تؤمريٌ قبيضٌ لا يضيقُ به إلا فظٌ نقيضٌ نص للكاتب المغربي جمال خيري

بعض من رسالة:

تؤمريٌ قبيضٌ لا يضيقُ به إلا فظٌ نقيضٌ 

(الْمِلَّةُ التَّوْحِيدُ لَا التَّمْجِيدُ، لَا الْوَعْدُ وَلَا الْوَعِيدُ)

جمال خيري

أَخِي يَا الْحَبِيبُ الْمُحَمَّدُ، عَلَى رِسْلِيَ أَسْتَرْسِلُ، فَتَأَبَّطْ قَلْبَكَ هَوِّنْ عَلَيْكَ…
تُمْطِرُ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، كَأنْ غَايَتُهَا أَنْ يُصْبِحَ قَلْبِيَ صَحْرَاءَ يَتَشَرَّبُ خَيْرَهَا لِيَفِيضَ بِالْغَمِّ أَكْثَرَ، أَوْ لِأَنْ يَتَبَخَّرَ، وَأَعُودَ غَيْثَا غَثِيًّا. لَقَدْ تَعِبْتُ، يَا حَبِيبِي، مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا. وَلَا أَظُنُّ أَنَّنِي فِي اْلآخِرَة، مِثْلَمَا وَصَلَنِي الْحَدِيثُ عَنْهَا، سَأَكُونُ بِالْخَيْرِ الْوَفِيرِ؛ لِأَنَّنِي لَا أَرِيدُ الْحُورَ عَيْنَا وَلَا الْخُمُورَ وِدْيَانَا… أُرِيدُ، لَا غَيْرَ، الْحُرِّيَةَ الْمُحْتَرِمَةَ لِلْحَيَاةِ، وَأَمَّا الْمَوْتُ فَنِهَايَةٌ، مِثْلَمَا مَا تَزَالُ أُمِّيَ الْعَجُوزُ تُرَدِّدُ: “الْمَوْتُ عَلَيْنَا حَقٌّ، يَا كَبِدِي”. وَلَقَدْ حَاوَلْتُ الْقَصْرَ، وَمُنْذُ النُّعُومَةِ، لِكَيْ تُصْبِحَ “فَعُولُنْ” “فِعْلٌ”، وَلَمْ أَظْفِرْ. وَكُنْتُ، صَغِيراً، أَتَوَارَى عَنِ الْأَنْظَارِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، لَا مِنْ خَزْيٍ وَاسْتِحْيَاءٍ، لَا لَا… لَمْ أَكُنْ خَجُولاً، وَلَكِنْ مِنْ قَرَفٍ وَضَجَرٍ. صَغِيراً تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْمَوْتَ بُعْدٌ مِنْ قَدَرٍ يَرُومُ كَعَوْدٍ إِلَى حُرِّيَةٍ صِرْفٍ عَبْرَ بَعْثٍ فِي نَفْسِ الْحَيَاةِ بِسِيمِيَاءَ أُخْرَى. وَلِهَذَا، وَعَسَى أَنْ يَذْكُرَنِي قَلْبُكَ بِالْخَيْرِ، كَتَبْتُ إِلَيْكَ يَوْماً، قُلْتُ: إِنَّنَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ نَمُوتُ كَيْ نَسْتَمِّرَّ فِي عَوْدِ الْحَيَاةِ. أَ تَذْكُرُ؟ أَوَ تَذْكُرُ، يَا الْحَبِيبُ؟
“الْحَيَاةُ الَّتِي نُمَجِّدُهَا جَامِدَةٌ وَالْحَيَاةُ الَّتِي نَؤُسُّهَا يَابِسَةٌ” قَالَتْ نُورَانُ، فَتَذَكَّرْتُ بِرَنَّاتِ صَوْتِهَا، الَّتِي تُشْبِهُ أَجْرَاسَ السَّقَّائِينَ بِالْقِرْبِاتِ وَزَرْكَشَةَ كُسْوَتِهِمْ وَضَجَّةَ الْعِطَاشِ حَوْلَهُمْ، فِي سَاحَةِ السَّرَاغِنَةِ بِمَدِينَةِ الْمَسْقَطِ، حَيْثُ كُنْتُ أَسْهُو أَحْيَاناً لَهْواً مَعَ بَعْضِ الْأَتْرَابِ بَيْنَ صَنَابِيرِهَا وَأَقْوَاسِهَا وَأَشْجَارِهَا. كُنَّا نُعْجَبُ بِسُلُوكِ قَزَمِهَا مَاسِحِ الْأَحْذِيَةِ، وَنَتَعَجَّبُ مِنْ مُصَوِّرِهَا الْمَائِيِّ، وَكَيْفَ بِسِحْرِ الْمَاءِ كَانَ يَخْطِفُ خِلَقَ النَّاسِ دُونَ الرُّوحِ فِيهَا. وَكَانَا دَوْماً يَشْتَغِلَانِ بِبَعْضِ التِّبْغِ بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ، وَبِعَيْنٍ نِصْفِ مُغْمَضَةٍ بِالدُّخَّانِ.
مِنَ الْمَاءِ نَأْتِي، كَسَمَكٍ يَرْمِي بِهِ الْبَحْرُ فِي سَبِيلِ غَايَةٍ مُبْهَمَةٍ؛ فِي الْبَدْءِ، سَائِخِينَ فِي السُّخْدِ، نَتَنَفَّسُ نُخْطَ الْمَشِيمَةِ، يَلْفِظُنَا بِمَخَاضِهِ الرَّحِمُ، إِذْ يَزْدَحِمُ، إِلَى طَلِيقِ هَوَاءِ الشِّيمَةِ. وَلَسْنَا، مِثْلَمَا نَعْلَمُهُ بِالْجِبِلَّةِ، بَرْمَائِيِّينَ، بَلْ نَحْنُ مُرْغَمُونَ، يُرَوِّضُنَا الْهَوَاءُ فَنَرْضَى بِالْهَبَاءِ. وَنَزْحَفُ كَأَنْ مِنْهُ نَسْتَوْحِي، نَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فَنَقْتَاتُ مِنْه بِالسَّحَا، ثُمَّ نَسِيحُ حَسَارَى يُكَنِّفُنَا التُّرَابُ. وَالتُّرَابُ بَرُّ الْمَسْقَطِ، مَسْقَطِ الرَّأْسِ وَالنَّفْسِ، وَتَطَوُّرُ الْغَضَارِيفِ عَبْرَ التَّعَظُّمِ؛ طِيناً نَصِيرُ، مِنْهُ أَتَيْنَا فَإِذَنْ إِلَيْهِ نَعُودُ. لِحَظِّنَا، فِي بَدْئِنَا ذَا، كَثِيرُنَا يَسْتَسْلِمُ لِدَوَامِ النَّوْعِ، وَإِلَّا كَانَ الْفَنَاءُ الْعَظِيمُ (عَدَمُ الْإِنْسَانِ!) بِالاِخْتِنَاقِ. وَكَأَنْ “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْمَاءُ” نَبَّهَتْنِي نُورَانُ بِاغْرِوْرَاقِ قَلْبِهَا السَّلْسَبِيلِ، وَأَمَّا مُقْلَتُهَا فَبِالنَّزِيفِ كَانَتْ قَانِيَّةً، هَدَتْنِي إِلَى عُنْصُرِ النَّارِ؛ مِنْهَا النُّورُ كَمَا الْحَرَارَةُ الْمُحْرِقَةُ.
وَإِذَنْ، فَأَمَّا النَّارُ، أَخِي الْحَبِيبُ، فَفَحْوَاهَا ذِي الرِّسَالَةُ. وَسَوْفَ أَطْرُقُ بَالَكَ بِهَا ذَاتَ فَجْرٍ، مُنْتَخِياً حِصَاناً قَدْ يَزِفُّ دُونَ جَنَاحٍ، فِي حَرْقِ سُعْفَةٍ، أَعُودُ بِكَ إِلَى رَيَعَانِ بَابِكَ لِلصَّلَاةِ فَجْرَ الْآتِي… أَرْجُوكَ أَنْ تُمْهِلَنِي يَقْظَةَ الصِّغَارِ (أَقْصِدُ بُلُوغَهُمُ التَّعَقُلَ). وَسَوْفَ نَمْضِي مَعاً لِنُصَلِّيَ هُنَاكَ قِبْلَةَ الْأُولَى… لَسْنَا بِحَاجَةٍ إِلَى جَوَازٍ. بَلَى… الْأَرْضُ أَرْضُنَا، وَلِلْغَاشِمِ أَنْ يَتَسَلَّطَ بِالْحَدِيدِ وَالنَّارِ، أَوْ يَفْقَأَ بُؤْبُؤَ الشَّمْسِ، أَوْ يُطْفِئَ فَنَارَاتِ دَرْبِ التَّبَّانَةِ فَيَضِيعُ بِنَا الْحِصَانُ فِي ضَمِيرِ الْقُبَّةِ حَيْثُ الثُّقُوبُ السَّوْدَاءُ تَتَشَبَّهُ بِالنَّيَازِكِ غَامِزَةً وَتُخْفِي كُلَّ أَجْرَامِ الْمُرُورِ. وَبِالتَّسْوِيفِ قَدْ تَقْرَأُ خَيْبَتِي اللَّذِيذَةَ: سَوْفَ تَقَعُ الْأَجْسَادُ عِنْدَ الْحُدُودِ، لَا مَحَالَةَ… وَلَكِنَّنَا سَنَكُونُ أَحْرَارَا. أَحْلُمُهَا، مَا أَزَالُ، مَسِيرَةً دُونَ حَجَرٍ أَوْ خِنْجَرٍ. أَحْلُمُهَا عَوْدَةً دُونَ جَوَازٍ إِلَى الْبِدَايَةِ. أُحَبِّبُهَا إِلَيْكَ، هَذِهِ النَّارُ، أُسِرُّكَ بِهَا وَأُطَيِّبُ نَفْسَكَ. “وَلَا يَفُلُّ حَدِيدَ النَّارِ إِلَّا حِدُّ النَّارِ”؛ وَهُنَا قَدْ تَرَانِي أُقَبِّلُ أَخْمَصَ نُورَانَ وَأَسْمَالَهَا الْحُسْنَى. وَلَا بَأْسَ إِلَّمْ تَصِلِ الرِّسَالَةُ. لَقَدْ اشْتَدَّتْ وَطْأَةُ الْجَهْلِ بِالْأُمِّيَةِ وَلَقَدْ أَعْمَتْنَا الْجَهَالَةُ بِمَا ذَرَأَ وَبَرَأَ مِنَ الأُمْنِيَةِ. نَسِيرُ بِالْتَّنْدِيدِ الْقَهْقَرَى، وَلَسَوْفَ تُرَدِّدُ فِلْذَةُ قَيْدِنَا: قُدِّرَ (أَيْ دُونَ قَصْدٍ أَوْ تَدْبِيرٍ مِنْ أَحَدٍ) مَا جَرَى.
