“غرفة جيوفاني” فصل من رواية الكاتب الأميركي جيمس بالدوين ترجمة فيء ناصر

تقديم
يتساءل بالدوين، في حديث له حول هذه الرواية، ما الذي يحدث عندما يُصبح شخصٌ ما غير قادر على أن يُحبّ أيّ أحد؟ ماذا يحدث لو كان خائفًا جدًّا من نفسه، وخوفه ذاك يمنعه حتى عن الوقوع في الحُبّ والانكشاف التّام أمام الآخر؟ هل يغدو إنسانًا متوحّشًا؟ هل يصبح خطيرًا إلى درجة وجوب ابتعاد الناس عنه؟ “قلّة من الناس تموت من الحب، لكن الكثرة تهلك وتفنى كلّ ساعة – وفي أكثر الأماكن غرابة – بسبب فقدانه.”
تجري الرواية في باريس الخمسينيّات. تعجّ المدينة بالمغتربين والعلاقات المحرّمة والعُنف الخفيّ، فيزورها ديفيد الأمريكيّ ليقف عاجزًا عن قَمْع نوازعه رغم معرفته بخطورتها وآثارها القاتلة. إذ بعد أن قابل فتاةً أحبّها وعرض عليها الزواج، يُصادف عامل حانةٍ إيطاليّ، جيوڤاني، ذا الفلسفة والرؤية المختلفتين تمامًا عن الأفكار الأمريكية المتفائلة التي يحفظها ديفيد عن ظهر قلب، فتتغيّر حياته.
لن تعود الغُرَف تشبه بعضها بعد غرفة جيوڤاني. أما شخصيّة جيوڤاني نفسها فستغدو – لبراعة الكاتب في رسمها – غير قابلة للنسيان أبدًا.

 

“مُذهل… كتابٌ ينتمي إلى الصفّ الأوّل من أدب الرواية.”
The Atlantic
“حجزَ المؤلّف له مكانًا في مجموعة خاصّة جدًّا؛ إنّه من بين أولئك الكتّاب الأمريكيين الخالدين”
Saturday Review
“أن تكون جيمس بالدوين يعني أن تلمس مناطق خفيّة كثيرة في الثقافة الأوروبية، والأمريكية، والزنجيّة، وثقافة الرّجل الأبيض عمومًا – يعني أن تفهم كثيرًا، أكثر من اللازم”
Alfred Kazin

مجتزأ من الفصل الأول

جيمس بالدوين

أطلُّ ليلًا من نافذة هذا المنزل الكبير في جنوب فرنسا، على اللّيل الذي قادني إلى أكثر الصّباحات رُعبًا في حياتي. أحمل كأس شراب في يدي، وثمّة زجاجة خمر على الطاولة، حيث أضع مرفقي. أنظر إلى انعكاس هيئتي على زجاج النافذة، في ومضات العتمة. انعكاسي طويل، أطول من سهمٍ شاخص، وشعري الأشقر يلمعُ في الظلام. وجهي يشبه وجهاً التقيته عدّة مرّات سابقًا. أسلافي احتلّوا قارّة، اندفعوا إلى السهوب يتقدّمهم موتٌ ثقيل، حتى وصلوا إلى محيط يدير وجهه عن أورُبا، ويرنو نحو ماض معتم.
دون شك، سأكون ثملًا عند حلول الصباح، لكن ذلك لن يغير شيئا. يجب أن أستقل القطار إلى باريس في كل الأحوال. سيكون القطار كما هو، يتزاحم الناس فيه من أجل راحتهم، وحتى الوقورون منهم سيتزاحمون على مقاعد الدرجة الثالثة الخشبيّة، ذوات مساند الظهر المستقيمة، سيكونون كما هم، وأنا سأكون كما أنا.
