في “طيور النبع” عبد الله ولد محمدي يكتب الهجرة المثلثة لمثقف موريتاني مقال حسونة المصباحي

عبد الله ولد محمدي

تعودنا أن نسمع ونقول بإن موريتانيا بلد المليون شاعر… فأهلها الذين قدموا إليها من صحراء الشرق البعيد ليستوطنوا صحراء أخرى بين الأطلسي ونهر السينغال، ظلوا يحنون إلى أجدادهم القدماء الذين كانوا يجدون في قوْل الشعر وإنشاده ما يخفف عنهم وطأة العيش بين كثبان الرمال المتحركة، وتحت عواصف رملية لا تهدأ إلاّ لكي تعود إلى تعذيبهم من جديد بأشد قسوة وعنف. ولكن عبد الله ولد محمدي الذي بدأ حياته صحفيا في جرائد عربية، ثم مراسلا لقنوات تلفزيونية، وأخيرا رجل أعمال كثير التنقل والرحلات بين مختلف بلدان العالم يكذّب ظننا، ويتحفنا برواية بديعة، محبوكة بعناية فائقة، ومن أسلوب روائي متميز تحضر فيه تأثيرات الحكايات الشفوية، كما يحضر فيه تأثير كتاب عرب معاصرين ،خصوصا السوداني الطيب صالح، الذي لا يزال معلما كبيرا ملهما للعديد من الكتاب مشارقة ومغاربة.