بَرَاعِمُ الْغَدِ الْجَمِيلِ تَنْتَحِرُ غَدْراً بِسُمِّ الشَّهَادَةِ، بِاسْمِ سَلَفٍ لَمْ يُعَلِّمْهَا مَعْنَى – بَلْ هَدَّمَ فِي مِخْيَالِهَا مَبْنَى – الْحَيَاةِ وَالْحُرِّيَةِ، وَقَيَّدَهَا بِعَوْدٍ سَقِيمِ الْأَبَدِيَةِ إِلَيْهِ. لَمْ يُسْعِفْهَا بِأَنْوَارِهِ بَلْ بِجَلَالِ دَيَاجِيرِهِ؛ بِحَاضِرٍ مُفْتَقَدٍ شَاهِدٍ، وَجَهْلٍ مُتَجَذِّرٍ سَائِدٍ، وَمُسْتَقْبَلٍ شَائِكٍ مَلْغُومٍ بِضِدِّهِ… يَتَسَاءَلُ الْفَتِيُّ الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيْهِ عَلَى الْهَزِيمَةِ وَالْبَهْدَلَةِ: هَلْ فَتَحَهَا فِعْلاً صَلَاحُ الْبَطَلُ؟ أَمْ هِيَ سِيرَةٌ عَجَائِبِيَّةٌ كَسِيرَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ابْنِ الْأَمِيرَةِ ذَاتِ الْهِمَّةِ؟
وَأَنْظُرُ مَيْمَنَةَ الْمُهْجَةِ فَأَرَى رَاحَةَ نُورَانَ بِخَطِّ الْقَلْبِ وَرُمُوزِ الْحِنَّاءِ تَتَعَلَّى الْمِعْصَمَ، تَغْرِسُ نَوَّارَ الْمُبْتَغَى، تَسْقِيهِ نُورَ حَيْضِهَا وَفَيْضَ جَنَانِهَا الشَّفَافِ. أَحْيَاناً أَبْكِي، أَوْ رُبَّمَا كَثِيراً، وَلَكِنْ مِنْ فَرْطِ الْفَرَحِ… يَنْقُصُنِي قَمِيصٌ وَذِئْبٌ كَيْ أَكُونَ رَقَّاصاً بَيْنَ الْجُبِّ وَالْقَبْوِ، وَأَمَّا الْإِخْوَةُ فَكَيْدُهُمْ عَظِيمٌ، وَأَمَّا عِجَافُ الصِّبَا فَبَعْدَ نِصْفِ قَرْنٍ وَبِضْعٍ لَمْ تَتْبَعْهَا أَبَداً إِلَّا الْعِجَافُ بِالتَّتَالِي، سَبْعَا بَعْدَ السَّبْعٍ، لِهَاذَا تَتَبَصَّرُنِي أَضْرِبُ بِأَسْبَاعِكَ أَسْبَاعِي، فَلَا أَخْمَاسَ لَنَا وَالْأَسْدَاسُ عَلَيْنَا. وَمِنْ نَوْرِيَّاتٍ هُنَاكَ كَمَا هَا هُنَا، وَالسَّكَاكِينُ تَذْبَحُ حَبَّاتِ التُّفَاحِ وَلَا تَجْرَحُ أَيْدِيهِنَّ، فَهِمْتُ غَيْباً أَنَّنِي وَقَلْبَكَ بَيْنَ يُوسُفَ وَيُونُسَ؛ وَكَأَنْ بَيْنَ نَارَيْنِ أَوْ عَلَى حَدٍّ مَا مَسَّ قَطَعَ؛ كَمَا بَيْنَ قَوْسِ الشَّنْفَرَى وَمُسَدَّسِ كْلَايْستْ…
وَرَغْمَ تَشَقُّقِ لِسَانِي وَانْشِقَاقِ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ خِلَافٍ بَيْنَ الْمِزْمَارِ وَاللَّهَاةِ حَوْلَ فَلَجٍ بَيْنَ حُرُوفِ الْحَلْقِ وصُرُوفِ الْحَقِّ، أَجِدُ بَعْضَ اللَّذَاذَةِ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ الْجَمِيلَةِ (جَمِيلَةٌ لُغَتِي لِأَنَّنِي فَتَحْتُ مَسْمَعَيَّ عَلَى صَوْتِ عَبْدِ الْبَاسِطِ عَبْدِ الصَّمَدِ يَتْلُو، وَرُبَّمَا عَلَى الْأَذَانِ الَّذِي، آلَفْتُهُ، كَانَ يُفْزِعُنِي عِنْدَ الْفَجْرِ. وَفِي الرَّحِمِ كُنْتُ أَسْتَمْتِعُ بِالْأَغَانِي وَالدَّرْدَشَاتِ. وَلَوْ كُنْتُ فَتَحْتُهُمَا عَلَى خُطُبَاتِ لُوثِرَ كِينْغَ مَثَلاً، فَهَلْ كَانَتْ سَتَكُونُ لِمَسْمَعَيَّ لَذِيذَةً؟). أَقْرَأُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَا يَهْتَمُّ بِهَا أَحَدٌ، يَظُنُّونَهَا مَيِّتَةً، آهٍ، لَوْ يَعْلَمُونَ… الْكَلِمَاتُ لَا تَمُوتُ بَلْ تُمْنَعُ أَوْ تُغْفَلُ فَتَصْمُتُ. صَمْتُهَا يَتْرُكُ فَرَاغاً مُتَجَمِّداً مُتَجَعِّداً كَفَرَاغِ الزَّمَانِ مِنَ الْمَكَانِ بَعْدَ الصَّرْخَةِ أَوِ الطَّلْقَةِ أَوِ الصَّاعِقَةِ، لَا يَمْلَؤُهُ (يَمْلَأُهُ هِيَ الْأَصَحُّ، وَلَكِنَّ الضَّمَّ أَقْوَى مِنَ الْفَتْحِ. وَلِهَذَا الْغَاشِمُ أَقْوَى لِأَنَّهُ لَمْ يَفْتَحِ الْأَرْضَ كَمَا فَتَحْنَا الْأَنْدَلُسَ فَأَغْلَقُوهَا عَلَيْنَا، وَتَقَهْقَرْنَا خَائِبِينَ، بَلْ ضَمَّهَا – أَيْ أَخَذَهَا غَصْباً أَوْ بِبَيْعِنَا إِيَّاهَا ثَمَناً بَخْساً – إِلَيْهِ) سِوَى الصَّدَى. وَلِهَذَا تُبْصِرُ النَّاسَ، فِي غِيَابِهَا أَوْ بِتَجَنُّبِهَا، تَسْقُطُ فِي التَّوَسُّعِ وَالتَّطْوِيلِ بِتَذْبِيحِ الثَّأْيِ عَلَى حَجَرِ أَثَرِ الْجُرْحِ، مَثَلاً لَا حَصْراً. تُسْهِبُ وَتُطْنِبُ وَتَتْعَبُ وَتُتْعِبُ بِالْمُمِلِّ الْمُخِلِّ، عَبْرَ الاِزْوِرَارِ وَالتَّفَادِي. وَأَنَا كَمَا أَعْمَى قَوْمِهِ أَتَوَكَّأُ عَلَى لَوْمِهِ أَضْرِبُ صَكَّتَهُ مِنْ آنٍ لِحِينٍ.
كُنْتُ فِي طَرِيقِي إِلَى مَسْجِدِ الْحَيِّ الثَّالِثِ يَوْمَ عِيدٍ أَضْحَى تِجَارَةً لَئِيمَةً، وَذِكْرَى أَلِيمَةً، خَطَرَتْ بِقَلْبِي خَاطِرَةٌ مُحْرِقَةٌ كَمَا يُحْرِقُ الثِّقَابُ حِينَ يَتَسَعَّرُ بَيْنَ الظُّفْرِ وَلَحْمِ رَأْسِ الْإِصْبَعِ فَيُؤْذِي بِالدَّهْمِ وَبِالْإِقَامَةِ مَرَّتَيْنِ. تَوَقَّفْتُ، وَحَتَّى أَنَّنِي أَوْكَلْتُ ظَهْرِيَ جِدَاراً كَيْ لَا أَتَسَاقَطَ وَكَأَنِ اشْتَدَّتْ بِيَ عَاصِفَةٌ أَوْ كُنْتُ مُنْهَمِكاً فِي جُهُودٍ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا. أُصِبْتُ بِدَوخَةٍ وَبِمَا يُشْبِهُ تَشَنُّجاً فِي الرِّئَتَيْنِ. كَأَنْ مَا كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَخْطُرَ ذِي الْخَاطِرَةُ. وَكَأَنِّي بِيَ سَمِعْتُ مَا يُشْبِهُ رَعْدَةً جَوَّانِيَّةً تُدَوِّي بِي وَفِيَ: “يَا عَبْدَهُ، عُدْ أَدْرَاجَكَ فَالْأَرْضُ بَيْتُهُ وَكُلِّ مَخْلُوقَاتِهِ بِمَا فِيهَا الْغُرَابُ وَالْكَلْبُ وَالضَّبُّ وَالْأَفْعَى، فَمَا بَالُكَ بِالْخِنْزِيرِ؟ أَلَيْسَ مِنْ خَلْقِ الْقَادِرِ الْقَدِيرِ؟ وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ لَكَانَ لَهُ زَوْجٌ وَبَنُونٌ. أَوَ يَظُنُّونَ اللّهَ يَسْكُنُ بُيُوتاً بَنَوْهَا بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ”. أَيْقَظَنِي بِرَائِحَتِهِ قَبْلَ أَنْ أُحِسَّ بِرَكْلَتِهِ مُتَشَرِّدٌ عَجُوزٌ صَرَخَ فِي انْهِيَارِي بِلِسَانٍ دُونَ أَسْنَانٍ: هَيَّا، انْقَلِعْ، هَذَا مَكَانِي… وَتَرَكْتُهُ وَمَكَانَهُ آمِنَيْنِ وَفِي قَلْبِي صَدًى يُحْرِقُ كَمَا أَحْرَقَتِ الْخَاطِرَةُ، كَثِقَابٍ.
نُورَانُ أَحْيَاناً تَحْجُمُ وَأَحْيَاناً تَحُومُ. وَلَا أَفْهَمُ بَيْنَ الزَّحْفِ وَالرَّفِّ حِكْمَةً. بَيْنَ الْفِينَةِ وَالْحِينَةِ، أَظُنُّ، لمَاَّ أُذُنِي تَطِنُّ، الْخَاطِرَةَ تُحْدِثُ إِبْهَاماً فِي سِنْدَانِ اللِّسَانِ. وَيُوقِظُنِي طَارِقٌ مُبَاغِتٌ سَنَاهُ مِنْ زَغَارِيدِ شَهْدِهَا يُلَعْلِعُ نَحْلُهُ غُزْراً بِالْقَوْقَعَةِ: “وَالنَّارُ؟ وَالنَّارُ النَّارُ…؟ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى الزَّوَالِ، وَلَسْنَا سِوَى أَثَرِ أَقْدَامٍ عَلَى رِمَالٍ مُتَحَرِّكَةٍ فَعَسَى يَذْكُرُنَا الْخَلَفُ بِخَيْرٍ. لَا وُجُودَ إِلَّا بِمَا قَدْ نَأْتِي بِهِ لِمَنْ سَيَأْتِي بَعْدَنَا، وَلَا خُلُودَ إِلَّا بِمَا سَنَمْضِي دُونَهُ وَنَتْرُكُهُ خَلْفَنَا، الْمَمَاتُ الْحَفِيدُ بِالتَّرِكَةِ وَالْحَيَاةُ الْجَدُّ بِالصَّعْلَكَةِ، وَهِيَ ذِي سُنَّةُ الدُّنْيْا وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَخُرُّ الرَّحَى وَلَيْسَتْ خُئُوراً…” ثُمَّ سَمِعْتُ رَذَاذَ دَمْعِهَا، فَعُدْتُ إِلَيَّ وَكَأَنِّي بِهَا لَحَفَتْنِي بِجُمْعِ كَفِّهَا. وَصِرْتُ مِنْ بَلَادَتِي شِقًّا فِي الْأَرْضِ وَشِقًّا فِي السَّمَاءِ، أَوْ بِالْأَحْرَى شِقًّا مِنْ جِمَاعِ نَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ. بَكَيْتُ مِنْ جَدِيدٍ، وَفَكَّرْتُ فِي أُمُوٍر سِرِّيَّةٍ دُونَ لَثٍّ أَوْ عَجَنٍ، وَقَرَّرْتُ مَعَ سَبْقِ إصْرَارٍ وَتَرَصُّدٍ أَنْ أَقْتَرِفَ الْحُبَّ وَأَحْتَرِفَ الْحُرِّيَةَ وَأَغْتَرِفَ الْحَيَاةَ. قَرَّرْتُ أَنْ أُرْحِبَ وَجْهِي وَأَفْرِجَ شَفَتَيَّ وَأُبْدِيَ أَسْنَانِيَ الْبُنِّيَّةَ ثُمَّ أَنْفَجِرَ بِالْقَهْقَهَةِ.
