سيف الرحبي: طنجة ومغيب المغرب العربي الكبير

“كلما أطلق جمّال حِداءه في نزوى
أو سعل حقلٌ في دمياط
يرتجُ لهما قلبُ المسافر في طنجة
أين أنتِ يا نجمة أعضائي الواهنة
غوايتي الأخيرة
في هذه الدجنَّة الباكية..”*

من (رأس سبارطيل)
أرى المحيط أمامي
منبسطاً، خاشعاً
كصلاةِ أقوام على وشك الإبادة..
وأرى المتوسّط
في خط التقاء الأطلسي
فضاءَ غيوب محشتدا بالأسرارِ
والمخاوف..
هناك في زاوية ما
يخبّئ الرخّ أعشاشه
ويتنزّه القرشُ ملكاً
على أمداءِ المياه والسديم.
وعلى مقربةٍ
أرى أضواء الجزيرة الإيبيريّة
لألاءةً، أحلم بالعيش فيها كلاجئٍ
من وعثاءِ الأسفار والحروب..
جيوش الفارّين من أهوال العنف، تتدفّق من الشام وبلاد العرب المتاخمة.. (قوارب الموت)… المغاربة أول من أطلق التسمية، قبل انفجار الوضع المشرقي على أولئك الباحثين وسط هوام الفناء الساحق، عن الكرامة والمعيش..
يقينا لا يتذكرون مجدَ الأمويين وفتوحاتهم ، لا يتذكرون شيئا، عدا اللحظة المحتدمةِ بالخطر والتلاشي.
لقد بخلتْ عليهم اليابسةُ على اتساعها، بزاوية ملاذ لأطفالهم والجرحى، فها هي البحار مع العنقاء المحلّقة بين العصور وجوارح البحر، تستقبلهم بحفاوة الهاوية والمصير.

* * *

كنت حين أعبر بين المواسم والأوقات في زياراتي المتكرّرة إلى المغرب، وفي الشمال منه،أقف في ذلك المرتفع بين أصيلة وطنجة، مكان لا ينقصه الجمال والدهشة والغموض بتلك التلال الغابويّة المطلة على المتوسط والاطلنطي قريباً من جبل طارق، حيث يلتقي البحر بالمحيط. نجلس في المقهى المتاخم لمغارة (هرقل). أثرُ قدمِه الأسطوريّة محفورة على الأرض قبل الدخول إلى مغارة نجل كبير آلهة الأولمب (زيوس) وقد وُلد (هرقل) من جماع هذا الإله الوثني مع جسم بشري، ليكوّن هذا الصنيع الخارق للبطل الخالد الذي لا يقهر.
هذا الحضور الشبحي لبطل الأسطورة أضفى على المكان غموضاً أكبر. سحر المكان الوحشي ممزوجاً بسحر الخرافة، فكأنما الجمال ممتزجاً بالمغيب يسيّر مراكبه وأشجاره في كل اتجاه.انه يبحر في المخيّلة والأعماق قبل أن يبحر في المكان والمياه.
حين أقف مع أصدقاء متغيّرين من وقت إلى آخر، أحلم وأمنّي النفس بالعيش فترة في هذا السديم الغابي المتاخم لهدير المياه مكسواً بالضَباب والمطر خاصة في الشتاء.. وحين أزفت هذه اللحظة، جئت في ذروة الصيف حيث الجموع تنتشر في أرجائه محوّلة ليله إلى نهار، فعرفت أنني أخطأت التوقيت، فلم تكن الإقامة فيه إلا خطفاً وسرعةً لا تكاد تحقق شيئاً من تلك الأحلام التي طواها الغروب.

* * *

من مطار (أورلي سود) أرحل باتجاه الشمال المغربي (طنجة) ومنها إلى ضاحية من ضواحيها البحريّة (رأس سبارطيل).
الصيف في أوجه. المطار يزدحم بالعائدين إلى البلاد المغاربيّة لقضاء إجازة الصيف في البلاد الأصليّة، وإطفاء بعض الحنين الذي يتراكم ويثقل كلما تقدم العمر وتشعبت الهواجس والظنون.
كان الازدحام على أشدّه منذ دخولك مطار الجنوب الفرنسي. طوابير تتناسل وتمتد من بوّابة المدخل حتى باب الطائرة، ساعات تقضيها كجزء من هذه الكتل البشريّة المتراصّة، ترقباً وتوتراً، حتى تنحشر في مقعد الطائرة التي تتأخر من فرط الزحام والحركة التي لا تهدأ حتى بعد الإقلاع.المغاربيون على الأرجح، مضطرون للسفر في هذه الفترة تحديداً، بسبب ضغط الإجازات وشروطها الصارمة.
أما صاحب الخيارات مثلي، فيجد نفسه واقعاً في مصيدة عدم التخطيط لسفر أقل تعب وكلفة، لكنها الصدفة… وها أنا أمضي نحو المغرب، ورأس سبارطيل، تحديدًا المغرب الذي لم أزره منذ فترة طويلة، أنا الذي كنت أتردد على هذا البلد الكريم بشراً وطبيعةً، أكثر من مرة في العام بدعوات وهي كثيرة، جدًا جرّاء المناسبات الثقافيّة، من أصيلة إلى الرباط والدار البيضاء، فاس ومراكش، أو من غير مناسبة حيث يأخذني الحنين بين الفترة والأخرى إلى الربوع والأصدقاء، وتلك النقاشات والسجالات المعرفيّة التي لا تهدأ، آناء الليل وأطراف النهار عبر أجيال وأطوار ثقافيّة مختلفة، كما لا تهدأ وتيرة تلك الحميميّة والاحتفاء لأولئك الباحثين دوماً عن آفاق أكثر حرّية وأحلاماً، ما فتئت تفترسها جبال الوقائع والشروط المفضية دوماً الى انهيارات الوضع العربي الذي يمضي صُعداً من مرحلة إلى أخرى، أكثر قسوة واندحاراً، عن حياة العصر الحديث، عناصره واستحقاقاته…

