق الإنسان. وبما أنه شاعر حر فمن حقه أن يحاكم النجوم والأقمار والليل والنهار وأن يسمع لحن الكون الذي لا ينتهي منفرداً، ولكن من حقنا أن نسأل السؤال الأكثر جوهرية:
هل يمكن للشاعر أن يعيد ترتيب الوجود شعرياً إذا علمنا بأن الشعر له علاقة دائما بالزمان؟
وحقيقة الأمر يمكن القول بأن شعر الريسوني له علاقة بالمفهوم الزماني ـ المكاني (الزمكان) وبهذا فإن الشعر يشكل المنفى الأخير للشاعر إضافة إلى علاقته بالوجود النقي والحرية القصوى لأن الشاعر:
” يمضي عبر المجرات حراً طليقاً من هذا العالم
ومن وعد فردوس ينأى أحياناً
ويغدو مستحيلا أغلب الأوقات”
وهذا يعني أن الشاعر يعوف ذلك الفردوس الذي يحلم به الإنسان دائماً، لأنه يبحث عن الحرية أولاً وعن الفردوس غير المزيف ثانياً، مما يؤدي به إلى أن يرفض الوجود المزيف في الحياة وفي هذا يكمن هدف القصيدة وهدف الشعر، فهو كشاعر لا بد أن يؤسس وجوداً جديداً، لأن الإنسان عموماً وبالذات الشاعر يسأم وجوده المزيف.
إن “كتاب الأسرار” للريسوني يمنح القارئ شيئا من الفرح وبهجة الحياة، فالشعر لا بد أن يبهجنا عندما يكشف لنا الأسرار الغامضة في الحياة، تلك الأسرار التي تقلق الإنسان. وأنا على يقين بان شاعرا مثل الريسوني لا بد أن يعود يوما من غربته الذاتية ليحاكم التواريخ والأسماء كما يتمنى هو. ولكن هنالك هواجس قد تحولت الى كوابيس لا تقلقه في الليل فقط وإنما في النهار أيضاً لدرجة أصبحت جزءا من وجوده الشعري والحياتي:
” أتخافُ عودتك إلى الفراغ؟
أن يأخذك نحو ضفافٍ
حيث يرقصُ الموتُ
وحيث تخفقُ جذورُ حزنك.
في عزلتك تطلقُ أسماء في الهواء،
في مهب الريح الكثيفة
تسمَع همساتِ الحدائق،
موسيقى الريح التي تبكي منفاكَ
وهي تعبرُ فضاءاتِ خوفِكَ،
دوارُ ظلالٍ ملتبسة
أبعدَ من النسيان،
لكن الشاعرَ فيكَ يمضي مع ظله
نكتشف هنا بأن هذه الهواجس أصبح لها وقعٌ وجوديٌّ إذ لا بد للشاعر أن يخاف الفراغ الذي يعني فقدان الشاعرية أو الديناميكية الشعرية حيث يتحول فيه الشاعر الى طبل صفيح، ولكن يكون أكثر مأساوية عندما يقود الفراغ الشاعر الى ضفاف مرعبة يرقص فيها الموت، هنا تبدأ مأساته فيكون معزولاً ووحيدا ويطلق أسماء وهمية في الهواء تحملها الريح لتتحول بعد ذلك الى همساتٍ تعزّي الشاعر وهو في منفاه حتى وإن عبر فضاءات الخوف.
لكن الشاعر هنا ليس وحيدا حيث يرافقه ظله الشعري وهو ذاته الشعرية وهي الحصانة التي تُدخل الشاعر في فراديسه الشعرية، فيصبح الإبداع هو المنقذ أمام قسوة الزمن الهارب والموت.
إن كل هذا التأويل الشعري قد يثقل الشاعر بمهمة وجودية معقدة ولهذا يمكن الإشارة إلى الرومانسية الشعرية التي نلمسها في شعر الريسوني أيضا وأعني الإحساس برومانسية الحياة التي تتحول إلى قدر مفروض يجب أن يعاش.
إضافة الى كل هذا فإن القارئ سيشعر بجزالة الكلمات والكثافة الشعرية للمفردات التي يستخدمها الريسوني مما يعني تميزه كشاعر يحمل الكثير من التفرد.
عندما كنت أستمتع بقراءة “كتاب الأسرار” كان أندريه جيد وخاصة كتابه “قوت الأرض” يغزو ذاكرتي حيث يمكن أن نكتشف بأن هنالك تقارب في الإحساس بإيقاعية الحياة. وبهذا نطلب من الشاعر أن يعلمنا الحكمة والقدرة على الكشف حتى يمكننا أن نُغّني وجودنا.