بُوذَا، كَمَا تَعْرِفُ صُورَتَهُ، يَضْحَكُ فِي وَجْهِ الْعَالَمِ وَفِي وَجْهِي، وَمُنْذُ الْبَدْءِ وَالْخَلِيقَةُ تَبْكِي… رُبَّمَا لِذَا كَذلِكَ الْبَدْءُ مَاءٌ. بُوذَا لَقَّنَ لِمَنْ اتَّبَعَهُ الْحِكْمَةَ وَالسَّلَامَ. وَحَدَثَ لِيَ أَنْ جَابَهْتُ بُوذِيًّا بِالْمُنَاظَرَةِ، فَخَسِئْتُ. فِي حَضْرَتِهِ، وَحِوَارُنَا مُتَأَجِّجٌ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، لَسَعَتْنِي بَعُوضَةٌ فَطِشْتُ إِلَيْهَا مُصَفِّقاً إِلَى أَنْ أَتَيْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ، مُبْتَسِماً عَرْضاً وَطُولاً، عُدْتُ لِجِدَالِهِ كَمُنْتَصِرٍ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ ابْتِسَامَتَهُ كَانَتْ أَعْرَضَ وَأَطْوَلَ مِنِ ابْتِسَامَتِي وَهْوَ بِمُنْتَهَى الْهُدُوءِ يَقُولُ بِاللَّحْظِ مَا يُشْبِهُ “مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ…”، فَقَرَّرْتُ الاِعْتِذَارَ ثُمَّ الاِنْسِحَابَ. فِعْلاً، هَلْ قَتَلَتْنِي الْبَعُوضَةُ بِقَرْصَتِهَا؟ كَانَ عَلَيَّ مُقْتَدِياً بِـ”ـالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ” أَنْ أَقْرُصَهَا. وَلَكِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنْ حَدَثَ وَعَضَّنِي كَلْبٌ، فَهَلْ عَلَيَّ أَنْ أَعُضَّهُ بِدَوْرِي؟ كَانَ اللَّائِقُ بِالْأَمْرِ أَنْ أُطَيِّشَهَا دُونَ أَنْ أَطِيشَ إِلَيْهَا وَأَبْطِشَ بِهَا. كَانَتْ سَتَلْدَغُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ تَعُودُ وَتَعُودُ إِلَيَّ وَإِلَيْهِ إِلَى أَنْ تَرْتَوِيَ وَتَشْبَعَ، ثُمَّ تَرْكُنَ عَلَى الْجِدَارِ أَوْ تَمْضِي. لِهَذَا تُحِسُّنِي أَظُنُّ أَنَّهُ فِي الْبَدْءِ كَانَ اللَّهُ وَفَقَطْ، ثُمَّ الْمَاءُ حِينَ مِنْ غُرْبَتِهِ رَبُّنَا بَكَى… ثُمَّ كَانَ مِنْ دَمْعِهِ مَا قَضَى. انْسَكَبَ وَانْسَحَبَ؛ تَرَكَنَا لِأَمْرٍ مَعْلُومٍ عَظِيمٍ. هِيَ ذِي البِدَايَةُ، لَا مِنْ فِحَالَةِ آدَمَ أَوْ مِنْ تُفَّاحَةِ حَوَاءَ، وَلَا مِنْ مَآلٍ أَوْ عَدَمٍ وَزَوَالٍ.
أَتَعْرِفُ، يَا الْحَبِيبُ؟ غَداً سَتَجِفُّ الْأَرْضُ كَامِلَةً، سَوْفَ تَتَصَحَّرُ مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيدِ، أَوْ تُصْبِحُ جَمَاداً مَالِحاً مِنَ الْجَلِيدِ. وَطَبْعاً لَنْ يَكُونَ هَذَا، مِثْلَمَا تَنَبَّأَ بَعْضُ السُّفَهَاءِ، مِنْ جَرَّاءِ فُسَاءِ الْبَقَرِ. إِنَّهُ سَيَحْصُلُ بِرِجْسِ الْإِنْسَانِ! وَسَيَبْكِي الله ثَانِيَةً وَيُغْرِقُنَا بِمِثْلِ ذَاكَ الطُّوفَانِ وَعَسَاهُ لَا يَرْحَمُنَا بِنُوحٍ جَدِيدٍ.
قَالَتْ نُورَانُ دُونَ تَعْوِيرٍ وَنَحْنُ نَتَأَمَّلُ فِي نَوْعِ الشَّجَرَةِ تِلْكَ. وَنَتَسَاءلُ إِنْ كَانَتْ مَا تَزَالُ مُحَرَّمَةً بَعْدَ فَعْلَةِ الْخَطِيئَةِ أَمْ لَا: “وَالنَّارُ… النَّارُ…”. وَتَنَاظَرْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ ابْتَسَمْنَا بِغَيْرِ الشِّفَاهِ، وَأَطْبَقْنَا الصَّمْتَ عَلَى رَحَابَةِ شِدْقَيِّ الْكَلَامِ… وَالْبُؤْبُؤُ لِلْمُصَابِ بِقِصَرِ النَّظَرِ لَيْسَ بِلِسَانٍ. لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْعَيْنَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ إِثْبَاتاً كَشَاهِدِ الْحَالِ، سِيَّمَا حِينَ تَكُونُ بُؤْرَةُ الْمُنَاظَرَةِ اسْتِقْلَالاً وَاسْتِغْنَاءً عَمَّا سِوَاهَا. وَلَوْ كَانَ لِبُؤْبُؤَيَّ جَارِحَةُ نُطْقٍ لَقُلْتُ لَهَا بِإِنْسَانِ عَيْنِيَ: “عَلَيْكِ نُورٌ يَا نُورَ الْعَيْنِ”. وَلَكِنَّ الْوَقْتَ تَأَخَّرَ فَرَاحَتْ إِلَى أَحْلَامٍ سَعِيدَةٍ. وَأَفَقْتُ، بُعَيْدَ الرُّقَادِ وَعِنْدَ الْوَسَنِ، عَلَى ارْتِفَاعِ الضَّغْطِ، وَهذَا مِنْ ذَاكَ، وَنَقَّلُونِي بِالْإسْعَافِ إِلَى الْإِغَاثَةِ. وَكُنْتُ سَعِيداً وَأَنَا أَخْتَرِقُ الْمَدِينَةَ بِاتِّفَاقٍ مُسْبَقٍ وَبِصَفِيرِ الْإِنْذَارِ… كَانَتِ الزَّغَارِيدُ تَحْتَمِلُنِي إِلَى أَنْ أَعُودَ حَيًّا. وَوَلَّيْتُ بِأَمْرٍ بِنَفْسِهِ لَا مِنْ أَسْمَاءٍ أَوْ مِنْ صِفَاتٍ.
وَأَنَا أَقُولُ بِنُورَانَ مَا أَشَاءُ وَأَشْتَهِي، وَأُقَوِّلُهَا مَا لَمْ تَقُلْهُ بِحِسِّ حَلَمَةِ الرَّأْسِ وَحَدْسِ حَشَفَةِ النَّفْسِ: “نَمْ بَيْنَ رَاحَتَيَّ يَا هَفْهَافَ الصَّبْرِ، يَا بَعِيدَ الْمُسْتَقَرِّ، يَا غَرِيبَ الْفِكَرِ” سَمِعْتُهَا فِي نَوْمِهَا تَكْتَحِلُ بِلَفْظِ قَلْبٍ مَحْمُولٍ بِالْأَرْيَاحٍ. وَكَانَ الصَّيْفُ مَطِراً، وَكُنْتُ لَا أنَامُ مِنْ ذِكْرَى فَرَاشَةِ لَيْلٍ سَمْرَاءَ عَلَى صَهْبَاءَ وَحَنِينِي إِلَيْهَا، وَتَغَزُّلِي فِيهَا. وَكُنْتُ كَمَا مِنَ التُّؤْمُرِيِّ الْأَوَّلِ أَتُوقُ حُلْماً إِلَى اقْتِنَاصِهَا وَإِرْقَاصِهَا ظَنَّا مِنِّيَ أَنَّهَا نَاقِصَةٌ لَيْسَ بِجَنَاحِهَا أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ، وَلَكِنَّنِي حِينَ انْتَصَبْتُ بِحَضْرَتِهَا وَأَزَحْتُ الطُّرْبُوشَ الْوَطَنِيَّ أُلَاحِقُهَا بِهِ، اعْتَرَفْتُ بِخَيْبَتِي فِي غَارٍ لَا تَحْمِيهِ حَمَامَةٌ أَوْ عَنْكَبُوتٌ. وَرَفْرَفَتْ “لَا تَخَفْ” فِي عِزِّ الظَّلَامِ، فَانْضَمَمْتُ مِثْلَمَا كُنْتُ بِالرَّحِمِ. وَلَوْ كَانَتْ حَطَّتْ “هِيتَ لَكَ”، فَإِنَّنِي لَا أَعْلَمُ مَا قَدْ كُنْتُ بِهَا فَعَلْتُ.
لَا أَحَدَ ظِّلُهُ عَلَى أَرْضِهِ، لَا الْأَسْلاَفُ أَوِ الأَحْلاَفُ، لَا الْحَاكِمُ أَوِ الْغَاشِمُ، لَا أَحَدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِلَّاهُ. وَلَوْ فِعْلاً كَانَ لَهُ ظِلٌّ عَلَيْهَا لَكَانَ النُّورُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ سَابِقٍ عَلَيْهِ. لَقَدْ لَعِبُوا عَلَيْنَا بِالْأَحَادِيثِ وَالْحَوَاشِي. وَهَا هُمُ الْآنَ يُعْلِنُونَ الْجِهَادَ وَيَعِيثُونَ الْفَسَادَ، وَنَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ نَخَافُ أَنْ نُدَلِّيَّ سَمْعَ الْبَصِيرَةِ فَيُعَلِّقُونَنَا مِنَ تَلَابِيبِ اللِّسَانِ. إِنَّهُ الْآنَ وَحْدَهُ، وَهُمْ عَدَدُ، وَنَحْنُ بَيْنَهُمَا نَرْتَعِدُ. فَلِمَنْ سَتَكُونُ الْغَلَبَةُ. هَلْ سَيَقْهَرُونَ؟ أَمْ سَيُقْهَرُونَ؟ إِنَّهُمْ فِي حَرْبٍ مَعَهُ وَنَحْنُ بَيْنَهُمْ أَسْرَى وَسَبَايَا…
سَيَجِدُ غَيْرِي فِي تُرَاثِنَا السِّحْرِيِّ الْعَجَائِبِيِّ بِحَوَاشِيهِ النَّقْلِيَّةِ الْقَاتِلَةِ لِلْعَقْلِ، أَكْثَرَ مِنْ جَوَابٍ عَلَى سُؤَالِ الْوُجُودِ. وَأَمَّا أَنَا فَتُؤْمُرِيٌّ قَبِيضٌ لَا يَضِيقُ بِيَ إِلَّا فَظٌّ نَقِيضٌ. أَخْجَلُ مِنَ الرَّدِّ عَلَى أَجْوِبَةِ إِيمَانٍ رِدَّةٍ لَا وَاعِيَّةٍ. يَا اللهُ كُنْ مَعِي لِهُنَيَّةٍ، وَقُلْ لِي إِنْ صَدَقْتُ؛ إِنِ الْحَقُّ مَعِي، وَأَعِنِّيَ حَتَّى آتِيَ عَلَى هَذِهِ النَّارِ الْمُتَسَعِّرَةِ فِي الدِّمَاغِ وَالنُّخَاعِ. أَنَا الْآنَ لَا أَثِقُ بِأَحَدٍ وَلَا أُصَدِّقُ أَيّ كَلاَمٍ. أُصِيخُ إِلَى صَمْتِ الْحَجَرِ، أَصُوخُ فِي سَمْتِهِ، رُبَّمَا فَتَّتَهُ صَوْتُكَ، وَبِنَارٍ مُقَدَّسَةٍ رَقَشَ جَدِيدَ الْوَصَايَا. يَا اللهُ، لَا تَغْفِرْ لِيَ إِنْ كُنْتُ أَذْنَبْتُ، وَمِنْ جِهَتِي كُنْ مُطْمَئِنًّا فَلَنْ أَطْلُبَ مِنْ أَحَدِهِمْ أَنْ يَتَدَخَّلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُغْيَةَ غُفْرَانِ. لَقَدْ تَخَلَّصْتُ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَكَذَا مِنْ آخِرَتِهِمْ، وَمَزَّقْتُ حُجُبَ التَّمْجِيدِ، وَحَلَلْتُ لَا غَيْرَ بِنُزُلِ التَّوْحِيدِ، وَهَا بَيْنَ يَدَيْكَ.