* * *

على منعرجات الرمال، وصفحاتها الصافية، اضطجع إزاء المحيط الهادر، كما في كل صيف مضى، يتدفق المغاربة حشوداً لا حدود لها إلى المياه كأنما يغتسلون من أثقال عام مضى..
طفل وحيد سألني السّقاية من (قرعة) الماء (سيدي علي) بجانبي، وآخر يوْدعني حقيبته الصغيرة ليختفي في الموج المتعاظم للمحيط. العائلة الأوروبيّة الوحيدة بين الحشود تتنفس الهواء النقيض لبلاد الشمال الأوروبي مغمورةً بالشمس والحبور..
قوارب صيد وناقلات عملاقة تعبر، وأطفال يتقافزون مع الطيور في نشوة الموج والصخور.

* * *

على إفريز نافذتي المطلة على المحيط وتلال رأس سبارطيل الخضراء، يحط عصفور الدوري الوحيد هادئاً متأملاً في وقار لم يكن من صفاته، هو (الأزعر) فائق النشاط بين الطقوس والقارات. أنظر اليه من غير إزعاج، وينظر اليّ من غير وجل ولا رغبة في الفرار… أتذكر عصفور القائلة بعُمان، التي يتجمد فيها نبض الحياة وتمتد الأعناق إلى سماء بارئها بدعوات الخلاص،حين يحط على نافذة مكتبي لاجئاً من حرارة الطقس ليمكث خلف الزجاج كي تتسرب اليه نسمة من (التكييف) الذي يزأر داخل الغرف والصالات. عصفور القائلة المذعور من سطوة الصيف وأشباح البشر.

* * *

في هذه الأمداء المتمادية في النأي والغرابة، وقف ذات دهر عقبة بن نافع قادماً من جزيرة العرب، من غير خرائط ولا مجسّمات وأدلاء. وحدَها النجوم والكواكب دليله الوحيد في ليل المسافة الطويل، وحدَها الخيل والسيوف تلمع متآخيةً مع العواصف الرعديّة والبروق. وحدها الإرادة المضيئة التي لا يفلها حديد الأعداء وجيوشهم المتطايرة شظايا أمام وجيب خيله المتقدّمة صُعُدًا حتى تخوم المحيط.
في هذه الأمداء وقف ابن نافع، محدقاً في سديم المياه الفاصل عن الجُزُر والضفاف الأخرى مطلقاً آهةً حرّى ورغبة مخنوقة، ستتحقق لاحقاً على يد الأحفاد يمخرون عباب المحيطات (ليتني أعرف ما وراء هذا الماء).