سنمرّ بالأرياف الشماليّة المتماوجة ذاتها، تاركين خلفنا البحر وأشجار الزيتون وإشراقة السماء الجنوبية العاصفة، نحو ضباب باريس ومطرها. أحدهم سوف يعرض عليّ مشاركته شطيرته، وآخر سوف يقدّم لي رشفة من نبيذه، وثالث سوف يطلب مني عود كبريت. سيتجول الناس في ممرّ القطار وينظرون عبر نوافذه، وإلى انعكاساتنا عليها.
في كل محطّة، سيفتح موظّفوا القطار ذوو الزي البنيّ الفضفاض والقبّعات الملوّنة أبوابَ المقصورات كي يسألوا: «هل العدد مكتمل؟» وسوف نهزّ رؤوسنا جميعًا بالموافقة، فيبتسم بعضهم إلى بعض ابتسامة باهتة مثل متآمرين، بينما يستمرون في عملهم. سينهي اثنان أو ثلاثة منهم عملهم أمام باب مقصورتنا، يتصايحون ببذاءة فيما بينهم بأصوات مُجهَدة، ويدخنون سجائر رخيصة لا تُحتمل. وستجلس فتاة قبالتي وتتساءل في سرّها لماذا لم أغازلها؟ وستسحب نفسها لتجلس على طرف المقعد حين يأتي الجنود. سيجري كلّ شيء كما جرى سابقًا، غير أنني سأكون أكثر سكونًا هذه المرّة.
وهذا الريف ساكنٌ أيضًا هذه الليلة، الرّيف المنعكس على صورتي في زجاج النافذة. يقع هذا المنزل على مقربة من منتجع صيفيّ صغير، ما يزال فارغًا، لم يبدأ موسم السياحة بعد. يقع المنتجع فوق تلّ صغير، يتيح لمن يُشرف منه قُدرة رؤية أضواء المدينة وسماع هدير البحر. استأجرناه أنا وحبيبتي هيلا حين كنّا في باريس من خلال معاينة صوَره قبل عدّة أشهر. غادرَت هيلا منذ أسبوع. هي في أعالي البحار الآن، في طريقها عائدة إلى أمريكا.
أستطيع رؤيتها، أنيقة جدًّا، متوترة، ولامعة، تحيطها الأضواء التي تملأ بهو الباخرة عابرة المحيطات، تشرب بسرعة وتضحك وتراقب الرّجال. كانت تلك حالها حين التقيتها أوّل مرّة، في حانة في منطقة سانت جيرمان دي بري، كانت تشرب وتراقب، ولهذا السبب أُعجبتُ بها، فكّرتُ بمتعة مرافقة فتاة مثلها. هكذا بدأنا، كان حبّنا يعني لي كل شيء؛ أما الآن فلستُ متأكّدًا هل عناني الأمر كثيرًا فعلًا؟ لا أعتقد أنّه عناها كثيرًا أيضًا، على الأقل ليس قبل أن تذهب في تلك الرحلة إلى إسبانيا وتجد نفسها وحيدة هناك تنتابها الحيرة. ربما كانت تريد الشّرب ومراقبة الرّجال طوال حياتها. لكن حدث ذلك بعد فوات الأوان. كنتُ أنا مع جيوڤاني حينها. سألتها أن تتزوجني قبل أن تغادر إلى إسبانيا؛ ضحكتْ، وأنا ضحكتُ أيضًا، لكن ذلك الضّحك، بطريقة ما، جعل مشروع الزواج أكثر جديّة بالنسبة لي، فألححتُ عليها؛ ثم قالتْ إنّه يتحتّم عليها السّفر بعيدًا والتّفكير في الأمر.