فُتَيَّةٌ نُورَانُ، غَرِيبَةٌ عَجِيبَةٌ، مَا تَزَالُ تَلْعَبُ بِالْعَرَائِسِ، وَتَحْلُمُ بِالْفَارِسِ. وَتَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ، هَمْساً كَيْلَا تَسْمَعَهَا النُّجُومُ وَالْقَمَرُ، طِيلَةَ لَيْلِهَا يَقَظَةً وَمَنَاماً. وَفَارِسُهَا، زَعَمَتْهُ يُكَلِّمُهَا هَسًّا، كَمَا مُخَاطِبٌ مُخَاطَبٌ مَجْهُولٌ، كَمَا مَجْنُونٌ، وَدَائِماً لَا يُمِيطُ لِفَامَهُ الْحَرِيرِيَّ الْفَاتِنَ بِلْ يُحَاوِلُ حَتَّى أَنْ يُخْفِيَ عَنْهَا وَجْهَهُ، كُلَّمَا خَزَّرَتْ جَفْنَيْهَا لِتُحَقِّقَ النَّظَرَ فِي مَا يَبْدُو مِنْ حُرُوفِهِ، لِئَلَّا تَرَاهُ حَزِيناً: “لَا أُجْبِرُكِ بَلْ أُحَاوِلُ أَنْ أَتَجَذَّرَ فِيكِ وَبِكِ كَيْ أَبْقَى. كَانَتْ جَدَّتِي تَرْوِي لِي حِكَايَاتٍ كَثِيرَةً لَا أَذْكُرُ مِنْهَا سِوَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهَا عَيْنَاكِ. وَلِهَذَا أَبْدُو غَرِيباً كَأَنْ خَارِجَ الْفُصُولِ. لَا ظِلَّ بِالشَّمْسِ، وَلَا بَتَلَةَ بِرَبِيعٍ، وَلَا وَرَقَةَ يُسْقِطُهَا خَرِيفٌ، وَلَا جِذْرَ يَرْوِيهِ الْمَطَرُ. وَلِذَا أَحْمِلُكَ عَلَى الْكِتَابَةِ. إِنَّهَا خَلَاصُنَا الْأَوْحَدُ. مَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَسْتَمِرَّ رَغْمَ حِمْلِ السِّنِينِ، وَمَا لَدَيْنَا مَا نَخْسِرُهُ سِوَى زَبَدِ الْعَيْشِ. صِفْرُ الْقَلْبِ أَخَوكِ، مُفْعَمُ الذَّاكِرَةِ مِثْلُكِ أُرَبِّتُ عَلَى أَحْزَانِي كَيْ تَنْعَمَ بِالنَّوْمِ قَلِيلاً وَتَتْرُكَنِي أُفْرِغُ نَفْسِي مِنْ رَأْسِي فِي عُزْلَةٍ حَتَّى عَنْهَا… الْيُمُومُ الَّتِي بِأَعْمَاقِي تُحَوِّلُنِي إِلَى خَيْلَانَ، أَغُوصُ فِيهَا إِلَى أَقْصَى أَعْمَاقِهَا، أَسْبَحُ وَأُغَنِّي. لَا شَيْءَ يَهُمُّ سِوَى حِينَ أُغْمِضُ عَيْنَيَّ فِي قَعْرِ الدَّاكِنِ الْأَزْرَقِ. لَا شَيْءَ يَهُمُّ، حِينَ تَتْرُكِينَ ثِيَابَكِ وَتَرْتَمِينَ تَوْقَ الْغَرَقِ لَا أَهْتَمُّ إِلَّا بِجَسَدِكِ الْعَارِي. أَحْيَاناً أَقْتَرِفُ الْإِيمَانَ فَأَحْلُمُ أَنَّنِي مَاءٌ قَيْدَ الْحَيَاةِ…”
وَأَبَى هَارُونُ إِلَّا أَنْ نَحُجَّ مَعاً إِلَى حَيْثُ حَدَثَ مَا حَدَثَ بِبَارِيسَ. وَقَفَنَا صَامِتَيْنِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَأَشْعَلْنَا شُمُوعاً وَأَهْرَقْنَا بَعْضاً مِنْ ذِكْرَى. إِنَّهَا الْهَمَجِيَّةُ الْغَادِرَةُ، وَهُنَاكَ أَكْثَرُ. يُضْنِينِي أَنْ تَكُونَ الْمَشِيئَةُ هَا كَمَا قَدْ تَرَاهَا، تُشْبِهُ اللَّعْنَةَ الْكَامِنَةَ فِي الصُّلْبِ كَأَنْ بِقَضَاءِ جِينَةٍ شَنْعَاءَ. مَاذَا فَعَلْتُ كَيْ يُوَاجِهَ هَارُونُ هَذَا الْبَلَاءَ الْآتِي مِنِ انْتِمَائِي؟ هَلْ هَارُونُ غَداً سَتَغْوِيهِ شَيَاطِينُ الدِّينِ بِالْحُورِ وَأَلَذِّ الْخُمُورِ فَيَنْفَجِرَ فِي النَّاسِ مِثْلَمَا هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ يَنْفَجِرُونَ هُنَا مِثْلَمَا أَكْثَرَ مِنْهُ هُنَاكَ؟ وَمَنْ يَدْرِي؟ وَأَنَا لَا أَسْأَلُ الله إِلَّا أَنْ يُجِيبَ الدُّعَاءَ. أَنْتَظِرُ مِنْهُ رِسَالَةً وَاضِحَةً غَيْرَ قَابِلَةٍ لِأَدْنَى تَأْوِيلٍ؛ رِسَالَةً بَسِيطَةً يَفْهَمُهَا النَّاسُ كَيْفَمَا وَحَيْثُمَا كَانُوا بِعِلْمٍ طَبِيعِيٍّ جِبِلِّيٍّ لَا دَرَجَاتَ فِيهِ؛ رِسَالَةً تَعْرِفُ بِقُدْرَتِهِ كَيْفَ تَقُولُ افْعَلْ ذَا، وَاتْرُكْ ذَا، وَمِنَ الدَّاخِلِ، مِنَ الْجَوَّانِيِّ، بِلَا وَاسِطَةٍ أَو وَسَاطَةٍ؛ رِسَالَةً تُكَلِّمُ الْعَقْلَ بِعَقْلِهِ لَا بِالْأَمْثَالِ وَالْقِصَصِ؛ رِسَالَةً مُبَاشِرَةً بِالتَّصْرِيحِ دُونَ إِيحَاءٍ أَوْ لَفٍّ أَوْ دَوَرَانٍ.
غَدُنَا، يَا الْحَبِيبُ، وَذُرِّيَتِنَا، أَمْسُكَ ذَا الْحَاضِرُ الْمُغْتَصَبُ الْجَمِيلُ. نَعْرِفُ جَيِّداً مَنْ بَاعَنَا، وَلَكِنَّنَا جُبَنَاءُ لَا نُجَابِهُ قَيْدَهُ. نَخَافُ أَنْ يَقْتُلَنَا؛ نَخَافُ أَنْ نَمُوتَ، وَكَأَنَّنَا عَلَى عِلْمٍ تَامٍّ بِأَنْ لَيْسَ ثَمَّةَ لَا النَّارُ أَوِ الْحُورُ؛ نَعْرِفُ جَيِّداً أَنَّ الْمَوْتَ الْهَلاَكُ، وَفَقَطْ. وَلِهَذَا نَتَمَسَّكُ بِالْحَيَاةِ وَلَوْ فِي الْحَضِيضِ السَّافِلِ، فِي الذُّلِّ وَالْخَيْبَةِ وَالْقَمْعِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَاءِ وَالْعَرَاءِ… إِنَّنَا نَعْتَنِقُ الْحَيَاةَ، وَفَقَطْ. هِيَ مِلَّتُنَا الْوَحِيدَةُ. وَأَمَّا أَنَا، وَكَأَنَّهُ سَخَّرَنِي لِهَذَا، فَإِنِّي أُرَتِّبُ أَيَّامِيَ لِلرَّحِيلِ الْأَخِيرِ… أَوَ لَمْ أَقُلْ لَكَ امْهِلْنِي ” يَقْظَةَ الصِّغَارِ (بُلُوغَهُمُ التَّعَقُلَ)”؟ لَمْ أُخَيَّرْ أَبَداً فِي مَوْلِدِي، وَلَكِنِّيَ مَوْتِي قَدْ أُقَرِّرُهُ بِيَدِي…
لَقْدْ تَعِبْتُ، يَا الْحَبِيبُ أَخِي، مِنْ هُرَاءِ الْمَصِيرِ وَالْقَدَرِ، وَمِنْ كُلِّ هَذِهِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، وَمِنْ كَلَامِ النَّاسِ جَمِيعاً. أَيْنَ أَنَا وَسْطَ هَذَا الْهَبَاءِ؟ مَا الْمَطْلُوبُ مِنِّي؟ وُلِدْتُ هَوْناً، وَهَوْناً أَسِيرُ، وَهَذَا الْعَالَمُ الَّذِي وُجِدْتُ فِيهِ قَسْراً لَا يَتْرُكُنِي عَلَى هَوْنِي أَسْرِي. عَرَّجْتُ مَا مَرَّةَ، تَرَاجَعْتُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَكَثِيراً مَا غَيَّرْتُ الطِّوَارَ وَحَتَّى الدَّرْبَ وَالرَّفِيقَ… إِلَى أَيْنَ؟ وَلَمْ يَكُنْ مَعِي وَلَوْ مَرَّةً يَتِيمَةً، رَأَيْتُهُ دَائِماً مَعَ التَّسَلُّطِ وَالْهَمَجِيَّةِ، مَعَ الْمُغْتَصِبِ وَالنَّاصِبِ، مَعَ الْغَادِرِ وَالْفَاجِرِ، رَأَيْتُهُ دَائِماً مَعَ الْمَالِكِ الْمُسْتَعْبِدِ الطَّاغِيَةِ… صَغِيراً، بِالْمَسِيدِ، فَهِمْتُ أَنَّ النَّقْلَ لَا عَقْلَ لَهُ…
“نُورَانُ تُمْطِرُ كَثِيراً بَيْنَ شَيْبِي وَصِبَايَ؛ مِنَ النَّارِ إِلَى الْقَفْرِ، مِنَ الْجُبِّ إِلَى الْقَبْوِ، مِنَ الْكَهْفِ إِلَى الْغَارِ، مُرُوراً بِبَطْنِ الْحُوتِ. أَنَا لَا أَفْهَمُ النُّبُوَّةَ أَكْثَرَ مِنْهَا النِّسَاءَ”، يَقُولُ الْفَارِسُ ذُو الْوَجْهِ الْحَزِينِ، “أُجَالِسُ الْآنَ عُزْلَتِي. وَأَقْرَأُ فِي عَيْنَيْكِ مَا أَخْفَاهُ الدَّمْعُ عَنِّي، وَرَسَمَهُ الْكُحْلُ السَّائِلُ عَلَى خَدِّكِ الْأَسِيلِ. تَعْرِفِينَ جَيِّداً أَنَّ الْكُحْلَ لَا يَدُومُ وَمَعَ ذَلِكَ كُلَّ صَبَاحٍ تَكْتَحِلِينَ. وَقَدْ كَانَ غَصْباً عَنْكِ هَذَا الْوُجُودُ، أَعْرِفُ. وَلَكِنَّكِ الْآنَ فِي خِضَمِّهِ يَقْتَاتُ قَلْبُكِ بِالْوَحْشَةِ وَالْحُزْنِ الْقَاتِلَيْنِ، وَرَغْمَ ذَلِكَ يَنْبُضُ، فَلَا حَقَّ لَكِ فِي رَجْعَةٍ أَوْ رِدَّةٍ، دَعِيهِ يَخْفِقُ مِثْلَمَا تَكْتَحِلِينَ. أَحْيَانا، يَا نُورَانُ، أَقِفُ عَلَى خُطُوطِ كَفِّي وَكَأَنَّنِي أَقِفُ عَلَى قَبْرٍ قَفْرٍ فِي قَفْرٍ لَا جُثْمَانَ فِيهِ وَلَا أَحَدَ يَزُورُهُ بِالشَّوْقِ وَيَرُشُّهُ بِالدُّعَاءِ. وَأَحْيَاناً أُجَمِّعُ كُلَّ شَتَاتِي فِي زَفِّ فَرَاشَةِ لَيْلٍ أَوْ فِي دَوِيِّ رَعْدَةٍ، وَأَقُولُ مَعَ عُزْلَتِي: نَحْنُ بِخَيْرِ الْحَيَاةِ، نَنْبُضُ وَنَنْبُضُ وَفَقَطْ.