* * *

المياه، المياه، بحاراً، محيطات وبحيرات تغمر هذه البسيطة… يهرع البشر جماعات وأفراداً في طواف حجيج شبه مقدّس، إلى المياه بأمواجها المتلاطمة في صيفِ المتوسط والأطلسي، حيث تطغى في هذا الخط البرزخيّ (بكيب سبارطيل) هدير أمواج المحيط على هدوء المتوسط الرصين، كأنما تلك الذاكرة المفعَمة والمحتشدة برؤى الأديان والحضارات الكثيرة التي نبتت وتعاظمت على ضفافه، تجعله يعقلن ذلك الجموح البرّي، جموع الجنون المائي واندفاعاتها الكاسرة، وليس بغياب التيارات أو قلتها مقارنة بالمحيط حسب علماء البحار فحسب.
يهرع المغاربة القاطنون مناطق الشمال، وأولئك القادمون من المناطق الأخرى، ليس فيها بحار أو انهار، الى الملاذ الصيفي، إلى حضن الأمواج وأفقها، حريتها ونسيمها الشافي.
في فسحة الحرّية هذه من أسْر الضغوط ومصائب الحياة اليوميّة، لدولة عربيّة، أو ما يشبه هذا النمط من البلاد التي لم تلحق بركب الحضارة الحقيقي بعد. تتدفق الجموع نحو البحر للاستمتاع بنعمة النسيان المؤقت السريع الزوال، لكنه الضروري المُلح. العودة الى رحم الأرض الأمومي، حين كانت هذه الأرض التي شبعت شيخوخة وموتاً، سديم مياهٍ وأسماك والقمر على وجه الغمر يضيء آفاق البراءة والجمال الوحشي.
«للبحر وحدَه سنقول، كم كنا غرباء على أعياد المدينة» لكن هذه الجموع المكلومة من المغرب الى مصر والخليج…. الخ هي غريبة بشكل ساحق على مدنيّة المدينة وعلى الأرياف التي تناسل فيها الأسلاف، وغربتها تربض على كافة عناصر الحياة الحقيقية فقراً مادياً ومعنوياً، غياب حرّية وعدالة او بعض منها، وليس على نمط الغربة الأوروبيّة المتاخمة..
انها مزدوجة ومكثفة في أكثر من شعور واتجاه..
من فرط ولع المغاربة بالبحر ومياهه الشافية هناك حكاية تقول: إن المنحوس والذي مسه السحر والحسد وسوء الطالع يذهب إلى شاطئ البحر ويستلقي، لتعبره سبعُ موجات مديدة خفاف، تقيه الشرّ والشؤم الذي يحيق بحياته، كأنما يذهب في معراج سبع سموات، يتدفق عليه النور الملائكي، سر الخالق الذي يتجلى في مخلوقات الطبيعة بعناصرها وجمال تجددها..
من الجبال والتلال الخضراء، يتدفقون أطفالا، شباباً وشيباً، حاملين ما تيسر من المؤونة، مؤونة الناس البسطاء، إذ أن للأثرياء شواطئهم الخاصة، هاربين من رحى الأيام التي تسحقهم من غير هوادة، ينشدون بعض راحة واستراحة في تخوم هذه الأبديّة الزرقاء..
أعود إلى إشارة صخب موج الأطلسي وهدير موجه الجاثم أمام هدوء المتوسط، متذكراً المستشرقة الأسبانية (… لوث) التي كانت تقيم في القاهرة لزمن طويل حتى تمصّرت، أو كادت. وبمرحها الأسباني المصري، أسألها حين يقترب الصيف القاهري الحارق، ونحن نجلس في أحد مقاهي وسط البلد…. يالوث، حين تكونين قريباً في أسبانيا، أين تقضين صيفك البحري، ناحية المتوسط، أم الأطلسي…؟ تجيب باللهجة المصرية الصاخبة.
«أيه المتوسط، دا شوربه، قدام المحيط….».
تقصد بالطبع ناحية المد الجارف وحركة الموج، إذ أن المتوسط كان في الماضي بحيرة كبيرة تكونت إثر الزحف القاري أو ما يسمى بنظرية الصفائح التكتونية حيث انفصلت أوروبا عن افريقيا قبل 65 مليون سنة..
في سلطنة عُمان هناك من الشواطئ والبحار الممتدة، المشتبكة بالصحاري والجبال والواحات ما يقارب أو يوازي شواطئ المغرب، والاثنان ربما أكبر الشواطئ العربيّة. لكن مع فارق الطقس الشديد الحرارة في صيف عُمان، أو معظم أقاليمها يجعل النزول إلى البحر غير ممكن، إلا في المساء..
هنا في المغرب لا تتجاوز درجة الحرارة العشرينيات في ذروة الصيف. وأفضلية الطقس المغربي تشمل حتى شواطئ وبلدان جارتها القريبة، أسبانيا.التي تحتفظ بفارق جوهري آخر، هو اندراجها بشكل سريع ضمن الحضارة الأوروبيّة وإنجازاتها، تقنية وحداثة حياة، كانت المغرب وبلاد عربيّة ربما سباقة الأحلام والبدايات إليها..