في آخر لقاء لنا، خلال ليلتها الأخيرة هنا، وبينما كانت تحزم حقيبتها، قلت لها إني أحببتها وأقنعتُ نفسي بذلك. لكني أشكُّ الآن. فكّرتُ كثيرًا بمُتعة ليالينا في السّرير، بتلك البراءة العجيبة والثقة المتبادلة، التي لا يمكنها أن تعود مجددًّا، والتي جعلت تلك الليالي بهيجة وسعيدة جدًّا، لا تمتّ للماضي بصلة ولا للحاضر، ولا للزمن الآتي. تلك الليالي لا تمت بصلة إلى حياتي ذاتها، منذ أن وقعَت مُعظم المسؤولية المباشرة لأزمنة حياتي على كاهلي. أفكّرُ بتلك الليالي التي عشناها تحت سماء غريبة، لا أحد يراقبنا، ولا عواقب تترتّب علينا، وهذه هي الحقيقة الناصعة لخرابنا، فلا شيء أكثر وطأة وثقلًا من الحريّة حينما يحوزها المرء. وأعتقد، لهذا السبب، أنني سألتها الزّواج منّي: كي أعطي نفسي شيئًا أرتبط به. وربما كان هذا هو سبب موافقتها على الزواج مني وهي في إسبانيا. لكن الناس يصابون بالحزن لأنهم لا يستطيعون تلفيق علاقاتهم وارتباطاتهم، واختلاق الأصدقاء والأحبّة، مثل عجزهم عن اختراع أبويهم. الحياة تمنح هذه العلاقات والروابط وتأخذها مرّة ثانية، وتكمن المشقّة الكبرى في أن تقول للحياة: نعم.
حين قلت لهيلا إنّي أحببتها، كنتُ أفكّر بأيّامنا معًا، قبل أن تحدُث لي تلك الأمور المروّعة التي لا عودة عنها. حينما تكون العلاقة عابرة فهي لا تعني سوى أنها عابرة. الآن، ومنذ هذه الليلة، منذ هذا الصّباح الآتي، ودون أن أُعطي أهميّة لعدد الأسرّة التي سأمارس عليها الحبّ حتى أصل إلى سرير مماتي، أعاهد نفسي على عدم الخوض في أيّ علاقة صبيانيّة فاتنة عابرة، والتي هي في حقيقتها، عندما يُمعن المرء التفكير فيها، شيء أكثر قليلا من استمناء ناطق ذي صدى. الناس ذو طبائع متباينة كثيرًا في هذا الجانب، ولا يجوز معاملتهم بسطحيّة واستخفاف. أنا أيضًا تتباين طباعي إلى درجة صرتُ معها غير جديرٍ بالثقة، وإلا ما كنت وحدي في هذا البيت، هذه الليلة، وما كانت هيلا وحدها في أعالي البحار. وما كان جيوڤاني في طريقه إلى الموت بالمقصلة، في ساعةٍ ما بين هذه الليلة والصّباح الآتي.
من بين كل الأكاذيب العديدة التي رويتها، وعشتها وصدّقتها، أندم الآن على كذبة واحدة –رغم انتفاعي منها – وهي تلك الكذبة التي حكيتها لجيوڤاني، لكنها فشلتْ في جعله يصدقها، وكذبتي هي إنني لم أنم مع أيّ فتىً قبله. وقد قرّرتُ أني لن أكذب مرّة أخرى. هناك شيء رائع في المشهد الذي أستدعيه الآن لنفسي، كنت قد هربتُ من مواجهته، بعيدًا جدًّا، وسريعًا جدًّا، حتى عبرت المحيط هربًا، فقط كي أجد نفسي تتضاءل مرّة أخرى أمام الرّقيب في فنائي الخلفي الذاتيّ. لقد ازدادت ضآلتي الآن وكبُرَ الرّقيب في داخلي.
كنت قد نسيتُ ذلك الفتى، جَوي، سنوات طويلة؛ لكني أراه بوضوح تام هذه الليلة. حدث هذا منذ بضعة سنوات خلت. كنت مراهقا، وكان هو في عمري تقريبًا، يكبرني أو يصغرني بسنة. كان فتى لطيفا، وسريعا وشديد السّواد، وضَحوكًا دائما. وكان أقرب أصدقائي بعض الوقت. بعد ذلك استحوذتْ عليّ فكرة أن وجود صديق مقرّب منّي هو دليل دامغ على تلوّثي الداخلي. لذلك نسيته. لكني أراه جيّدًا هذه الليلة.
