“قراطـيس” فصل من رواية جديدة للكاتب الليبي محمد الأصفر

محمد الأصفر

كان الفصل خريفا، والرياح نشطة قليلا، لكنها ليست عاتية، أوراق شجر مبعثرة، هنا وهناك، دوّامة هوائية نرقبها تقترب، من مكان جلوسنا في الحديقة، ” غطي عيونك يا ولد”، غطيت عيني بكفي، وأحنيت رأسي إلى صدري، كما أمرني أبي، مرت بنا الدوامة، ومضت مبتعدة، رافعة معها إلى السماء، مخلفات متنوعة من أوراق شجر وأكياس بلاستيك وأكواب ورق وحتى أعقاب سجائر ، لكن ملزمة جريدة من ثمان صفحات، لم تواصل ارتفاعها الحلزوني، مع ما خطفته الرياح ، وسقطت وكأنها مظلة، في حضن أبي، الذي احتضنها، ونفضها من الغبار، وأعاد تسويتها .
– هل تعرف تقرأ الجريدة ؟ . لم أجبه، لأني لم أقرأ جريدة أو مجلة من قبل .
أضاف أبي :
– الحروف هي الحروف، كما في كتبك المدرسية، وكما في المصحف الشريف .
مدّها لي مشجعا :
– حاول أن تقرأ يا ولد، أنت الآن متعلم، ونجحت في الصف الثاني الابتدائي ، هيا يا رجل أمسكها جيدا، وانتبه للرياح، لئلا تمزقها من يديك، بهبّة فجائية.
كنا جالسين في حديقة سيدي حسين، و كانت الجريدة اسمها الحقيقة، لم أجد صعوبة في قراءتها، قبل دخولي الابتدائي، كنت قد درست عامين في الجامع، تعلمت فيهما القراءة والكتابة، وحفظت فيهما سورا عديدة من القرآن الكريم .
قرأت له العناوين الرئيسية، كلها سياسة، جمال عبدالناصر، أمريكا، الاتحاد السوفييتي، ، ولكن في الصفحة الخلفية، قرأت له أخبارا فنية عن أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ ، وناظم الغزالي، و عن فيلم لسميرة توفيق، وفهد بلان وأغنيته ” ويلك ياللي تعادينا، ويلك يا ويل، خلي النار تلاقينا في ظلام الليل، حنا للسيف وحنا للخيل، وحنا لليل الخ “، كان أبي مبتهجا وأنا أقرأ له الأخبار الفنية، وعابسا وأنا أقرأ له الأخبار السياسية، وعندما مرت عربة الجولاطي، (الآيس كريم )، اشتري لي منها علبة، مكافأة على قراءتي للجريدة، وطلب مني أن أعيد قراءة الخبر الخاص بالمطربة سميرة توفيق، ذات الخد الذي به نقطة سوداء، كنت قد ظننتها نقطة حبر، فحاولت أن أزيلها بإصبعي، بعد أن بللته بلعابي، لكن أبي نهرني، توقف ماذا تفعل ؟ هذه من عند ربي .
كانت تلك أولى علاقتي بالقراءة غير المدرسية، من يومها، بدأت ملاحقة الورق المطبوع، أقرأ بنهم أي كتاب أصله، حتى وإن لم أفهمه، عندما يعود أبي في المساء، أقرأ له شيئا غير مدرسي، قصاصة جريدة، أو صفحة مقطوعة من مجلة، بدأت أتعامل مع أوراق الجرائد، وأوراق المجلات المرمية في الشوارع، تعاملي مع كسر الخبز، من حيث الاحترام والتقدير وحب النعمة، غير أن كسيرات الخبز، أمنحها ميزة خاصة، فعندما أجدها في طريقي، أقبّلها وأمسح بها جبهتي، ثم أضعها في مكان نظيف، أو أضعها أمام حمار أو حصان أو خروف، ابتسم راضيا عندما يأكلها الحيوان، ويهزهز رأسه سعيدا، وإن لم يأكلها واكتفى بشمّها فقط، فلا أغضب، ربما ليس لديه شهية الآن، أو إن كسرة الخبز رزق حرام، فلا أبن حلال يرمي النعمة في الشارع .