مع فارق الطقس بين عُمان والمغرب لا توجد في عُمان وهي في أقل درجاتها الحرارية، ثقافة الاسترخاء البحريّة والسباحة في المياه المالحة ذات المنحى الشفائي التي لدى المغاربة حدّ الخرافة والسحر.
هذا الكرنفال المغربي البحري، هناك بلدان عربيّة وغير عربيّة،إذا بقي من معنى في راهن الوقائع والتاريخ لهذه الكلمة التي تشكل مفهوم هويّة حضاريّة جامعة، من فرط ما هي ماضية في تدمير ذاتها، هناك بلدان يشملها هذا الكرنفال وفق ما شاهدتُ ورأيتُ. لكن أعياد البحار المغربيّة أكثر جموحاً وتوحدًا مع هذه الأبدية العابرة.. علاقة المغاربة بالبحر، علامة تصوف وخشوع.
مساء البارحة، صعدت بالسيارة،إلى الجبال المتاخمة مخترقة الغابات والأحراش ،القصور والبيوت الفارهة. وهي الجبال أو الجبل الذي يفصل هذه الجهة عن مدينة (طنجة) حيث وقفنا على مشارفها، ثمة قصر كبير على حراسة كثيفة، خمنت انه قصر الملك الذي ورثه عن أسلافه الملوك، إذ أن العائلة الحاكمة في المغرب بمعيّة عائلة الحكم في عُمان، هما الأكثر عراقة زمنية في العائلات الملكية في العالم العربي. وسمعت من أحد الأصدقاء المطّلعين، أن محمد السادس بعد وراثته العرش، بدأ في دفع عناصر المجتمع المدني المغربي المتعدد الأحزاب والنقابات والهيئات ليكون فاعلاً في مسار تطور البلاد المنشود، وليس ديكوراً كما في بلاد عربية غالبه، باتجاه أن يكون المغرب مملكة دستوريّة حقيقيّة، لكن عوائق (المخزن) وطبيعة طبقة الامتيازات المثقلة بالتقاليد والأنماط التي تجاوزها الزمن الراهن، تشدّ الأمور إلى حدّ الجمود والاستنقاع.
وهي مسألة يقينا يتقاسمها المغرب، وبنسب متفاوتة مع اخوته في «العائلة» العربيّة حيث تسود أنظمة وأنماط حكم عفا عليها الزمن، وتجاوزتها الصيرورة نظراً وحياة ومؤسسات. لذلك تجد هذه الأنظمة هشَة تترنح أمام أي هزّة داخلية تمليها متطلبات الواقع الموضوعي واستحقاقاته المتراكمة والطبيعية. فتلجأ الى العنف الأقصى حدّ الإبادة البشريّة وسحق المُدن العريقة والعمى الكامل أمام أي قراءة للوقائع والتاريخ، متناغمة مع إرادة أجنبية لا تريد نهضة حقيقية في هذه البلاد، بل سحق، ، حتى الذاكرة والتاريخ.. لو حقق المغرب هذه القفزة النوعيّة نحو مملكة دستورية مثل جاره الأوروبي ، لكان في الطليعة والقدوة، إذا كان هناك من يقتدي بالأفضل والأصوب ، ليجنب البلاد والعباد. مآلات الخراب القيامي التي نشهدها في بلاد المشرق العربي خاصة.
كنت أتحدث عن الجبال الخضراء التي تزنّر رأس سبارطيل وفي الطريق ثمة إشارات إلى وجود الخنازير البريّة المفترسة وكي لا يرتطم بها العابرون. مثل هذه الاشارات في طرق الخليج أو الجزيرة العربية البينيّة، تحمل صور الجِمال محذرةً من خطر الاصطدام بها …
أتحدث عن كرم الطبيعة وسخائها في هذه المناطق بين خضرة الجبال والتلال المزدانة بلآلئ البحيرات والأنهار المتماهية مع الغابات وزرقة بحار شاسعة ومهيمنة. ورغم هذا الموقع الجمالي الفريد، الذي يصل حدّ الميتافيزيقيا، في مغيب شمسه الأطلسيّة،لا تجد مرافق من مقاهي ومطاعم واستراحات تليق به، وبصورة عامة، البنية التحتيّة للسياحة في المغرب لا تليق بتنوع إمكاناته الكبيرة. وهي صفة تشترك فيها المغرب مع سلطنة عٌمان بوضوح تام.
في المكان المتواضع الذي أقيم فيه، رغم غلاء سعره ، حيث موسم الصيف الذي يعوض فيه المالكون عن خواء المكان في بقية المواسم. وميزة هذا المكان هي إطلالته المباشرة على مياه المحيط، وصخبها العذْب، حيث يمكنك أن تنام على إيقاع الموج وهلوسات الحوريّات في ذلك الثراء البعيد لحكايات طفولةٍ غاربة.