حدث ذلك في الصّيف، في العطلة المدرسيّة. ذهب والداه إلى مكان ما لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وكنتُ أقضي تلك العطلة الأسبوعيّة في بيته الذي كان في بُقعة من بروكلين قريبة من كوني آيلاند. في تلك الأيام كنّا نسكن بروكلين أيضًا، لكن بيتنا كان في حيٍّ أرقى من الحيّ الذي يقطنه جوي. أظنّنا استلقينا على الشاطئ للسباحة بعض الوقت ومراقبة الفتيات نصف العاريات في لباس السباحة. كنا نصفّر لهن ونضحك. كانت طريقتنا في التصفير تروق للفتيات دون شك، ومع ذلك كنّ يغضضْن الطرف ويتجاهلننا، وأنا واثق لو أن إحداهن قد أظهرتْ أيّ استجابة لصفيرنا، لمَا وَسِعنا عُمق المحيط كلّه كي نُغرق فيه خجلنا وارتباكنا. وحين بدأت الشمس بالغروب، أخذنا نتمشّى في الممر الخشبي باتجاه بيته، بملابسنا الداخلية الرّطبة تحت سروالَينا.
كانت البداية تحت صنبور الاستحمام، كما أتذكّر. خالجني إحساس بشيء ما – بينما كنّا نتمازح في الحمّام ذي البخار الكثيف، نلسعُ بعضنا بأطراف المناشف المبلّله – إحساس لم يسبق لي معرفته، غامض ودون غاية، ضمّنا معًا. أتذكّر ذلك النفور الثقيل في نفسي من ارتداء ملابسي، عزَوته إلى الحرارة. لكنّنا ارتدينا ملابسنا أخيرًا، وتناولنا طعامًا حانةدًا من البرّاد، وشربنا كثيرًا من البيرة. وربما خرجنا لمشاهدة فيلم، لأني لا أجد سببًا آخر لخروجنا من البيت. وأذكر أننا مشينا في شوارع بروكلين الاستوائيّة المظلمة، بينما الحرارة تنبعث من الأرصفة ضاربةً جدران المنازل بقوّة تكفي لقتل إنسان، وبالِغوا العالم كلّهم يصخبون في منعطفات الشوارع، وأطفال العالم كلّهم يجلسون على الأرصفة أو المزاريب أو يتعلّقون في مخارج الطوارئ الخلفيّة للبيوت. كانت ذراعي على كتف جوي. وكنت مزهوًّا، على ما أذكر، لأن رأسه منخفض عن مستوى أذني بقليل. وبينما كنا نتمشّى، كان جوي يُطلق نكاته وملاحظاته الحانةعة البذيئة، فنضحك. أتذكّر المرّة الأولى منذ وقت طويل، أتذكّر ولعي بجوي تلك الليلة، وشعوري بالطيبة والنُّبل. كان الهدوء يخيّم في الشوارع الطويلة ذاتها عند عودتنا، كنّا هادئين، وعندما دخلنا شقّتهم غشانا النعاس. خلعنا ملابسنا في غرفة جوي وآوينا إلى السرير. نمتُ فترة لا بأس بها، كما أذكر. لكني صحوت كي أجد مصباح الغرفة مضاء وجوي يتفحّص مخدته باهتمام شديد.
«ما المشكلة؟»
«أعتقد أنّ بقّ الفراش عضني.»
«يا قذر، أهناك قمل في فراشك؟»
«أعتقد أنّ واحدة قرصتني.»
«وهل قرصتك بقّةُ فراش من قبل؟»
«لا»
«حسنًا، اخلُد للنوم إذًا، أنت تحلم.»