دَخَلْتِ الْبَحْرَ عَارِيَةً، أَذْكُرُ سُمْرَةَ بَشَرَتِكِ تُثِيرُ شَهْوَةَ الْمَسَاءِ. وَلَكِنَّ الْبَحْرَ الْخَجُولَ لَا يُحِبُّ الْعَرَاءَ؛ فَلَا السَّمَكُ وَلَا الطُّحْلُبُ وَلَا الْمَحَارُ دُونَ كِسَاءٍ. وَحَتَّى الْمَوْجُ هَيْجاً يَرْتَدِي الزَّبَدَ وَالْمِلْحَ وَذُرَيْرَاتِ الرِّمَالِ. وَالَّذِي تَسْمَعِينَهُ يَهْدِرُ لَيْسَ صَخَبَ مَا بِقَعْرِ الْبَحْرِ بَلْ عَوِيلُ مَا تَرْفُضُهُ الْأَعْمَاقُ. حِينَ تَصْرُخِينَ فِي قَلْبِكِ، لَسْتِ الصُّرَاخَ، أَنْتِ الْقَلْبُ يَرْفُضُ الْأَلَمَ الَّذِي بِكِ يَصْرُخُ. وَلَسْتِ حَتَّى الْأَلَمَ، إِنَّمَا وِلَادَتُكِ عَسِيرَةٌ. إِنَّكِ لَمْ تُولَدِي بَعْدُ، وَلِهَذَا يَجْذِبُكِ الْعَيْشُ بِمَغْنَطَةِ الرَّدَى إِلَى الْمَغَصِ وَالْهَاوِيَةِ. لَا أَرِيدُ مِنْكِ مَا لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ؛ آمُلُ قُبْلَةً عَلَى جَبِينِي، فَقَطْ، حِينَ أُبْعَثُ فِيكِ حَيًّا…”
أَعُودُ إِلَى الْأَرْضِ لِمَنْ يَسْمَعُ أَنَّاتِهَا… وَقَبْلاً، ثَمَّةَ شَيْءٌ لَا أَسْتَسِيغُهُ؛ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يُولَدَ الْإِنْسَانُ مُسْلِماً؟ هَلْ نُولَدُ مُعْتَنِقِينَ لِمِلَّةٍ مَا؟ مِنْ أَيِّ عِلْمٍ بَانَتْ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ؟ وَمَا نَظَرِيَتُهَا الْقَبْلِيَةُ؟ هَلْ هِي مُسَلَّمَةٌ؟ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ. جَمِيلُ الْأَرْضِ أَنَّنَا نُوجَدُ عَلَى وَجْهِهَا عَرَايَا. لَا نُولَدُ مُسْلِمِينَ، أَبَداً، وَإِلَّا فَلِمَاذَا نُعَلَّمُ لِسَبْعٍ وَنُضْرَبُ لِعَشْرٍ؟ نُولَدُ بَشَراً، وَفَقَطْ. ثُمَّ يُزَغْرِدْنَ، ثُمَّ يُأَذِّنُونَ بِالصَّيْحَةِ عَلَى طَبْلَةِ الْوَلِيدِ كَيْ يَرْضَعَ اللهَ أَكْبَرَ قَبْلَ أَوْ مَعَ الثَّدْيِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِسَ بِالدَّمِ مِنَ الْحَيْضِ إِلَى الْعَقِيقَةِ إِلَى الْخِتَانِ إِلَى الأضْحِيَةِ إِلَى فَضِّ بَكَرَةٍ، وَثُمَّ الدَّمُ وَالدَّمُ رُعَافاً كَانَ أَوْ جُرْحاً، إِلَى أَنْ يَذْبَحَ أَخَاهُ وَهْوَ فِي سُجُودٍ. ثُمَّ يُقْحِمُونَنَا مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ بِالْجَهْلَ وَبِالْخُرَافَةَ مُنْذُ نُعُومَةِ الدِّمَاغِ وَرَبِيعِ النُّخَاعِ وَيُدَجِّنُونَ. وَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَا مُسْلِمَ يَهْتَمُّ بِأَنَّاتِهَا، لَنَا الله، وَلَسَادَتِنَا الْغَرْبُ، غُفِرَ لَهُ، يَحْمِلُ بَعْضَ هَمِّهِمْ وَيُرَفِّهُ عَنْهُمْ، وَيَبْحَثُ لَهُمْ عَنْ قَارَّةٍ عَذْرَاءَ…
وَقَدْ أُكَفَّرُ، لِأَنَّ هَذَا الْكَلاَمَ لَا يُقَالُ، هَذَا الْوِسْوَاسَ الْخَنَّاسَ الَّذِي تَبُوحُ بِهِ النَّفْسُ إِلَى نَفْسِهَا خِفْيَةً، ثُمَّ تَسْتَغْفِرُ. آهٍ، نَسِيتُ أَنَّهَا أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ. وَاللهِ لَا ضَيْرَ، أَوَدُّ أَنْ أُكَفَّرَ وَأُعَذَّبَ حَتَّى الرَّمَقِ الْأَخِيرِ. هَذَا سَوفَ يُعْفِيَنِي مِنْ مِحْنَةِ الْبَحْثِ عَنْ طَرِيقَةٍ خَبِيثَةٍ لِلْقَضَاءِ عَلَى أَمَّارَتِي. أَحْيَاناً أَقُولُ مَعَهَا، نَفْسِيَ، تِلْكُمُ النَّفْسُ: أَنْ تَدْهَسَنِي حَافِلَةٌ، فَجْأَةً، وَتُجَرْجِرَنِي أَمْيَالاً إِلَى أَنْ أَتَبَعْثَرَ إِرْباً إِرْباً، وَتَتَطَايَرَ عِظَامِي شَظَايَا، وَلاَ يَسْتَطِيعُ الطَّبِيبُ الشَّرْعِيُّ أَنْ يَتَعَرَفَّ عَلَيَّ، لِأَنَّ رِجَالَ الْمَطَافِئ، وَرَغْمَ أَنَّهُ مَا ثَمَّةَ حَرِيقٌ، سَيُجَمِّعونَ هُيُولَايَ بِالْمِلْعَقَةِ؛ مَوْتاً خَبِيثاً سَيَكُونُ، أَظُنُّهُ لَذِيذاً.
سَيَكُونُ أَجْمَلُ مِنْهُ، إِنْ شَبَّ حَرِيقٌ مُهْوِلٌ حَيْثُمَا كُنْتُ، وَحَيْثُ لَا مَخْرَجَ. سَأَحْتَرِقُ إِلَى مَا تَبَقَّى لِيَ مِنْ أَضْرَاسٍ وَفَقَطْ. وَلَنْ يُطَالِبَ أَحَدٌ لَا بِالْشَّاهِدَةِ وَلَا بِالْجُثَّةِ. سَأَكُونُ سَعِيداً إِنْ انْفَجَرَتْ بِيَ عَرَبَةُ الْمِتْرُو، وَأَوَدُّ أَنْ أَكُونَ فِيهَا وَحِيداً أَوْحَداً، أَن يَتَشَتَتَ مَا يَظُنُّهُ النَّاسُ أَنِّي أَنَاهُ، مَوتاً جَمِيلاً سَيَكُونُ أَيْضاً. وَلَكِنَّنِي أُحِبُّ السَّلَامَ، لِهَذَا سَأَمْضِي بِسَلَامٍ فِي عُزْلَتِي إِلَى آخِرِي، كَمَا طَائِرٌ خَجُولٌ، أَخْتَبِئُ وَأَضَعُ حَدًّا لِذِي الْمَهْزَلَةِ بَيْنِي وَبَيْنِي. طَبْعاً وَكَمَا سَبَقَ أُنَاشِدُكَ أَنْ تُمْهِلَنِي ” يَقْظَةَ الصِّغَارِ (بُلُوغَهُمُ التَّعَقُلُ)” سَوْفَ أَفِي بِوَعْدِي، وَلَنْ أُخَيِّبَ رِسَالَتِي ذِي إِلَيْكَ، أَخِي، يَا الْحَبِيبُ، اعْذُرْنِي.
“وَأَعْتَرِفُ أَنَّنِي أَغْتَرِفُ مِنْ حَيْضِكِ الَّذِي عَايَنْتُكِ فِي مَغَصِهِ حُلْماً كَيْ أَبْقَى جَنِيناً يَقْتَرِفُ فِي رَحِمِكِ أُبَّهَةَ الْحَيَاةِ. وَأَنَا أَبْكِي مُنْذُ نِصْفِ قَرْنٍ وَبِضْعٍ وَلَا طُوفَانَ فِي الْأُفُقِ. الْبَحْرُ الَّذِي وَرَائِي يَشْهَدُ، وَلَا عَدُوَّ أَمَامِيَ إِلَّا الْجَسَدِ الَّذِي لَا أَبَدَ مِنْهُ وَلَيْسَ لِقَلْبِهِ أَزَلُ. أَنَا وَفَقَطْ. لَيْسَتْ عُزْلَةً بَلْ زَلَّةُ قَدَرٍ. وَلَا أَسْتَطِيعُ الزَّيَّ لِأَنَّنِي مُعَوَّقٌ بِفَعْلَةِ بُعْدِ النَّظَرِ.”
إِلَى الْمَوْتِ إِذَنْ كَيْفَمَا جَاءَ وَإِلَّا جِئْتُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. أَوَ لَمْ نَأْتِ إِلَى هَذِهِ الْحَيَاةِ إِلَّا لِنَمْضِيَ، نَقْضِيَ!؟ آهْ، سَمْعاً، بِالْفِعِلِ جِئْنَا كَيْ نَعْمَلَ صَالِحاً، أَجَلْ… أَجَلْ، وَلَكِنْ جِئْنَا بَدْءً لِنَمُوتَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَوْ بِدُونِهِ. أَوَ مَا تَسَاءَلْتَ عَنِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ وَإِبَّانَ وَبُعَيْدَ الْوِلاَدَةِ نَاهِيكَ عَنِ الَّذِينَ يُوَغْوِغُونَ شُهُوراً ثُمَّ يَنَامُونَ يَوْماً لِيُصْبِحُوا جَثَامِينَ تُشْبِهُ صُورَةَ ذَاكَ الَّذِي رَمَاهُ الْبَحْرُ الَّذِي لَقَفَ أَبَاهُ. أَخِي، يَا الْحَبِيبُ، الْوِلاَدَةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَالَمِ لَعْنَةٌ مَا بَعْدَهَا غَيْرُهَا. لَعْنَةٌ مُنَجَّسَةٌ تَلْتَهِمُ مِنَ الدَّاخِلِ، تَمْتَصُّ نُسْغَ الْبَقَاءِ وَتُمَصِّرُ الْكَيْنُونَةَ بِالْفَنَاءِ. هِيَ ذِي السُّنَّةُ؛ سُنَّةُ الْحَيَاةِ!