رياح الخريف جعلتني أقرأ، وصار أبي يأتي بأوراق جرائد، وأوراق مجلات للبيت، يطلب مني قراءتها، عادة ما كان يتتبع الصور، ماذا يقولون هنا ؟، كنت أقرأ له كلمات بنطق صحيح، لكن دون فهم لها، وعندما أتجرأ وأطلب من أبي أن يوضح أو يشرح لي معنى الكلام، يقول لي عندما تكبر ستفهم، كل هذه التفاحة والبرتقالة والموزة، واشرب الحليب حتى تكبر، ويضيف غدا جمعة، سنذهب إلى السينما معا، أفرح كثيرا، وأجهز نفسي بعد العودة من صلاة الجمعة، وتناول كسكسي الغداء، أجلس أمام البيت، منتظرا أن يستيقظ أبي من غفوة القيلولة، اسمع صرير باب غرفة النوم، ثم صرير باب الحمّام، فابتسم راضيا، وبعد أن يخرج أبي من الحمام، يقول لي هل ستنتظر حتى أصلي العصر، ثم نذهب، أم أن الصلاة على محمد ؟، ولنذهب إلى السينما الآن، فالفيلم جديد، وأكيد سيكون هناك زحمة، أقول له : صدقت الصلاة على محمد، هيا بنا، وأركض أمامه، وهو يجري خلفي صارخا، احذر، الشارع حفر، قد تسقط، فتنقطع رقبتك، أقول له لا تقلق، لا تخف، أنا بطل .
نحجز تذكرتين، ونشتري قراطيس زريعة وفول سوداني، يفرغ أبي القراطيس في جيب سترته، ويعطيني حفنة منها، لا يرمي أوراق القراطيس، التي عادة ما تكون من أوراق مجلات قديمة، أو كتب رخيصة السعر جدا، أو كتب المنهج المدرسي للعام الماضي، أو كراريس مدرسية، مصححة من المعلم، مع تعليق ممتاز مع الشكر، أو جيد ، أو ضعيف أرجو الاهتمام بالواجبات، فبينما نجلس في الصالة قبل بدء الفيلم، نستمع لأغنية أم كلثوم، يطلب مني أبي قراءة المكتوب في القراطيس، كلما انتهي من قراءة قرطاس يرميه ناحية سلة المهملات في الركن، وإن أعجبه المكتوب في القرطاس، فيحتفظ به في جيبه، وحين نخرج من الفيلم، نمر على بائع المكسرات، فيختار أبي قرطاسين أو ثلاثة، من نفس شكل ورقة القرطاس الذي احتفظ به، يقول زريعة وكاكاوية لأمك، وتقرأ لي بالطبع المكتوب في القراطيس، أريد أن أعرف بقية القصة، أو على الأقل المزيد منها .
في غرفة أبي مقطف كبير، يحتفظ فيه بكل القراطيس الفارغة، التي أعجبه المكتوب فيها، كل ذهاب إلى السينما، نعود ببعض القراطيس، بعضها يتحدث عن التاريخ، أخر عن السياسة، وأخر عن الفن والرياضة، أحيانا نحضر قراطيس جديدة، ويطلب مني أبي أن أضعها، مع القراطيس الشبيهة لها في المقطف، أحيانا أقول لأبي ما دمنا قد عرفنا موضوع المكتوب في هذه القراطيس، لماذا لا تذهب إلى المكتبة وتشتري الكتاب ، الذي به كل أوراق القصة، يقول لا أرغب في ذلك، فأنا لا أقرأ ولا أكتب، وتعجبني هذه الطريقة في جمع المعرفة، أشعر أنها هوايتي المفضلة، من خلال ما تقرأ لي اكتسبت ثقافة جيدة، صرت ملما بكثير من الأحداث في الماضي والحاضر، نصوص متقطعة ناقصة تقرأها لي، أجمع ما ضاع منها مع الأيام، صار لدي هدف من حياتي، سبب يبقيني نشطا حيا، لا شيء أجمل من الركض خلف المعرفة، باعة المكسرات لن يتوقفوا عن تمزيق الورق، ونحن لن نتوقف عن الشراء منهم، حبا لمكسراتهم اللذيذة، وحبا للمعرفة بالطبع، بل وإنقاذ لها من العدم .
ذات مرّة سألت أبي، لماذا يمزقون الكتب، لجعلها قراطيس للزريعة ؟، أليس هذا حرام ؟، قال أبي : هل تتذكر الخبز المرمي في الشوارع، الذي نجمعه ونقبّله ونمسحه على جباهنا، ونركنه في مكان نظيف، أو نطعمه للحيوانات ؟ . قلت له : نعم . قال : الورق مثل الخبز، لا يعبث به إلا كافر بالنعمة .