الطعام يُؤتى به من المحلات والأكشاك التقليدية. الطواجين و(البروستيت) الكلمة الفرنسيّة التي ترجمها المغاربة إلى القضبان. مرة شاهدت ما يشبه الحريق المدلهم في الجوار، فسألت أحد الباعة من الشباب المنتشرين بكثرة، عن حرائق الغابات المجاورة. أجابني إن هذه سٌحب الدخان المتصاعدة من مواقد (الطواجين) وأكشاكها، والتي لا تطبخ (الكسكس) أكلتي المفضلة في البلاد المغاربية. عزيتُ نفسي بأني ذاهب الى (أصيلة) بضعة كيلومترات، وهناك أفترس الكسكس، ليس في المطاعم ذات الطابع الأسباني وإنما في منازل الأصدقاء، مثل عبداللطيف الطود، الذي كانت تطبخه زوجته (أم تاشفين) وهو اسم ولده تيمناً بالقائد الأمازيغي الاسلامي لمعركة (الزلاقة)الشهيرة.
بعد يومين من وجودي، اكتشفت مطعماً قريباً من المنزل، مطلاً مباشرة على خضمّ المحيط، صُمم بذوقٍ عالٍ. من الكونتوار في الداخل حتى الشرفة والحديقة التي تعرش فيها الأشجار والكروم متدلية بعناقيدها، وأنواع الزهور والنباتات، مع زوج حساسين يصدح وسط هذه الخميلة المشرقة بزهو الخضرة والموج..
عرفت أن المطعم يملكه رجل من الكاريبي وزوجته المغربيّة الفرنسية . المالك هو الطباخ نفسه. يبدع الطعام بخيال الفنان ومزاجه، من الأسماك والسلطات، فهو بجانب احترافه فن الطبخ، يمارس الرسم ، وعلى اطلاع بالأدب والفن ، تتحدث زوجته، أنهما حين أسسا هذا المطعم كان المكان لا يرتاده الا القليلون عكس ما هو عليه الآن.. وثمة مطعم على الضفة الاسبانية يملكانه وكذلك في إحدى جزر الكاريبي «الفرنسيّة». والمغرب بمثابة استراحة، مع قليل من الأعمال كالمطعم الذي يمليه المزاج والنزعة الجمالية أكثر من الربح ، فهما لا يحبذان زبائن كثرا بل أصدقاء وروادا «نوعيين»..
صرت أداوم على المطعم كل يوم، أتناول العشاء الذي صنعته ذائقة الفنان وأشاهد غروب الشمس من شرفته المطلة على أزليّة المغيب. حالة الطباخ الفنان الذي يحب شعر مواطنه النوبلي (ايميه سيزر والكوت) الذي رحل منذ فترة قريبة، جعلتني أستعيد حلما قديماً يتجدد باستمرار . فحين كان عمري في العقد الثالث كنت أحلم ببيت على البحر. كلما ذهبت الى قربه أو مدينة بحريّة ، قلت سيتحقق حلمي هنا. من المغرب إلى المشرق ، ومن أسبانيا إلى الشرق الأقصى الآسيوي، ظل جناح الحلم يخفق مع نوارس البحر وأمواجه المتعاقبة في معراج العَدم حتى وصلت الآن إلى العقد السادس ، ولم يتحقق شيء من ذلك ، لكن الحلم ما زال خفاقاً وسخياً..
«علينا أن نلغي العقود التي وقعناها في عباب الحلم”
لتكن الإقامة والسكنى في بيت هذا الحلم الأبدي.
في باريس التي قدمتُ منها إلى طنجة، كنت أمشي في حديقة (اللوكسمبورج) مع محمد سيف وخالد أمين (الاثنان من أهل المسرح الطليعي) وفي سياق حديث النزهات الحرة وخيالاتها، اقترحت عليهما ملفا حول (انتونين آرتو) تمثلاته وتأثيراته على المسرح والثقافة العربيّة… وكان على بعد أمتار يقع مسرح (الاوديون) الذي قدم فيه (آرتو) لأول مرة مسرحيته التي صدمت ذائقة الجمهور وحطمت ثوابته حول المسرح. فما كان من هذا الجمهور الراقي إلا السخرية والشتائم يقذفها في وجه الفنان الذي طوّح به الإحباط إلى مشارف الانهيار العصبي .. ووفق ما كتبت (انيَس نن) أنها أخذته إلى بيتها لتهدئ من روعه وتواسيه.
أثناء نزهة الحديقة الباريسيّة الشهيرة، تطرق الحديث إلى المنزل البحري، حيث أفادني خالد أمين بأنه يسكن مع نفر من أهل الأدب في منطقة بعد طنجة، تدعى (بني يونس) في طريق (سبته) التي يسكنها خالد الريسوني المتزوج من أسبانيّة. وهذا المكان مثالي للعزلة والقراءة والحياة، كما أنه ليس مرتفع الثمن.
منذ افترقنا وهذا المكان يسكن مخيلتي وأحلامي.. هل سيظل كذلك، أم سـأجترح المعجزة بتجسيد الحلم الهارب دوماً من سجن الوقائع والتاريخ؟!