نظر إليّ بفم فاغر وعينين سوداوين كبيرتين، كأنّه للتوّ اكتشف أنّي خبيرٌ بِبَقّ الفراش. ضحكتُ ومسكتُ رأسه، والله وحده يعلم عدد المرات التي أمسكت فيها رأسه بتلك الطريقة من قبل، عندما كنّا نلعب معًا، أو عندما يزعجني. لكن حينما لمسته هذه المرة، شيء ما حدث له ولي، شيء ما جعل هذه المسكة تختلف عن أيّ مسكة سابقة. لم يقاوم، مثلما كان يفعل عادة، بل انقاد إلى المكان الذي سحبته اليه، قبالة صدري. وشعرت بقلبي يدقّ عاليًا وسريعًا، بينما كان جوي يرتجف أمامي، ومصباح الغرفة ساطع الإنارة ويبعث على الحرارة. بدأت بالحركة محاولًا اختلاق جوٍّ للمزاح، فتمتم جوي شيئا ما، وأحنيتُ رأسي للأسفل كي أسمعه. لكنه رفع رأسه في اللحظة التي أحنيت عندها رأسي، ورُحنا نقبّل بعضنا كما لو كانت مصادفة. بعدها، ولأول مرّة في حياتي، أعرتُ انتباهاً لجسد إنسان آخر، ورائحته. طوّقَتْ ذراعا كلّ منّا جسد الآخر. كأنني احتضنتُ بين يديّ طيرًا نادرًا مُنهكًا يوشك على الموت، ومعجزة ما حدثتْ، فوجدته. كنت مرتعبًا جدًّا؛ ومن المؤكّد أنه كان مرتعبًا مثلي، فأغمضنا أعيننا. استعادة تلك الحادثة هذه الليلة بهذا الوضوح وهذا الألم، هو دليل على عدم نسيانها أبدًا. أشعر الآن بالخَدَر، بإثارة لا تُحتمل، كما شعرت بذاك الهياج والإثارة السّاحقة حينها، عطشٌ حارّ وعظيم، وارتعاش وحُنُوّ مؤلم جدا، خُيّلَ لي أن قلبي سينفجر، لكن بعد جرعة الألم الصاعقة تلك، أتى الفرح؛ لقد منحنا بعضنا الحبور في تلك الليلة. وتراءى لي حينها أنّ عُمرًا بأكمله سوف لن يكفي كي أمارس الحبّ مع جوي. لكن ذاك العمر الذي تمنيته كان قصيرًا، ومُقتصرا على تلك الليلة فقط، وانتهى في الصباح التالي. صحوتُ بينما كان جوي ما يزال نائمًا، متكوّرًا مثل طفل قبالتي. بدا مثل طفل حقًّا، فمه نصف مفتوح، وخدّاه متورّدان، وقد غطّت الوسادةُ شعرَه المجعّد ونصفَ جبهته المدوّرة المبلّلة. التمعتْ رموشه الطويلة قليلا في شمس الصيف. كنّا عاريين وشراشف السرير مجعدة عند أقدامنا. كان جسم جوي البنيّ مبلّلًا بالعرق، كان أجمل كائن وقعت عليه عيناي حينئذ. أوشكتُ على لمسه كي أوقظه لكن شيئا ما منعني، تسلّل خوف مفاجئ إليّ، ربما لأنّه بدا بريئًا جدًّا ومستلقيًا بطمأنينة على السرير، وربما لأن جسده كان صغيرًا بالنسبة إلى جسدي، فشعرتُ فجأة بمقت شديد لشراهة جسدي ورغبته اللجوجة التي بدأت تتعاظم في داخلي. لكن فوق كل ذاك، كنت خائفًا وكأنّ الخوف المقيم في داخلي يردّد: لكن جوي مجرّد صبيّ! وفجأة انتبهتُ إلى قوّة فخذيه وذراعيه وقبضتيه المرتخيتين. أصابتني غرابة وقوّة ذلك الجسد ولغزه بالخوف