في المقطف بعض القراطيس الممزقة من كتب دينية، كلام عام لكن بين طياته هناك آية قرآنية، أو حديث شريف، أو نص من الإنجيل أو التوراة، أو اسم أحد الأنبياء أو المرسلين، هذه النوعية من القراطيس، يهتم بها أبي بحرص، فعندما يجمع منها كميّة لا بأس بها، يستغفر الله، ويصلي، ثم يرميها في الموقد المشتعل، يقول أكيد بائع المكسرات لم ينتبه للمكتوب فيها، ولعله مثلي لا يقرأ ولا يكتب، ما كان يجب أن يستعمل ورقا به اسم الله لتغليف سلعته .
مات أبي وورثت عدة المقطف، به مجموعة هائلة من قصاصات القراطيس، ذات مرّة عرضتها في معرض خيري، فلاقت إقبالا كبيرا من الزوّار، كنت جالسا إلى جانب بضاعة أبي القديمة، حرصا عليها، وشارحا للمطلعين نبذة عنها، تاريخ وأماكن جمعها، محتواها،، الذكريات والأحداث السياسية التي صاحبتها، أكثر من شخص مهتم طلب شراءها، لكن رفضت، قلت لهم إنها حياتي، حياتي عبارة عن قرطاس قرأته لأبي، بعد أن تشاركنا فيما يحتويه من طعام، هذه المجموعة من القراطيس، جمعناها عشية حضورنا فيلم سبارتاكوس، وتلك عشية حضورنا فيلم طرزان، والأخرى فيلم زورو ، والأخرى هرقل، وتلك المجموعة جمعناها من المدينة الرياضية، يوم مباراة الأهلي بنغازي والأهلي الطرابلسي، أما هذه الجريدة التي بها صورة المطربة سميرة توفيق، فهي أول ورقة قرأتها له، مازلت أذكر محاولتي لمحو الخال الذي على خد سميرة، بسبابتي المبللة، كنت أظنه بقعة حبر لوثت بياض الرب، فأردت أن أزيلها بإصبعي، غير أن أبي أمرني أن أترك خال الجمال هذا وشأنه ، قائلا : إنه من عند ربي .
كل قرطاس في مقطف أبي، يحمل ذكرى جميلة لي، عندما مات أبي، توقفت عن الذهاب إلى السينما، توقفت عن شراء قراطيس الزريعة والكاكاوية والحمص والفستق، وبعد أمدٍ ليس بالطويل، اختفت القراطيس الورقية ، من فوق العربات، لم يعد باعة المكسرات يستخدمونها كعبوات، صاروا يضعون سلعتهم، في أكياس بلاستيك، مقفلة بطقتي دبّاسة .
أكياس بلاستيك، باهتة عمياء، لا كتابة عليها، يصير شكلها قبيحا، عندما تفرغ من الزريعة، و حينما ترميها، لا تحملها الرياح في رحلة عشوائية، كما القراطيس، إنما تدفعها نحو نباتات شوكية، فتتعلق بها زمنا طويلا، حتى تأتي نار ما فتحرقها، ما هذه الرائحة النتنة التي نشمها يا أمي ؟،رائحة بلاستيك يحترق، أقفل النوافذ جميعها يا ولدي ، وها أنا سأضع بخورا في المبخرة . وتفوح أرجاء البيت، بعطر طبيعي عبق، لا يجعلك تعطس أو تكح .
جلبت من القرطاسية، مجموعة اضبارات، وبدأت في فرز القراطيس والقصاصات، لم يعد المقطف لائقا بهذه الثروة، لابد من تبويبها، وترتيبها، وحصر ما ينقصها كي تكتمل، ذات يوم، إن عادت القراطيس إلى العربات من جديد، وإن اتبعت هواية وهوى أبي، قد يكون لدي ابن قريبا، وسيكبر، وسأطلب منه أن يقرأ لي، بصري حاليا ضعيف، حتى بالنظارة أجد صعوبة في القراءة، وضعت الإضبارات في المكتبة، ولا أفرغها في المقطف، إلا عندما يكون هناك معرض، وتتم دعوتي للاشتراك فيه بمقطف أبي، فأعيد سكب كل القراطيس والقصاصات في المقطف، وأحمله معي للعرض، وحين الانتهاء، أعيد كل المواد، إلى أماكنها في الاضبارات .