مُحَمَّدُ، يَا الْحَبِيبُ أَخِي، أَكْتُبُ الْيَوْمَ إِلَيْكَ لِأَسْتَوْدِعَكَ أَجْمَلَ مَا صُنْتُهُ خِفْيَةً عَنْ وُحُوشِ الْقَدَرِ: صَرَاحَتِي. أَسْتَوْدِعُكَ قَلْبِي يَقُولُ عَنِّي. وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ ابْتَعَدْتُ كَثِيراً كَثِيراً حَتَّى عَنْ بَعْضِ جِينَاتِي، وَطَفَرْتُ هُنَاكَ بَيْنَ أَحْضَانِ الْمَجْهُولِ الْجَمِيلِ حَيْثُ سَأَنْتَظِرُكَ… لَقَدْ قَطَعْتُ أَشْوَاطاً وَأَشْوَاطاً لِأَعُودَ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْكَ، أَنَا هُنَاكَ، حَيْثُ سَأَلْقَاكَ وَأَنْتَ خَارِجَ الْجَسَدِ وَرَوْثِ هَذَا الْعَالَمِ تُرَفْرِفُ سَرِيعاً عُصْفُورَ جَنَّةٍ.
“كُنْتُ قَاسِيًّا مَعَكِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَاتَحْتِنِي بِعِشْقِكِ الْمَجْنُونِ لِلْمَاءِ وَبِالْعَرَاءِ. عَمَّ الدَّمْعُ وَالْوَجَعُ، وَنَعَمْ كُنْتُ قَاسِيًّا… فَكَمَا يَتَوَجَّبُ صَرْعُ الْغَرِيقِ قَبْلَ إِنْقَاذِهِ حَاوَلْتُ جَنْدَلَةَ أَفْكَارِكِ السَّوْدَاءِ، كَيْ تُصْبِحِينَ خَفِيفَةَ الظِّلِّ، بَحْبَاحَةَ الرُّوحِ، حَالِمَةً بِالشُّرُوقِ خَارِجَ حِصَارِ عَتَمَةِ الذِّكْرَى. غَداً دَوْماً، يَوْمُنَا الْجَدِيدُ. وَلَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ أَنْ نَفْقِدَ الْحُلْمَ وَالْأَمَلَ مِنْ أَجْلِهِ.
كُنْتُ أَوَدُّ أَنْ نَشْتَغِلَ عَلَى الْكِتَابَةِ، لِأَنَّنِي أُومِنُ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ أحْيَاناً تَمِيمَةٌ ضِدَّ الْأَلَمِ وَتِرْيَاقٌ ضِدَّ السُّقُوطِ، رَغْمَ أَنَّ كُتَّاباً وَشُعَرَاءَ عِدَّةً وَدَّعُوا الْعَيْشَ مُنْتَحِرِينَ. وَلَكِّنَّنِي كَفَرْتُ بِكِ قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ؛ أَ زَنْبَقَةٌ مَيَّاسَةٌ فِي رَبِيعِ الْعُمْرِ تُرِيدُ اجْتِثَاثَ نُسْغِهَا عَنْ وَرِيدِهَا كَيْ تَذْبَلَ بَتَلَاتُهَا وَيَخْفِقَ عِطْرُهَا فِي قَلْبِ الثَّرَى؟ وَتُرِيدِينَ مِنِّي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى خُسُوفِكِ دُونَ أَنْ أَغْضَبَ فِي وَجْهِ الْعَتَمَةِ الَّتِي تَرُومُ أَنْ تَحْتَوِيكِ؟ إِنَّنِي أَعْتَذِرُ، وَلَكِنْ هَلْ أَجْدَاكِ غَضَبِي كَيْ يَكُونَ تَحْتَ اعْتِذَارِيَ طَائِلٌ؟”
أَسْتَرْسِلُ، بَيْنَ الْأَمَّارَةِ وَالْغَايَةِ مِنَ الْعَيْشِ وَمِنَ الْكَلَامِ، الْهَدِيرَ الْقَلْبِيَّ. أَقْتَرِفُ الْوَدَاعَ الْقَبْلِيَّ وَأَنَا مَا أَزَالُ مُقَيَّداً بِهَذِهِ الْحَيَاةِ. أَعْتَرِفُ أَنِّي كَكُلِّ النَّاسِ شَأْفٌ بِالْجِبِلَّةِ، وَلَكِنَّنِي أُقَاوِمِ: أَبْصَقُ فِي الْمِنْدِيلِ الْوَرَقِيِّ وَأَحْتَزِجُهُ بِجَيْبِي إِلَى أَوَّلِ صُنْدُوقِ زِبَالَةٍ، مِثْلَمَا أَفْعَلُ بِأَعْقَابِ السَّجَائرِ. وَعِنْدَ الْمَتْجَرِ لِلْحَاجَةِ أَحْتَرِمُ الصَّفَّ – الْوَهْمِيَّ هُنَاكَ – أُحَيِّي ثُمَّ أَطْلُبُ مَا أَشَاءُ. لَا أَجْتَازُ الشَّارِعَ إِلَّا عَبْرَ الْخُطُوطِ – صَفْرَاءَ كَانَتْ أَوْ بَيْضَاءَ – الْمُخَصَّصَةِ لِلرَّاجِلِينَ حِينَ يُعْلِنُ الضَّوْءُ حَقِّيَ فِي الْمُرُورِ. أَطْلُبُ الْمَعْذِرَةَ إِنْ لَمَسْتُ أَحَداً عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. النِّسَاءُ أَوْلَى بِالْمَقَاعِدِ وَبِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْحَوَاملُ وَالْعَجَزَةُ وَالْمُسِنُّونَ وَالْأَطْفَالُ أَوْلَى مِنَ الْأَوْلَى وَمِنِّي… وَهَلُمَّ جَرًّا… مَثَلاً، وَفَقَطُّ مَثَلاً…! وَأَسَفِي شَدِيدٌ، يَا الْحَبِيبُ، وَأَنَا أُصَارِحُكَ: حِينَ رَمَانِي الْوَطَنُ كَانَ مَا يَزَالُ يَلْفِظُ مِنْ رُوحِهِ بَعْضاً يُشْبِهُ هَذَا، وَحِينَ مُجْبَراً عُدْتُ إِلَيْهِ لِتَأْبِينِ الْأَبِ كَانَ جِيفَةً نَتِنَةً لَا تَلْفِظُ غَيْرَ الدُّودِ وَالدَّاءِ.
لَيْلُنَا يَغْتَرِفُ سَوَادَهُ مِنْ زَيْفِ نَهَارِنَا. وَأَنَا كَأَنِّي أُحَايِدُ اللَّيْلَ كَيْ يَنْهَارَ، لِتَخْتَلِيَ نَجْمَتِي بِنَجْمَةٍ عَابِرَةٍ وَيَقْتَرِفَانِ بَعْضَ الْوُضُوحِ شَمْساً أَبَدْيَةً. يُؤْسِفِنِي أَنَّهُمْ، جُلَّ كُلٍّ، وَكَأَنَّهُمْ عَبْرَ اسْتِنْسَاخٍ مُوَلَّدٍ وَاحِدٍ لَا يَعِيشُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ يَحْتَرِفُ الزَّيْفَ وَالنِّفَاقَ وَالْبَاطِلَ وَالسَّرِقَةَ… يَنْهَبُونَ كُلَّ شَيْءٍ هُنَاكَ؛ خُفْيَةً وَبِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، يَنْشُرُونَ أَشْعَاراً لَمْ يَكْتُبُوهَا، وَرِوَايَاتٍ اخْتَلَسُوا نُسْغَهَا، لَا يَصْنَعُونَ شَيْئاً وَلَكِنَّهُمْ أَكْثَرُ كَفَاءَةٍ مِنَ الصَّانِعِ فِي اسْتِلَابِ مَا صَنَعَهُ وَحَتَّى فِي تَحْوِيلِهِ لِغَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ. مُتَضَلِّعُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فِي الْفَلْسَفَةِ وَالنَّقْدِ الْأَدَبِيِّ، وَفِي عِلْمِ هَضْمِ الْحَقِ هُمُ الْأَوَّلونَ، أَرْبَابُ الْحَدَاثَةِ يَشْرَبُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيَلْعَبُونَ الْقِمَارَ، وَلَا يَصُومُونَ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ وَلَا يُصَلُّونَ، وَيَكْذِبُونَ وَيُفْسِدُونَ وَلَكِنَّهُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمُ إِلَّا الْخِنْزِيرُ، شُعُوبٌ غَرِيبَةٌ سَادَتُهَا أَغْرَبُ مِنْهَا.
“نَصْرَعُ الْغَرِيقَ كَيْلَا يَتَشَبَّثَ بِذِرَاعِنَا وَيَجُرَّنَا مَعَهُ فِي تَحَدُّرِهِ اللَّوْلَبِي إِلَى أَحْشَاءِ الْعَتَمَةِ الْبَارِدَةِ. لَا أَحَدَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْظُرَ بِبُؤْبُؤِ الْآخَرِ، وَلَا أَنْ يَتَنَفَّسَ بِمَسَّامِّهِ مَا تَلْفَحُهُ بِهِ سِيَاطُ الْحَيَاةِ. وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أُنْقِذَكِ مِنْ شَيْءٍ، لَسْتُ الْفَارِسَ الْأَمِيرَ وَلَا حِصَانَ لِي؛ وَلَكِنَّنِي سَمِعْتُ أَنِيناً ذَاتَ مَسَاءٍ، فَمَدَدْتُ يَدِي إِلَى قَلْبِ الْعَتَمَةِ كَيْ رُبَّمَا تَبْعَثَ خُطُوطُ رَاحَتِي بَصِيصاً قَدْ يَهْدِي مَنْ يَئِنُّ إِلَى إِصْبَاحٍ مُمْكِنٍ أَتِيٍّ. سَتَمُوتِينَ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَلَيْنَا حَقٌّ مِثْلَمَا مَا تَزَالُ تُرَدِّدُ أُمِّي.
وَالَّذِي يَرْكُضُ صَوْبَكِ رُبَّمَا أَنْتِ بِدَوْرِكِ تَرْكُضِينَ صَوْبَهُ. وَرُبَّمَا لَوْ غَيَّرْتِ بَعْضَ عَادَاتِ عَيْشِكِ لَتَغَيَّرَتْ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ أَمَامَ نَاظِرَيْكِ وَبَيْنَ يَدَيْ خُطَاكِ. وَتَأَمَّلِي عَرَاءَكِ جَيِّداً أَمَامَ مِرْآةٍ، فَلَعَلَّهُ يُسَاوِي قُبُلَاتِ لِقَاءٍ وَعِنَاقٍ. وَلَكِنْ نَظِّفِي الْمِرْآةَ قَبْلَ أَيِ فُرْجَةٍ، وَاجْعَلِيهَا لَمَّاعَةً بِالصِّدْقِ. غَداً سَيَأْتِي الرَّبِيعُ، وَسَوْفَ تَتَوَجَّعُ الطَّبِيعَةُ كَيْ يَعُمَّ الدِّفْءُ وَالْبَهْجَةُ مِنْ جَدِيدٍ، وَلَا حَقَّ لِبُرْعُمٍ فِي الاِنْتِحَارِ.
أَنْ تَكُونِي وَحِيدَةً وَحَزِينَةً، فَرُبَّمَا هَذَا مِنْ طَبِيعَةِ مِزَاجِكِ وَلَنْ تَنْفَعَكِ الْمُوسِيقَى إِلَّا إِذَا كَانَتْ رَاقِصَةً تُجْهِدُ عُودَكِ بِالاِهْتِزَازِ وَتُغْرِقُهُ بِالْعَرَقِ. فَأَوَّلُ الْحُبِّ أَنْ تُحِبِّي نَفْسَكِ مِثْلَمَا أَنْتِ، وَتَشْتَهِي جَسَدَكِ بِمَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ. فَهِنِيئاً لِلْمَاءِ إِنْ ذَاتَ رَبِيعٍ سَيَتَوَصَّلُ مِنْكِ بِجَسَدِكِ الْعَارِي قُرْبَاناً.”