العارم. وبدا لي كما لو أنه مغارة سوداء مفتوحة ستعذبني إلى حدّ الجنون، مغارة سأفقد فيها رجولتي. لكني أردتُ معرفة لغز ذلك الجسد، والشعور بقوّته، عبر جسدي نفسه. تحوّلَت قطرات العرق التي رشحت في ظهري، إلى قشعريرة. وحين تفحصتُ فوضى السرير الّذيذة، وأدلّته الوضيعة، شعرتُ بأسوأ مشاعر الخزي والعار. فكّرتُ بما ستقوله أم جوي حين تنظر إلى أغطية السّرير. فكّرتُ بعدها بأبي أيضًا الذي ليس له أحد سواي في هذا العالم، فقد ماتت أمي حين كنت صغيرًا. فُتحتْ مغارة سوداء في ذهني، مليئة بالإشاعات، والظنون، مليئة بحكايات لا تكاد تُسمع، حكايات نصف منسيّة، ونصف مفهومة ومليئة بمفردات قذرة. ظننتُ أنّي أرى مستقبلي في تلك المغارة. كنت خائفا وعلى وشك البكاء لشعوري بالرعب والعار، البكاء من عدم فهم لماذا يحصل لي كل هذا، ولماذا يحصل فيّ كل هذا. فاتّخذتُ قراري. نهضتُ من الفراش واغتسلت وارتديت ملابسي وأعددتُ الفطور قبل أن يستيقظ جوي. لم أخبره بقراري؛ خشيت من ضعف إرادتي. ولم أجلس لتناول الفطور معه، لكنّي شربتُ قليلا من القهوة واختلقتُ عُذرًا للذهاب إلى البيت. كنت أعرف أن عذري لم ينطلِ على جوي؛ لكنه كان يجهل كيف يعترض أو يلحّ؛ كان يجهل أنّ ذلك هو ما كان يحتاج فعله حقًّا. وبعد ذلك، لم أره مدّة طويلة. في ذلك الصيف، وقبل تلك الليلة، كنت ألتقيه كل يوم. لم يأت هو لرؤيتي، كنت سأفرح لو فعل، لكننا سلكنا طريقَ الوداع، الحلّ يكمن في انزواء وانكفاء واحدنا عن الآخر حين كُنّا غير عارفين بكيفيّة التوقّف. عندما رأيته أخيرًا صدفة، في نهاية الصّيف، اختلقتُ قصّة طويلة عن فتاة ما أواعدها. وحينما بدأت المدرسة مرة أخرى، تصاحبتُ مع أولاد أجلاف وأكبر منّي سنًّا. وهذه الصحبة أزعجت جوي جدًّا وأصابته بالحزن، وجعلتني فظًّا أكثر. رحل جوي أخيرا، بعيدا عن الحيّ، وعن المدرسة، ولم أره مرة أخرى. في ذلك الصّيف شعرت بالوحدة وبدأت رحلتي معها: الوحدة، والتي قادتني إلى هذه النافذة المعتمة التي أقف عندها الآن.
مع ذلك، عندما يبحث المرء عن اللحظات الحاسمة والمصيرية في حياته، تلك اللحظات التي تُغيّر الزمن الذي سيأتي بعدها، سيجد نفسه يقتحم، بألم عظيم، متاهة من الإشارات المزيّفة والأبواب التي تصطفق فجأة. حقا لقد بدأت رحلة حياتي في ذلك الصيف، تلك الرحلة التي لم تُرشدني إلى أصل المعضلة التي وجدتُ نفسي فيها. المعضلة التي تواجهني في انعكاسي الذي أراه على زجاج النافذة كلّما هبط الليل. المعضلة العالقة معي في غرفتي، وهي دائمًا معي، وستبقى دائما معي، ومع ذلك تظل مجهولة بالنسبة لي أكثر من تلك التلال الغريبة في الخارج.
