سيرةُ عائلة قصيرة للكاتبة سامية العطعوط

سامية العطعوط

أمّي، تتحكّمُ بنا عن بُعد، بالريموت كنترول.
أبي، ماتَ قهراً على فلسطين، قبل اختراع الريموت.
جدّي، تزحلقَ بقشرةِ موزٍ، فوقعَ في السوق. انكسرَ ظهره، فأضربَ عن الطعامِ شهراً، ومات.
جدّتي، تحبُّ الجنّ أكثر من البشر، لم تستطع أن تستوعب بُعدَ أبنائها عنها في مشارق الأرض ومغاربها، أو وجودها في عمّان وحيدة مع ابنتِها الكبيرة وثلاثة شباب، لم تستطع التعايش مع فكرةِ أنّ بيتها في نابلس لم يعد بيتها، وأن زوجها الحبيب تُوفي بعد أكثر من سبعين عاماً زواج،
أُصيبتْ بالصدمةِ العصبية، وفَقَدَتْ ذاكرتنا جميعاً..!
عمّي الكبير: تتلمذَ في جامعةِ السوربون (باريس) على يد الفيلسوف الفرنسي “غاستون باشلار”(*)، وقضى الثلاثين عاماً الأخيرة من حياته، يؤلّف كتاباً عنه وعن فلسفته في التخيل الشعري والجَمال والفنّ. بلغتْ صفحاتُ الكتابِ بضعةُ ألف صفحة، ولم ينتهِ منه بعد.
ماتَ عمّي الكبير، وما زالَ إنجاز كتابٍ عن باشلار، حلماً يراودُه في القبر.
ابن عمّي الثاني، تزوّج متأخراً جداً.. في الستين من عمره. أنجبتْ له امرأته طفلاً أمريكياً، يحملُ ملامحَ إفريقية، وشتاتَ والدٍ الفلسطيني.
خالي الأصغر، مرابي كبير، أُصيبَ بالشللِ من دعاءِ امرأةٍ سبّب لزوجها الإفلاس المتعمد..
أقاربي الآخرون، تزوجوا وأنجبوا أولاداً تجّاراً لا نعرفهم، وبناتٍ لا نحبّهم، وربما قليلٌ قليلٌ منهم مصاب بداء اللواط، والله أعلم..!
أختي الصُغرى، تحبّ الحبّ أكثر من الوجوه.
أختي الوحيدة، تُطعمني الزبدة والعسل، وتنسى أنني أمقتُ الحلوى..
أختي الكُبرى، وحيدةُ أمي. ماتتْ وهي في بطنها..
أختي الطويلة، تعشقُ لبس أحذية الكعب العالي..
أخي الكبير، أشقر الشعر، أبيض البشرة… لا أدري من أين جاء..!
أخي الصغير، سُمرتُهُ داكنةٌ جداً كأنه إفريقي، أيضاً لا أدري من أين جاء…
أنا، لا أحد، أحمل سيرة عائلتي على ظهري، وأمضي قدُماً في الخَلاءِ، وحيداً.
التوقيع: صادق الحجار

سيرة عائلتي (بعد ثلاثين عاماً)

أحبّتْ أختي الثالثة
داعشياً عراقياً
فهربا سوياً، وتزوجا
نامَتْ معه ثلاثاً وأنجبت خمساً
“سوف يكونوا”، قال لها، أفضلَ القنّاصين حين يكبرون
ومات فجأة على حين انفجار.
فادي الأسمر، أخي بالرضاعة، أحمق
أحب إيزيديه، فَسَباها،
وحين أتخَمتْهُ جَسَداً
باعها في سوقِ النخاسة
اشترى بسعرها “جوني الماشي”.
وانهمكَ في المشي بحثاً عن حورياته السبعين.
أما عمتي، فهي عمياء منذ سنوات،
لكنها ضَبطتْني عندما قبّلني ابنُ الجيران،
فاغتصبتْني وقيّدتني في غرفة خزين الطعام،
كي لا أسبب حَرَجاً للعائلة…!
أبي، مشغولٌ بلحيته وبعدّ أموالَه وجواريه وزوجاته،
أمّي تبحثُ عن بطاريةٍ جديدةٍ للريموت كونترول وتستغفرُ الله في الأثناء،
ونحنُ، لم نعد أحراراً، بل أصبحْنا موقوفين
على قيد الحياة..

صادق ثانيةً

(*) غاستون باشلار: 1884 – 1962 واحداً من أهم الفلاسفة الفرنسيين. كرّس جزءاً كبيراً من حياته وعمله لفلسفة العلوم وقدّمَ أفكاراً متميزة في مجال الابستمولوجيا حيث تمثل مفاهيمه في العقبة المعرفية والقطيعة المعرفية والجدلية المعرفية وغيرها، مساهمات لا يمكن تجاوزها.

 

قاصة أردينة من فلسطين
sam59at@yahoo.com