* * *

جبل وبحر وشمس ناعمة، تعلوها بعض الغيوم الطالعة من المحيط: ذلك ما يتمناه الكائن الفاني في عبوره السريع
.
* * *

تحت المنزل الذي أقضي فيه أسبوعاً، رجل يسيس السيارات والدراجات المتكاثرة في المواقف العشوائيّة بين الأشجار والصخور… كان أصم وأخرس يطلق أصواتاً وايماءات طوال النهار وجزء من الليل… أصم وأخرس، إنها النعمة وليس الإعاقة، في أرض عربيّة. نعمة الخرس كي يقي نفسه عواقب الكلام والتعبير وسط جحافل العَسس المنتشر والمترصد في كل زاوية ومكان، خاصة في ظل التطور التقني الذي لم تستفد منه بلاد العرب الشاسعة، الا في مجال القمع وتكريس الاستبداد..
ونعمة الصمم كي لا يتألم ويتعذب كل لحظة وثانية بضوضاء العالم القاتلة، وذلك التكرار المريع لهذيان تلك الحفلة الدمويّة الفاجرة التي تبسط سلطتها المطلقة على ربوع العرب والاسلام..

* * *

في أحد مطاعم طنجة، القريبة من البحر، جاء الجرسون بقائمة الطعام المكتوبة باللغة الفرنسيّة وحدها. طلبت زوجتي قائمة أو منيو، بالعربيّة أو الانجليزيّة. تجاهل الجرسون الانجليزيّة وعلق بحماس على العربية… يا مدام ، العربيّة في الكتب فقط. المغرب كله يتعامل بالفرنسية؟!
تذكرت أن عقوداً متعاقبة طويلة، من الاستيطان الفرنسي، كما في الجزائر، كونها محافظة أو جزءا عضوياً من التراب الفرنسي كما كانوا يحلمون، وعقوداً من الاستعمار للمغرب وتونس لم يفلح في فرنسة هذه البلاد الشمال إفريقيّة الناطقة بالعربيّة ذات التراث الاسلامي المتعدد اثنياً وثقافياً.
كانت مقاومة الفرنسة الساحقة أثناء الاحتلال بكل مظاهره وأبعاده، قوية ومصيريّة من قبل النُخب المغاربيّة الفاعلة في تلك الحقبة من التاريخ، كانت هذه النخب المقاومة تدرك بعمق. وهي في غمار حرب متعددة، الوجوه من أجل الاستقلال والهويّة والمستقبل، إن تدمير شعب أو أمة يأتي أولا عبر تدمير الذاكرة المحمولة على اللغة والثقافة والتاريخ..
يتبدى في البرهة الراهنة، حيث إن الانهيار العربي الشامل، من غير سقف ولا قرار ، يسهّل مهمة سحق الهوية والتاريخ من قبل «الطبقة» المهيمنة في البلاد المغاربيّة وغيرها..
كلام الجرسون الطنجاوي، رغم أن الشمال كان محتلا من أسبانيا والكثير من أبنائه يتقنون الاسبانية أو يتكلمونها،لم أسمع مثله خلال اقامتي في الجزائر آخر عام في سبعينيات القرن المنصرم، ولا في زياراتي المتعددة الكثيرة للمغرب ..
كنت قبل ساعة من جلوسي في المطعم بطنجة، قدمت من (اشبيليا) الأندلسية عبر (الطريفه) بضعة كيلومترات تفصل الضفة الأسبانيّة عن الضفة المغربية التي كانت موحدة في بعض فترات آفلة.. وفي الليل يمكنك أن ترى أضواء (الطريفة) أو (الخزيرات)، من فرط القرب والجوار . وكل قول عن الفروق الجوهريّة حضارياً ومدنياً، يدخل في باب البداهة والنوافل ، من شدة وضوحه.. بشراً، مكاناً وتنظيماً إدارياً … الخ.
بحيث تعود إلى هواجس وأسئلة البداهة من جديد بعدما تقادمت عقود وسنين طويلة على طرحها. عوْدا على بدء الأسئلة الأولى: لما يتخلف العرب ويتقدم الآخرون؟ وأشياء من هذا القبيل، رغم أن الشروط والظروف في تاريخها وإمكاناتها تكاد تكون متقاربة حدّ التماثل ، وربما الجانب العربي له التفوّق في بعضها والسبق؟؟!!
عبر (الطريفة) ذهاباً وإياباً ، وكنت قبل سنين لا تحصى، إذ أن الغموض وتقدم الزمان الكثيف يبتلع العدّ والإحصاء، قد ذهبتُ من طنجة إلى الشاطئ الأسباني (توري موري نوس) (ملقا) عبر (الجزيرس)، أو الخزيرات هذه المرة ذهبتُ عبر (الطريفة) صوب الأرض الأندلسية، التي يحلو للزائرين العرب، تلاوة سورة المجد والزهو الحضاري حين يقتربون ويطأون أديم أرجائها .. لم يخامرني شعور الاستعادة (النوستالجيّة) هذا لتاريخ منقرض. كنت منتشياً بأنحاء هذه الطبيعة الأندلسية المحتشدة جمالاً وبهجة، بشراً وسخاء مكانا، ومن الجهة العربيّة كابوس الراهن الدامي والوحشي ، لا يترك نافذة لترف استعادة وحنين من هذا القبيل.
تذهب بي الذكرى إلى عهد سحيق حين كنت تلميذا في قاهرة السبعينيات، حين نظمت نوادي الطلبة رحلة إلى مدريد وبعض المدن الأسبانية جمعت طلبة من أنحاء الخليج والجزيرة، وكنا في الحافلة التي تقلنا بين المُدن والقرى الاسبانية المختلفة..
كان الوقت شتاء، الثلوج تغطي المساحات الخضراء والجبال والطرقات التي تجتازها الحافلة الأنيقة وهي تحمل الطلبة بين المعالم والمدن، حتى اقتربت من مدينة (قرطبة) بقصر حمرائها وجمالها الباهظ، حين انبرى أحد الطلبة من مؤخرة الحافلة صارخاً (لابد من استرجاع الأندلس من استعادة المجد التليد!!) قام طالب آخر قائلا: (استعيدوا أولا فلسطين قبل الأندلس).. ثمة وعي مبكر بالمأساة لدى البعض..
في هذا السياق المتشظي، لم يذهب بي الحنين الى الحكم العربي لشبه الجزيرة الايبيرية المزهر حضارةً، فناً ومعرفة، بل ذهب على نحو ما من فرط ما يحمل المرء من أثقال غثيان الحاضر وانحطاطه ، إلى القائد المغربي (يوسف بن تاشفين). كنت في الباخرة المغربية التي تقلني إلى أرض الأسبان . باخرة حديثة لكنها مخلّعة الأبواب والمرافق. كنت أتحدث الى الصديق عبداللطيف الطود في أصيلة. وأسأله عن ابنه (يوسف تاشفين) الذي يعشق البحر وأقول مازحاً، ان الأسبان لن يعطوه فيزة زيارة بسبب اسم ذلك القائد الزاهد والصارم،الذي سحق جيوشهم في معركة (الزلاقة) وأُجل قرنا ونصف القرن سقوط «الحكم العربي الاسلامي».
على رغم ما اتسم به عهد الموّحدين من محافظة شديدة على خلافِ العهود المزهرة السالفة… حتى حلت الهزيمة الحتمية بمنطق الصيرورة والتاريخ.وبدأت تبزغ دورة كبرى جديدة في تاريخ البشريّة مدشنةً أكبر مجزرة في التاريخ. هي بدايات صعود الحضارة الأوروبية الحديثة المستمرة والمهيمنة.