عشنا في بروكلين، كما قلت، وعشنا في سان فرانسيسكو أيضا، حيث ولدتُ، وحيث دُفِنتْ أمي، وعشنا فترة وجيزة في سياتل، وبعدها في مدينة نيويورك. بالنسبة لي، نيويورك هي منهاتن . بعدها انتقلنا من بروكلين إلى نيويورك مجدّدًا، وفي الوقت الذي أتيتُ فيه إلى فرنسا، كان والدي وزوجته الجديدة قد انتقلوا للعيش في كونيتيكت . في تلك الفترة، كنت قد اعتدت العيش بمفردي في شقّة على الجانب الشرقيّ من منهاتن. في تلك الأيّام التي كبرتُ فيها، كنا نعيش ثلاثتنا معًا، أبي وأخته غير المتزوّجة وأنا، أمّا أمي فقد حملوها إلى المقبرة حين كنت في الخامسة. لا أتذكرها إلا نادرًا، لكنها تتجسّد في كوابيسي، محاطة بالديدان، بينما شعرها جافّ، مثل أسلاك معدنيّة، وخفيف ومتفرّق، مثل أغصان يابسة، تجذبني بقوّة لتضمّني إلى جسدها المتعفّن، ذلك الجسد المقزّز النّاعم المفتوح مثل شَرخ هائل يريد ابتلاعي حيًّا، وكلّما تخدّشتُ بكيتُ بصوت عال، عندها يُسرع أبي أو عمّتي إلى غرفتي لتهدئتي. لم أكن أجرؤ على وصف ذلك الحلم الذي بدا غير وفيٍّ لذكرى أمي، فأقول إنني حلمتُ بمقبرة، ما يجعلهما يستنتجان أنّ موت أمي قد ألقى بظلاله المشوّشة على مخيّلتي، وربما شعرا أنّي حزين لفقدانها، وربما كان ذلك صحيحًا، ربما أنا حزين لفقدها حتى الآن.
كانت علاقة أبي بعمّتي سيئة جدا، أحسست بهذا دون أن أعرف لماذا وكيف، وأحسستُ أيضًا أن معركتهما الطويلة كانت بسبب أمي الميتة. أتذكر حينما كنت صغيرا جدا، في ذلك البيت في سان فرانسيسكو، كانت صورة أمي الفوتوغرافيّة موضوعة على الرّف الذي يعلو الموقد في غرفة المعيشة الكبيرة، كأنها كانت تسيطر على المكان برمّته. راقبتنا جميعًا روحُها في صورتها تلك، وهيمنت حتى على الهواء في ذاك البيت. أتذكر الظلال حين تتجمع في زوايا تلك الغرفة، تلك الظلال التي كانت تشعرني أني في منزل غريب وليس منزلي. كان أبي يسبح بذلك الضوء الذهبي الذي يُسكَبْ عليه من مصباح طويل يقف بجانب كرسيه المريح. كان يقرأ الصحف، ويتوارى خلف جريدته عنّي، ما يجعلني أتهوّر كي أُلفت انتباهه. في بعض الأحيان كنت أزعجه جدًّا وينتهي نزاعنا بأن أُحمَل خارج الغرفة والدموع تسيل من عينيّ. أتذكره يجلس منحنياً إلى الأمام، يضع مرفقيه على ركبتيه، ويحدق باتجاه النافذة الكبيرة التي تعزل حِبر الظلام عنّا في الليل. طالما تساءلتُ عمّا كان يدور في خلده. ودائما، أراه في عينيّ ذاكرتي، مرتدياً كنزة صوفيّة بنيّة دون كمّين، وربطةُ عنقه مُرخاة قليلا، بينما شعره ينسدل فوق وجهه المربّع المتورّد. كان أبي من أولئك الناس سريعي الضحك وبطيئي الغضب؛ لكن غضبهم يُثير العجب عندما ينفجر، كأنّه حمَمٌ تنبعث من بركان خامد ستجرف البيت كلّه.