عمل متعب لكنه ممتع ومسلٍ بالنسبة لي، يشعرني بوجود أبي إلى جانبي، ويعيشني ذكريات ما كنت سأعيشها، لولا حضور هذه القراطيس، وما تحتويه من قصص وأخبار وتاريخ .
بيتنا على شاطئ البحر، يمينه المنارة، ويساره الميناء، وأمامه الكورنيش، حاول الكثير من سماسرة العقارات شراء البيت من أبي، لتحويله إلى مطعم سمك فاخر، أو فندق، أو سوبر مارك كبير، لكن أبي رفض أن يبيع، وبعد وفاته أعادوا الكرّة معنا نحن ورثته، فرفضنا التفريط في إرث الجد، سنمنحكم بدلا منه فيلا في حي الدولار، أو حي طابلينو، أو مزرعة في القوارشة، مع مبلغ مالي محترم، لكن واصلنا رفضنا، حاولوا إرهابنا بطرق أخرى قذرة، لكن صمدنا أمامها، ولم نتزحزح عن موقفنا برفض البيع، قال أبي ذات يوم، لن نفرط في هذه العتبة المباركة، الأرض هبة من الشيخ خريبيش أب بني غازي، وهذا هو الطابو محفوظ في قرطاس من جلد الغزال، وحين أتحاور مع أبي بحرية، وأقول له كل جيراننا تركوا المدينة القديمة، وانتقلوا للعيش في الفويهات وطابلينو والقوارشة وبوعطني، فلماذا نبقى نحن هنا، وكل بيوت جيراننا تحولت إلى متاجر ومطاعم وبنوك ومقاهٍ وفنادق، كيف يمكنا أن نعيش دون جيران ندخل إلى بيوتهم، ويدخلون إلى بيتنا، وكان أبي يبتسم ويقول، جارنا سيدي خريبيش، والمنارة، والميناء، وهذا الكورنيش الطازج، لن نفرط في هذا البيت، من أجل المال أو الذهب، هذا المكان بالنسبة لي هدية من ولي صالح، والهدية لا تباع، وعندما ينظر إلى قراطيسه ويتفحصها، ويبتسم لبعض منها يقول لي، لو أتى من يطلب أن يحوّل هذا البيت إلى مكتبة، فربما سأوافق، الكلمة الطيبة لا ترد لها طلبا، لكن لم يأتي أحد، ليطلب ذلك، كلهم يريدون البيت لمشاريع أخرى، تبدأ بهدمه واجتثاثه من جذوره، وسكب الخرسانة المسلحة في جوفه، والارتقاء به بغباء ووقاحة ودون خجل أمام بحر لا عظيم متناهٍ، ومنارة تضيء وتسخر، مشاريع لكسب المال، وليس لعيش المعنى . فلتعتبر هذا الأمر أمنية لي، لم تتحقق إلى الآن، وستتحقق ذات يوم، فمثل هذه الأحلام النبيلة، لا تخذل أصحابها .
لم أترك أمنية أبي في تحويل البيت أو جزء منه إلى مكتبة، فكان لزاما علي أن أستقيل من وظيفتي في التعليم، كي تمنحني البلدية ترخيص فتح مكتبة، وتمنحني سلطات المرافق الهندسية، موافقة على تحويل الدور الأرضي من بيت سكني إلى مرفق خدمي نشاطه الكتب، لم يكن ينقصني المال لتنفيذ المشروع، فأمي منحتني كل ذهبها، لتحقيق أمنية أبي، وهناك في البنك عدة آلاف من الدنانير في حساب أبي، أما الكتب فعلاقاتي مع مكتبات ومطابع ودور نشر المدينة جيدة، وسأتزود بما أحتاج منهم، بسعر رخيص، يصل إلى سعر التكلفة فقط .
اتفقت مع مهندس صديق، على تنفيذ المشروع، بناء وتأثيث معا، هو تبرع لي بجهده مجانا، حيث يعتبر خدمة الكتب واجب مقدس، لا يمكنه أن يتقاضى عنه مالا .
وبعد بضعة شهور افتتحنا المكتبة في حفل، حضره كل مثقفي المدينة، الأحياء بأجسادهم، والأموات بكتبهم وأرواحهم .

كاتب ليبي مقيم في ألمانيا