* * *

تغيرت (طنجة) التي كانت ذات زمن مدينة (كوزموبوليتية) خاصة من ناحيتها البحرية وصار الكورنيش الجميل، بمثابة رئة للمدينة المختنقة بزحام الصيف وملماته الكثيرة. وبسبب ظهور الكورنيش، اختفت سلسلة المطاعم البحريّة المتنوعة والتي تذكر بتنوعها الاثني بماضي المدينة التي كان الطابع الأسباني يغلب عليها.
وكنا في زياراتنا الغاربة، بصحبة الرجل الذي تعيش المدينة تشرّده، كتاباته، وأقدامه الضاجة، التي تهرب منهاالطرق، على قول (الحصيري) صعلوك العراق المبدع، روح الصعاليك تلتقي تختزل المسافات البعيدة، وتلتقي على قارعة الكون والكتب والحانات.
في ليل طنجة الموغل في السهر والصخب المتاخم لموج المتوسط قبل أن يلتقي بموج المحيط في (راس بطيل) بقليل – كان محمد شكري الذي نلتقيه في طريقناإلى أصيلة أو الرباط، وحين نمكث فترة في المدينة التي شهدت شقاء طفولته المبكرة قادماً من ريف الشمال البالغ الفقر والقسوة، وشهدت لاحقاً مجده الأدبي،الذي جاءه صدفة من غير أدنى تخطيط أو اتفاق.. كان شكري حين يضيق ذرعاً بوسط المدينة ينحدر الى مطاعم البحر ذات الأسماء الأسبانية غالباً، وهي تغطي رقعة الساحل الرملي من أوله إلى آخره بلآلئ أضوائها الملوّنة.

* * *

في أصياف طنجة بطقسها الذي يفوق الطقس الأسباني روعة ورقة ، يزدهر شكري مع محمد زفزاف وادريس الخوري،الثلاثي الرهيب. حيث يأتي الأخيران لقضاء فترة الصيف أو جزء منه في ضيافة المدينة البحريّة الكريمة،أو في ضيافة شكري على الخصوص..
وللخيال أن يذهب بمذاهب متاهاته وهاوياته المتعوّية الصاخبة في ظل كتّاب أحرار منفلتين من القيود الاجتماعية والتقاليد الوقورة من غير أقنعة عدا أقنعة الحقيقة العارية..
وحين اختصم شكري مع (بدريس) كما يدعوه الأصدقاء ، حد القطيعة، قلت للأخير ، ما رأيك في السعي للم الشمل من جديد، أجاب بأنه سيكون سعيداً.. لا أذكر . ماذا حصل بعد ذلك.. فأنا لستُ إلا زائراً موسمياً..
رحل زفزاف ورحل شكري، وبقي (بدريس) صامداً يقاوم صروف الدهر ولو الى حين.
ها أنا الآن في طنجة أمضي مع بهاءالدين الطود وعزيز الحاكم القادم من فاس وعبدالاله..القادم من القصر الكبير، إلى مطعم «الخبز الحافي» على اسم الرواية الأشهر لشكري.. وكانت صوره تغطي جدران المطعم، المشرب، محدقةً بطيبة ورعب في الحشد البشري الذي يستمر في غيابه في صخب الحياة ومتعها العابرة..
كان الغائب الحاضر بامتياز، في فمه سيجارته المعهودة، من ظلمة الأجداث حزيناً وضاحكاً ينفث الدخان في وجوه الأحياء والأموات..
أتذكر مرة وجدت شكري صدفة في الرباط، على غير العادة، وكان نورالدين أفاية يقدم برنامجا ثقافياً في التلفزيون ومقره الدار البيضاء… استضافني وشكري كل في حلقة على حدة.. في الصباح المبكر أخذنا نورالدين بسيارته، وفي خضم الطريق أخذ شكري يتلوى من فرط الألم ويتقيأ،أوقف السيارة ثم استأنفنا الطريق حين هدأ بعد أن أخذ الدواء وشرب حتى توازن وارتاح قائلا: «معدتي ليست مريضة لكنها مهلوكة”.