أخته تلك، ألين، أكبر منه قليلًا، وأكثر سوادًا، ومتأنّقة على الدوام أكثر ممّا يجب، ومتصنعة، ولها وجه وجسم في بداية التصلّب، مع كثير من المجوهرات التي ترنّ وتقرقع فيما بينها، تجلس على الأريكة تقرأ؛ كانت تقرأ كثيرا، كل الكتب الجديدة، وتعتاد الذهاب إلى السينما، وإذا لم تفعل فإنها تحوك الصّوف، بدت لي وكأنّها تحمل دائما حقيبة كبيرة مليئة بإبر الحياكة غريبة الشّكل، أو تحمل كتبها، أو كليهما. كنت أجهل ما كانت تحوك طوال الوقت، لكنها حتماً قد حاكت لأبي أو لي هدايا في المناسبات. لكني لا أذكر تلك المنسوجات مثلما لا أذكر الكتب التي كانت تقرؤها. ربما قرأتْ الكتاب نفسه طوال الوقت، وربما حاكت طوال الوقت الوشاح ذاته أو الكنزة ذاتها، أو الله وحده يعلم ماذا كانت تحوك طوال تلك السنوات التي عشناها معًا. في أحيان نادرة كانت تلعب مع والدي لعبة الورق؛ وأحيانا أخرى كانا يتحدثان مثل صديقين يُغيضان بعضهما، لكن مزاحهما ذاك كان خطيرًا، فدائما ينتهي بشجار. وأحيانا كان يأتي ضيوف ويُسمَحُ لي بالجلوس معهم ومراقبتهم وهم يحتسون الكوكتيل. كان أبي حينها في أفضل حالاته، لم يودّع شبابه بعد، طليق المزاج، ويتمشى في الغرفة المزدحمة بالضيوف وكأسه في يده، يصبّ الشراب للضيوف ويضحك كثيرا، يعامل الرجال كلّهم كما لو أنهم أشقّاءه، ويغازل النساء. أحيانا لا يغازلهن بل يتبختر أمامهن مثل ديك. كانت ألين تراقبه دائما، كأنما خشيتْ أنه سيفعل شيئًا مروّعًا، راقبته وراقبت النساء ولكنها مع ذلك كانت تستجيب لغزل الرجال بطريقة غريبة ومستفزة. كانت أنيقة، كما يقولون، لتجلب الإنتباه اليها بفمها الذي تفوق حمرته الدماء، وترتدي ثياباً إمّا ضيّقة جدّا أو غير مناسبة لعمرها. وكأس الشراب في يدها يهدّد بصوت عال ومتصاعد، بأنه سيسقط ويتحول إلى شظايا في أيّ لحظة قادمة. كانت تخيفني، عندما كنت ولدا صغيرا، حين أراقبها في تلك الحفلات.
لكن لا يهم ماذا كان يحدث في تلك الغرفة، فأمّي أيضًا كانت تراقب. بدت عبر إطار صورتها، شقراء شاحبة ذات عينين داكنتين رقيقتين وجبهة معتدلة، وفم ناعم مشدود. لكن هناك شيئا غريبا في الوضعية التي تستقر بهما العينين في الرأس، والطريقة التي تحدقان فيها مباشرة إلى الخارج، شيئا كأنه سخرية شفافة جدا، تتضح أكثر عند التمعن في شكل الفم. تنضح من صورتها أيضًا تلك الهشاشة المتوترة التي تخفي تحتها قوة وصلابة عنيدة ومتعددة الأشكال، تشابه نوبات غضب والدي الخطيرة غير المتوقعة تماما. كان والدي نادرا ما يتحدث عنها، وعندما يفعل كانت تغشاه أشياء غامضة تظهر على وجهه، يتحدّث عنها بصفتها والدتي فقط، وفي الحقيقة ربما كان يتحدّث عن نفسه. كانت عمتي ألين تتحدث عنها أكثر وتقول عنها إنها كانت أمراة مميّزة، لكن حديثها ذلك أصابني بعدم الراحة وتأنيب الضمير، فشعرت أنّي لا أستحق أن أكون ابن أمرأة عظيمة مثلها.
بعد سنوات، حينما أصبحتُ رجلا، حاولت حمل أبي على الحديث عن أمي كثيرا. كانت ألين قد ماتت وهو كان على وشك الزواج مجدّدا. كان يتحدث عن أمي بالطريقة ذاتها التي تحدثت بها ألين عنها، وربما كان حديثه يجري بلسان ألين. أذكر مرة، حين كنت تقريبا في الثالثة عشرة من عمري، تشاجر أبي معها ليلًا، كان شجارهما عنيفا بعض المرات بالطبع، لكني أتذكر تلك المشاجرة في تلك الليلة بوضوح لأني كنت سببها.

تصدر الرواية عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة للكتاب 2017