وقد يكون لبطل رواية “طيور النبع” نفس ملامح كاتبها، عبد الله ولد محمدي الذي إختزن العديد من التجارب من خلال رحلاته المتعددة شرقا وغربا لكي يكتبها، ويؤثثها بشخصيات جعلها قريبة منا فكما لو أننا عرفناها، وجلسنا إليها هنا وهناك، ومعها تقاسمنا الحلو والمر، وسافرنا في الطائرات، وعلى ظهور الإبل، وفي الشاحنات القديمة في دروب صحراوية وعرة، وفي حافلات بطيئة لا تبلغ محطاتها الأخيرة إلاّ بعد لأي وعناء.
تتعدد المحطات والمدن في رواية “طيور النبع”. والعاصمة الإسبانية مدريد هي المحطة الأولى. إليها يأتي بطل الرواية من “النبع″، قريته الصحراوية المحتفظة بعاداتها وتقاليدها البدوية فلا تأبى التخلي عنها رغم زحف وتدفق ما يأتيها من حضارة العصر. وفي مدريد لا يعيش إبن قرية النبع الحياة الصاخبة لمصطفى سعيد، بطل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”. بل هو يكتفي بمراقبة حياة الناس بانتباه شديد محافظا على طهرانيته البدوية. ورغم أنه يملك المال، وينفقه بلا حساب، فإنه يتوخى الحذر دائما، ويلجم رغباته كلما اقتضى الحال ذلك: “يكبحني داعي الوقار. اليوم وقد أكملت الأربعين، لم يعد من اللائق أن أطاوع هوى النفس…صحيح أن ليل مدريد صاخب وجذاب يسهل السقوط في شباكه المغرية، ولكنني اعتدت منذ مدة ليست بالبعيدة أن ألجم هوى النفس الجامحة ، وأن أركن إلى عقلي اليقظ وهو يشدني إلى الهدوء والسكينة”. وبطل الرواية لا يبالغ في وصف عواطفه حتى عندما يتعلق الأمر بتيريزا االبرازيلية التي يبدو أنه أحبها لأنها خدمته وأطاعته تماما مثلما تفعل نساء النبع. وحين تشتد جموح هوى النفس، يعود إلى إشعال “جذوة الصوفية” التي تنام في قلبه “العطشان الحائر على الدوام” ليستعيد طهرانيته.
ولا يعود بطل رواية”طيور النبع″ إلى بلاده، وقريته الصحراوية مرغما مثلما حال مصطفى سعيد في رواية الطيب صالح، بل هو يعود لأنه مقتنع بأن الحياة سلسلة من المحطات المتتالية. كل محطة تعكس مصيرا محددا. وعلى الإنسان العاقل الرصين مثله أن يتقبل ذلك كما يتقبل أهله في الصحراء كل ما هو مكتوب على الجبين. كما أنه يعلم أن حياته “كتاب سفر لا تنتهي فصوله، وكل فصل له لون ورائحة وطعم، تتفاوت بين الحلو والمر”. وفي القرية يحاول أن يستحضر ذكريات طفولته البعيدة فتأتي إليه مشوشة، مضطربة. لكنه يتذكر الجد الذي أتى من شنقيط ليبني مسجدا في العراء .وسيكون ذلك المسجد النواة الأولى لقرية النبع. كما يتذكر عبد الهادي المجذوب، أستاذه الذي علمه القرآن ، وحرضه على حفظ الشعر الجاهلي، وبعث في روحه جذوة التصوف التي لن تنطفئ أبدا.
لكن بطل الرواية لا يمكث في القرية طويلا، بل سرعان ما يغادرها ليعمل في سفارة بلاده في الكويت. وهناك يلتقي بإبن موطنه عبد الرحمان المدمن على القراءة، والمتحمس للقضايا العربية، خصوصا القضية الفلسطينية. كما أنه متعاطف مع حركات يسارية وعمالية. ومعه سيعيش بطل الرواية مغامرات جديدة، وسيتعرف على خفايا عوالم المهاجرين العرب في الكويت: “من دون عبد الرحمان لن تكون لحياتي معنى، تعلمت عن طريقه الإختلاف وتقبل الرأي الآخر واحترام صاحبه ولو كان مخطئا”. وبرفقة عبد الرحمان ينتقل بطل الرواية إلى الدوحة ليتعرف على دهاليزها، ويصادق سودانيين يدعونه إلى مجالسهم ليستمع إلى الموسيقى بمقامها الخماسي، وشعرها الصوفي. ومن جديد يعود بطل الرواية إلى قريته ليقف على التطورات التي حدثت فيها أثناء غيابه. وها هو يعاين أن بعض مظاهر الحضارة الحديثة قد بدأت تغزو عقول الناس وبيوتهم. مع ذلك ظلت مظاهر الحياة البدوية القديمة واضحة للعيان. فالناس لا يزالون متعلقين بالمجالس التي يحضر فيها الشعر، والأناشيد الدينية، وقصص العشق والهيام. ومرة أخرى تستبد ببطل الرواية حمى السفر فيترك القرية ليغوص بنا في غينيا بحثا عن أبناء النبع الذين هاجروا منذ زمن بعيد فباتوا شبيهين في ذاكرة الناس بشخصيات خيالية أو أسطورية.

تعج رواية “طيور النبع” بالشخصيات وبأحداث واقعية لكنها غريبة وعجيبة. كما تعج بالقصص والحكايات المثيرة والفاتنة لتكون لوحة آسرة لحياة مثقف موريتاني يروي لنا رحلاته المثلثة بين قريته، وأوروبا والمشرق العربي بطريقة لا تختلف كثيرا عن طريقة الرواة الشعبيين الذين سحروه في طفولته فأراد أن يكون واحدا منهم. وكل هذه الرحلات لها مسحة صوفية وروحية. كل واحدة منها لها تأثير على مصير صاحبها، وعلى أفكاره، وعواطفه تماما مثلما هو الحال بالنسبة للزهاد والمتصوفة الذين يجدون في السفر ما يفتح أذهانهم وقلوبهم وعقولهم على أسرار الوجود الدنيوي والإلهي. (نقلا عن جريدة “العرب” اللندنية.

 

صدرت الرواية عن دار جداول، بيروت 2017

ISBN:978-614-418-342-7