أَنْهَارُ يَا الْحَبِيبُ. وَكَأَنِّيَ أَمْتَهِنُ الاِهْتمَامَ بِالْجُزْئِيَاتِ، فِي دَقَائِقِ أَشْيَائِهَا. صَغِيراً قَرَأْتُ وَسَمِعْتُ وَلَمْ أُصَدِّقْ، وَلَمْ أُصَدِّقْ، وَلَمْ أُصَدِّقْ إِلَى أَنْ تَفَجَّرَ الْمَاءُ الَّذِي يَنْحَبِسُ فِي مِحْجَرِ الرُّوحِ وَشَقَّ بَرًّا كَانَ يَجْمَعُنِي بِهِمْ وَرَاحُوا عَلَى رِمَالٍ عَائِمَةٍ يَدْفِنُونَ فِيهَا رُؤُوسَهُمْ خِشْيَةَ النُّورِ. نَصَبَ لَيْلُهُمْ أَعْلَامَهُ وَرَفَعَ بِقَبْضَتَيْهِ أَعْلَى رَأسِهِ ظَافِراً. بَانَ الْحَقُّ بَانَ. لَا أَحَدَ يَوَدُّ لِقَلْبِهِ أَنْ يَفْقَهَ وَلِعَقْلِهِ أَنْ يَأْبَهَ وَإِلَّا ضَاعَتْ مِنْهُ فُسَيْفِسَاءُ عَيْشِهِ الرَّتِيبِ فَأَهْتَرَ أَوِ انْتَحَرَ.
أُقَضِّي لَيَلَاتٍ بِبَيَاضِ نُهُرِهَا دُونَ أَنْ تَكْتَحِلَ عَيْنِي بِغُمُضٍ، لَا لِأَنِّيَ مُصَابٌ بِأَزْمَةِ ضَمِيرٍ، لَا لَا، وَلَكِنْ لِأَنَّنِي مَسْجُونٌ فِي جَسَدٍ حَزِينٍ فِيهِ رُوحِيَ مَوْءُودَةٌ؛ نُسْفِرَاتُو، لَا أَنَا بِالْحَيٍّ وَلَا بِالْمَيِّتِ؛ كَائِنٌ مَنْبُوذٌ مِنْ رَحْمَةِ عَقْلِهِ، يَقِظٌ بِاسْتِمْرَارٍ يَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ يَسَعُ كُلَّ الْأَسْئِلَةِ. وَعَلَى كُرْهٍ مِنْ كُلِّ هَذَا، يَا الْحَبِيبُ، أَتَدَفَّقُ بِسَعَادَةٍ لَا مَثِيلَ لَهَا. لِأَنِّيَ رَغْمَ أَنْفِ جَسَدِي الْحَزِينِ، وَرَغْمَ رُوحِيَ الْمَوْءُودَةِ فِيهِ، أَحْيَا الْحُرِّيَةَ؛ أُمَارِسُ حَقِّيَ فِي الْحَيَاةِ، أَفْعَلُ مَا عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَهُ، وَأَقُولُ مَا عَلَيَّ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَا أَخْشَى أَحَداً. يُوَاجِهُنِي الْإِنْكَارُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ لِقِلَّةِ اعْتِيَادٍ، وَكَأَنْ لَا أَحَدَ يَهْتَمُّ بِمَا أَقُومُ بِهِ أَوْ أَقُولُهُ، لِأَنَّهُ نَاتِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ مَا أَرَاهُ، وَالْحَقِيقَةُ عَارِيَةٌ تَخْدِشُ الْمُخَاتَلَةَ فَلَا مُخَاتِلَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. الْكُلُّ يَضْرِبُ عَلَيْهَا الطَّمَّ كَيْلَا يَتَوَرَّطَ فِي عِشْقِهَا. الْحَقِيقَةُ، يَا الْحَبِيبُ، قَضِيَّتُنَا الْعُظْمَى… أَلَمْ نَبْنِ تَارِيخَنَا عَلَى الزَّيْفِ وَالْبُهْتَانِ؟ وَهَا مَا نَزَالُ نَتَنَاسَلُ بِالْخَلْفِ لَا بِالْخَلَفِ كَيْلَا يَعُمَّ إِلَّا الزَّيْفُ. وَأَمَّا أُمَمُ الْعَقْلِ وَالْبَحْثِ عَنِ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهَا وَرَغْمَ حُرِّيَةِ الْجِنْسِ تُحَدِّدُ نَسْلَهَا؛ وَنَحْنُ فِي الْقَيْدِ وَبِالْكَبْحِ نَتَكَاثَرُ وَنَتَنَاحَرُ…
مَرَّةً، وَأَنَا أَتَجَوَّلُ بَيْنَ الْبَسَاتِينِ وَالْحُقُولِ، لَمَحْتُ عَلَى مَبْعَدَةٍ رَجُلاً يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى شَجَرَةٍ وَيَصْرُخُ فِيهَا. لَمْ أَتَبَيَّنْ مَا كَانَ يَقُولُهُ الرَّجُلُ، الَّذِي كَانَ يَبْدُو لِيَ غَاضِباً، إِذْ فِي لَحْظَةٍ شَهِدْتُهُ يَرْمِي بِطُرْبُوشِهِ إِلَى الْأَرْضِ. قُلْتُ مَعَ أَمَّارَتِي: “لَعَلَّهُ مُخْتَلٌّ أَوْ مُخَدَّرٌ بِسَائِلٍ أَوْ بِدُخَّانٍ”، وَسِرْتُ فِي نُزْهَتِي لَا أَهْتَمُّ وَلَا أُبَالِي. وَلَكِنَّنِي بَعْدَ يَسِيرٍ الْتَفَتُّ وَكَأَنْ حَدَسْتُ بِشَيْءٍ. وَيَا دَهْشَتِي وَخَيْبَةَ ظَنِّي، رَأَيْتُ بِأُمِّ عَيْنِيَ الرَّجُلَ يَمُدُّ ذِرَاعَيْهِ فِي هُدُوءٍ وَطِفْلاً يَنْزِلُ الشَّجَرَةَ بِبَعْضِ الْعُسْرِ وَالتَّرَدُّدِ.
“لَمْ نَكْتُبْ بَعْدُ، نَحْنُ نَحْبُو بِالْكَلِمَاتِ وَنَتَمَرَّنُ عَلَى السَّيْرِ إِلَى رَسَائِلَ مُفْتَرَضَةٍ. عَلَيْنَا بِالصِّدْقِ أَوَّلاً، ثُمَّ بِالْبَحْثِ عَنِ الدِّقَةِ فِي مَا نَوَدُّ قَوْلَهُ أَوْ حَكْيَهُ. نَحْنُ نَتَعَلَّمُ وَفَقَطْ. عَلَيْنَا أَنْ نَجِدَ وَسِيلَةً لِفَكِّ الرُّمُوزِ وَفَهْمِ خَلْفِيَاتِهَا، وَهَذَا لَا يَأْتِي إِلًّا بِكَثِيرِ السَّرْدِ وَبِتَهْذِيبِ الصُّوَرِ؛ بِتَأَمُّلِ الذَّاتِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا، وَتَمَعُّنِ الْمُحِيطِ الَّذِي يُكَرْكِزُهَا، وَبِحِصَارِ النَّفْسِ بِالسَّبْرِ وَبِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ؛ وَدُونَمَا إِسْفَافٍ أَوْ زَوَغَانٍ، سَنَكْتُبُ. يَوْماً مَا سَنَكْتُبُ بُرُداً رِوَائِيَّةً أَنِيقَةً فَاتِنَةً.
الْمِرْآةُ مَاءٌ مُتَجَمِّدٌ، وَالْمَاءُ مِرْآةٌ فِي جَرَيَانٍ. وَالْمِرْآةٌ عَالَمٌ بَارِدٌ مَيِّتٌ، وَالْمَاءُ كَوْنُ الْحَيَاةِ. فِإِنْ أَرَدْتِ الْغَرَقَ عَنْ طَيْبِ خَاطِرِ وَمَع سَبْقِ الْإِصْرَارِ وَالتَّرَصُّدِ فَادْخُلِي الْمِرْآةَ إِنِ اسْتَطَعْتِ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً. أَلَمْ تُلَاحِظِي قَبْلاً أَنَّ يَمِينَكِ يَسَارٌ فِي الْمَرَايَا، وَأَنَّ الْخَلْفَ قُدَّامٌ. وَالْمِرْآةُ يُمُومٌ مِنَ الصَّمْتِ رَاكِدَةٌ لَا تَرُدُّ بِذَاتِ الشَّفَةِ وَلَا تُرَجِّعُ صَدَى… تَقَبَّلِي فِي الْمِرْآةِ وَسَوْفَ تُحِسِّينَ الْمَوْتَ الَّذِي يَنْبُضُ فِيهَا يَسْرِي فِي عُودِكِ وَيَلْتَهِمُ مِنْ نُسْغِكِ كُلَّ الْمَيْسِ وَيُنَشِّفُ رُوحَكِ مِنْ كُلِّ الْمَلَاحَةِ.
أُحَاوِلُ أَنْ أَقْرَأَ فِي عَيْنَيْكِ مَا تُخْفِيهِ الْكَلِمَاتُ، وَلَكِنَّنِي لَا أَكَادُ أَتَأَمَلُّ فِي رَحَابَةِ عُمْقِهِمَا حَتَّى أَغْرَقَ فِي لُجَجِهِمَا الْمُتَوَقِّدَةِ بِالْحَيَاةِ. فَلَا أَسْتَطِيعُ بَتَاتاً أَنْ أُطِيلَ النَّظَرَ فَأُغْمِضُ عَيْنَيَّ، وَأُفَكِّرُ أَنَّ سِيجَارَةً سَتُعِيدُنِي إِلَى بَعْضِ التَّرْكِيزِ عَلَى هَذِهِ الْكِتَابَةِ. وَأَمْضِي عَنْكِ أُدَخِّنُ، أُسَائِلُ دَفَّتَيْكِ وَأُخَمِّنُ: لَمْ أُحِسِّ الْمَوْتَ فِي عَيْنَيْكِ، لَمْ أَلْمَسِ الْعَيَّ فِي خَطْوِكِ. صُوَرُكِ مُفْعَمَةٌ بِالْأَمَلِ. وَلَا أَجِدُكِ تُشْبِهِينَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْوَاقِفَةَ فِي الْمُفْتَرَقِ. إِنَّهَا الْمِرْآةُ تُغَشِّي نَاظِرَيْكِ أَحْيَاناً بِعَالَمٍ مَقْلُوبٍ صَامِتٍ وَبَارِدٍ وَحَزِينٍ. وَإِنَّهَا مَسْحَةُ مَرَارَةٍ عَابِرَةٍ كَمَا سَحَابَةُ صَيْفٍ. ثُمَّ الْمَرَارَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَإِلَّا كَيْفَ يَكُونُ لِلْحَلَاوَةِ طَعْمُهَا السَّلْسَالُ؟”
فِي الْعَامِ الْمَاضِي إِبَّانَ مَعْرِضِ الْكِتَابِ الْتَقَيْتُ بِالْعَزِيزِ مَحْمُودٍ بِالدَّارِ الْبَيْضَاءِ، وَقَالَ لِي مُبْتَهِجاً لَذِيذاً بِالاِبْتِسَامِ: “مَرْحَباً بِكَ فِي وَطَنِكَ”، فَغَرِقَ قَلْبِي فِي دُمُوعِهِ الْحَبِيسَةِ. وَطَنِي؟ أَيْنَ وَطَنِي؟ هَلْ هَذَا الزَّوْرَقُ الْمَثْقُوبُ الْهَارِبُ إِلَى مَا أَعْمَقَ فِي اللَّيْلِ مِنْ ظُلْمَةٍ؟ لَمْ أَجِدْ لِسَاناً لِجَوَابٍ؛ “أَهْلاً بِكَ” قُلْتُ وَعَانَقْتُهُ وَعَانَقَنِي مُضِيفاً “مَا شَاءَ اللَّهُ، وَسِيمٌ”، لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ أَنِّي ضَاعَ مِنِّي وَزْنِيَ الثَّقِيلُ. لَكَمْ كُنْتُ سَعِيداً بِلِقَاءِ مَحْمُودٍ هُنَاكَ، وَلَكَمْ كُنْتُ مَرِيضاً حَتَّى أَنِّي مَا لَقِيتُهُ إِلَّا مُهْلَةَ تَجَرُّعِي قَهْوَتِي الْمَالِحَةِ تِلْكَ فِي حَضْرَتِهِ لِدَقَائِقَ مَعْدُودَاتٍ، ثُمَّ غِبْتُ عَنْهُ كَأَنْ غَيَّبْتُ. كَانَ أَمْراً جَمِيلاً وَمُثِيراً أَنْ أَلْقَاهُ هُنَاكَ مِثْلَمَا أَتَمَنَّاكَ أَنْ أَلْقَاكَ.
عَلَّمَنِي هَذَا الْأَلَمُ الْمُزْمِنُ جَرَّاءَ مَرَضٍ مَجْهُولٍ لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّنِي بِصِحَّةٍ عَقْلِيَّةٍ مُمْتَازَةٍ وَأَنَّنِي فِعْلاً حَيَوَانٌ بَشَرِيٌّ كَامِلٌ. وَكَمَالِيَ يَكْمُنُ فِي حَقِيقَةِ مَا أُحِسُّهُ وَمَا أَعْقِلُهُ. أَرْفُضُ الزَّيْفَ كَيْفَمَا كَانَ. وَكَأَنِّي بِيَ أَحْيَا بِجَسَدٍ حَزِينٍ وَالرُّوحُ فِيهِ مَوءُودَةٌ لِأَنَّنِي مُنْذُ الْبَدْءِ رَأَيْتُ الْحَقِيقَةَ وَتَحَمَّلْتُ عِبْئَهَا. وَالْأَطِبَّاءُ، يَا اللهُ، كَأَنْ أَمَامَ أَمْرٍ عَظِيمٍ، بَحَثُوا أَوَّلاً فِي الْعُضْوِيِّ الْعَادِيِّ وَلَمْ يَتَوَصَّلُوا إِلَى شَيْءٍ، ثُمَّ بَدَؤُوا (وَالضَّمُ أَعْظَمُ) فِي كُشُوفَاتِ الْأَعْضَاءِ الدَّاخِلِيَّةِ عُضْواً بَعْدَ الْعُضْوِ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى نَتِيجَةٍ. ثُمَّ أَحَالُونِي عَلَى الطِّبِّ النَّوَوِيِّ وَلَمْ يُصِيبُوا. وَالْآنَ يَبْحَثُونَ عَنْ مَرَضٍ نَادِرٍ أَوْ وِرَاثِيٍّ، بِفُحُوصَاتٍ تُؤْلِمُ أَكْثَرَ مِمَّا تُعْلِمُ. أَظُنُّ أَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الأَرْضِ تَتَأَلَّمُ بِرُوحِي فِي جَسَدِي لِأَنَّنِي عَرَبِيٌّ.
بَدَأَتِ الْأَزْمَةُ، كَمَا تَعْلَمُ يَا الْحَبِيبُ، إِنْ كَانَتْ ثَمَّةَ أَزْمَةٌ، بِأَلَمٍ حَادٍّ فِي الرَّقَبَةِ وَبِالْنَّمْلِ وَالْكَهْرَبَة فِي الذِّرَاعِ الْيُسْرَى، ثُمَّ زَحَفَ الْأَلَمُ وَعَمَّ مِنِّيَ الْكَثِيرَ. وَهَا بَعْدَ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ سَيَجْرَحُونَهَا، هَذِهِ الرَّقَبَةَ الَّتِي تَأْبَى أَنْ تَنْحَنِيَ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مَرْبَضِ الْأَذَى. وَأَنَا أَخَافُهُمْ أَنْ يَقْتَلِعُونِي مِنْ نُخَاعِيَ الشَّوْكِيِّ، الشَّوْكَةَ بَعْدَ الشَّوْكَةِ.
وَاحْتَضَنَ الرَّجُلُ الطِّفْلَ. وَتَابَعْتُهُمَا يَبْتَعِدَانَ يَداً فِي يَدٍ، يَبْدُوَانِ مِنْ خَطْوِهِمَا مَسْرُورَيْنِ. وَانْتَبَهْتُ إِلَى كِيسٍ بِيَدِ الطِّفْلِ، ثَقِيلٍ نِسْبِيًّا، لَمْ أَنْتَبِهْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ. وَتَبَيَّنَ لِي مِنْ شَكْلِ الشَّجَرَةِ أَنَّهَا تُفَّاحَةٌ. لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ غَاضِباً إِذَنْ.
“قَطْعُ حَبْلِ النَّفْسِ لَنْ يُنْقِذَكِ مِنَ الْأَشْبَاحِ الَّتِي تُحَاصِرُكِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَأَنْتِ تُرَصِّفِينَ كَلِمَاتٍ لِلشَّجَنِ وَلِلشَّكْوَى، وَلَا تَقُولِينَ شَيْئاً يُذْكَرُ. بَلْ لَا تَقُولِينَ إِلَّا بِمَا قَدْ يُنْكَرُ؛ الاِنْتِحَارُ وَفَقَطْ. وَلَكِنَّ مَا تَهْرُبِينَ مِنْهُ سَيَبْقَى نَابِضاً فِي رُوحِكِ، يَتَزَاحَمُ فِيهَا وَيَتَوَالَدُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةٍ. وَقَدْ تَجْهَلِينَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُنْتَحِراً يَعِيشُ فِي لَا حَيَاةٍ؛ يَعِيشُ يَوْماً مَشْحُوناً بِالتَّقْتِيلِ يُعَادُ ثُمَّ يُعَادُ، لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتِ الْوِلَادَةَ لِتَنْتَهِيَ بِالْوَفَاةِ. الْحَيَاةُ لَيْسَتْ رَهِينَةَ تَكْتَكَةِ الْوَقْتِ، إِنَّهَا يَحُدُّهَا الْأَزَلُ وَالْأَبَدُ فِي شَكْلٍ لَوْلَبِيٍّ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَنْتَحِرُ يَبْقَى مُعَلَّقاً بِالْحَيَاةِ عَلَى قَيْدِ الْمَوْتِ. وَأَنَا لَا أَفْهَمُ إِلَى الْآنَ مَا أَنْتِ تَقْصِدِينَ.”
وَلَكِنَّنِي وَأَنَا أَسِيرُ طَرِيقِيَ بَيْنَ الْحُقُولِ أُخَمِّنُ وَأَبْتَسِمُ، وَالرَّجُلُ وَالطِّفْلُ يَغِيبَانِ وَرَاءَ أَشْجَارِ الْبُسْتَانِ، تَنَبَّهْتُ بَعْدَ مُهْلَةٍ أَنَّ الرَّجُلَ نَسِيَ طُرْبُوشَهُ وَرَاحَ. فَجَرَيْتُ أَدْرَاجِي إِلَى حَيْثُ الشَّجَرَةِ، وَتَفَحَّصْتُ الْمَكَانَ وَلَمْ أَجِدْ ثَمَّةَ سِوَى طَائِرِ أَزْغَبَ قَبِيحِ الْمَنْظَرِ بِرُؤُوسٍ ثَلَاثَةٍ بِكُلٍّ مِنْهَا ثَلَاثَةُ مَنَاقِيرَ وَخَمْسَةُ عُيُونٍ جَاحِظَةٍ، بِأَرْجُلٍ ثَلَاثَةٍ بِكُلٍّ مِنْهَا خَمْسَةُ أَكُفٍّ، وَبِأَجْنِحَةٍ عِدَّةٍ تُشْبِهُ أَصَابِعَ زَغْبَاءَ، يَئِنُّ وَيَتَخَبَّطُ فِي التُّرَابِ وَيُثِيرُ الْغُبَارَ، وَلَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ التَّعَرُّفِ عَلَى نَوعِ فَصْلِهِ وَأَصْلِهِ أَوْ مِنْ أَيِّ الْمَخْلُوقَاتِ قَدْ يَكُونُ طَفَرَ. فَمَكَثْتُ حَائِراً لِلَحَظَاتٍ تُدَاهِمُنِي الْأَسْئِلَةُ وَلَا أَهْتَدِي إِلَى جَوَابٍ.
الْأَشْيَاءُ الَّتِي تُحْدِثُهَا الطَّبِيعَةُ الْيَوْمَ مِنْ فَيَضَانَاتٍ وَجَفَافٍ وَانْجِرَافَاتِ التُّرَابِ أَوِ الطَّمْيِ، وَانْهِيَارَاتِ الصُّخُورِ وَالْجَلِيدِ، وَتَقَدُّمِ الصَّحَارِي وَالْبِحَارِ، وَالْأَعَاصِيرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكَوَارِثِ، لَا تُهَدِّدُ بِفَنَاءِ الْحَيَاةِ. إِنَّمَا هِي تَحَوُّلٌ، تَجْدِيدٌ أَوْ طُفُورٌ، لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا مَنَاصَّ لِتَبْقَى وَتَسْتَمِرَّ الْحَيَاةُ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ. وَأَمَّا فِعْلُ الْإِنْسَانِ السَّالِبُ فِي جَسَدِهِ وَنَفْسِهِ وَفِي أَخِيهِ وَفِي الطَّبِيعَةِ، فَتَخْرِيبٌ لِلْكَوْنِ بِأَجْمَعِهِ. وَالنَّارُ النَّارُ؟ لَيْسَتْ مِنْ قَيْسٍ أَوْ أَبِي لَهَبِ أَوْ نَيْرُونَ، أَوْ دِيهِيَا الْكَاهِنَةِ، وَلَيْسَتْ مِنْ مَارِجِ خَلْقِ الْجَانِ؛ إِنَّهَا الْإيقَاعُ؛ تَوَاتُرُ نَفْسِ الصَّوْتِ وَنَفْسِ الْحَرَكَةِ، كَدَقَّاتِ الْقَلْبِ، كَتَعَاقُبِ الْأَيَّامِ وَالْفُصُولِ، وَرَقْرَقَةِ الْمَاءِ… بِالنَّارِ رُقِشَتِ الْوَصَايَا عَلَى الْأَلْوَاحِ، وَبِهَا جَفَّتِ الطِّينَةُ وَاسْتَوَتْ جَسَداً، بِهَا التَّطْهِيرُ وَالتَّخْصِيبُ، بِهَا الطَّهْيُ وَالْكَيُّ، وَهْيَ الَّتِي آلَتْ بَرْداً وَسَلَاماً. إِنَّهَا سَابِقَةٌ عَلَى الْمَاءِ وَالتُّرَابِ مَعاً.
وَأَنَا الْقَبِيضُ، يَا الْحَبِيبُ، التُّؤْمُرِيُّ اللَّبِيبُ الْمُكِبُّ عَلَى صَنْعَتِهِ، مِثْلَمَا وَصَفَنِي الْوَسِيطُ، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ لَا تَفْتُرُ عَنْ أَمْرٍ، تُرْتَدَى بِلَا جَيْبٍ أَوْ كُمَّيْنِ، أَرْتَضِيهَا. وَكُلَّمَا حَطَّتِ الْأَطْيَارُ لِتَقْتَاتَ مِنْ رَأْسِي، أَخْبِطُ عَلَى بَيْضِهَا وَأَدُكُّ قَيْضَهُ إِلَى أَنْ تَتَبَيَّنَ خُيُوطُ غِرْقِئِّهِ، وَيَخْتَلِطَ مَاحُهُ بِآحِهِ، فَيَلُوحُ مِنْ نَقْعِ الْخَطْوِ مَجَازٌ جَدِيدٌ، دُونَ تَشْبِيهٍ أَوِ اسْتِعَارَةٍ، أَسِيرُ فِيهِ الْهُوَيْنَى. أَقُولُ لَبَّيْكَ؛ لَا أَلْبُ، لَا لَهَبُ… وَأَتْرُكُ الْمَرْكَبَ وأُصَوِّبُ نَحْوَ الْيَابِسَةِ رَاجِلاً، لِأَنَّنِي، وَجَوْفُ نِطَاقِي كَثِيفٌ، لَمْ أُنْهِ رِسَالَتِي بَعْدُ…
عِمْ صَباحا، عِمْ مَسَاءً، يَا أَخِي، يَا الْحَبِيبُ، إِلَى أَنْ نَتَلَاقَى، قَدْ يُتْبَعُ.

البيضاء – باريس