* * *

حين داهمه المرض ، هو من ذلك النوع الذي لا يتيح للمرض والألم فرصة عزله واعتقاله عن الحياة أولاً والكتابة ثانياً، إذأن لديه من التحصينات والوسائل ما يهزم العوائق والأمراض ويدحرها، هو الذي تربى تحت ظلال شجرة الألم والجوع والقهر، ما أكسبه هذه الحصانة وهذه المنعة..
أشرت إلى أن الكتابة بالنسبة له ثانية بعد الحياة، وهي ليست إلا تكملة بحث فيها.إحساسه الدائم مثل ذلك النفر من الكتاب، بأنه أتى إليها بالصدفة وطابت له السكنى.. وليس مثل آخرين واهمين بأنهم وُلدوا من رحم العبقريّة وحظوة الإلهام .. مرة جاءه كاتب قال له (سي شكري ثمة اجتماع لمثقفي الشمال لا بد ان تحضره) أجابه بأنه ليس مثقفاً… ومرة كنا نمشي أمام واجهة مكتبه في الشارع الرئيسي، حين لاحظ كتاباً ألصق بالواجهة الزجاجية من نوع (فريدريك هيجل يقارع عمانويل كانت) فجفل راكضاً وعيناه جاحظتان تمثيلاً لخوفه وذعره من العناوين الكبيرة… هو الصعلوك الذي لا يقيم إلا في «السطحي» والعابر.
حين داهمه المرض العضال ، قاومه بضراوة حتى بدأت قواه في التداعي والاستسلام . كان يرقد في مستشفى الأورام في الرباط العاصمة، حين زاره صديقه محمد الأشعري، وكان آنذاك وزيراً للثقافة.. قال شكري (أخيرا ها أنا أنام من غير حراك) العاصفة تنام على سرير المرض بعد أن أنهكتها المسافات والزمن.. أمام هكذا موقف مأساوي، أي كلمة مواساة أو تعزية ليست من غير نفع فربما تكون مُهينة..
فما كان من الأشعري بحسه المرح إلا أن ينتشل الموقف من لحظة الميلودراما المرتقبة، ويقول: (هو سرطان واحد يا شكري ، هذا لا يليق بمقام عظيم مثلك.. قول ثلاثة .. أربعة…).
الفكاهة السوداء إزاء ما هو حتمي، حسُّ المرح العابث التراجيدي أكثر بلاغةً في التعبير هو الذي ينتشل اللحظة المحتدمة من براثن قدرها الكئيب.

* * *

في عُمان ، زمن الطولة البعيدة، لا نكاد نعرف شيئا عن البلاد المغاربية، كانت ثقافة بلاد المشرق العربي بكافة مناحيها، بجانب الإرث المحلي، تمارس مطلق الهيمنة على الوعي العام وهو وعي بدئي وتقليدي..
وكان هناك ما يشبه الكلام الغامض عن الثورة الجزائرية و(وادي ميزاب)، حيث يقطن الأمازيغ الاباضيون، الذين تربطهم صلة رحم مذهبية باخوانهم في عُمان.
وحين كنا في القاهرة، استمر هذا الغموض حول تلك البلاد الشاسعة والنائية.. نفر من الطلبة ذهب من الى المغرب، وجاء بأخبار مثيرة عن طبيعة تلك البلاد التي تفوق بلاد المشرق ولطف تعامل أهلها مع الغرباء..
ذات صباح قاهري، صدرت جريدة الأهرام وعلى صفحتها الأولى على غير المعتاد، صورة الجنرال (أوفقير) وهو يقبل يد الملك الحسن الثاني. كان مانشيت الجريدة العريقة، مسنودا بمقالة محمد حسنين هيكل رئيس التحرير المعروف (بطرحه)، حول زلزال الانقلاب الذي قاده الجنرال، يد الملك اليمنى والضاربة بقوة الابادة لأعدائه، وقد خرج منها الملك الحسن سالماً بغرابة المعجزة التي يكتنفها غموض التفسير والأسباب.
تكررت بعد هذه المحاولة محاولات أخرى، ويخرج منها الملك العنيد أكثر قوة وبطشاً من ذي قبل… مرة كان ريف الشمال يشتعل بالاحتجاجات، ألقى خطبة، كأنما يتقمص فيها شخصية الحجاج ابن يوسف الثقفي.. (تعرفون من أنا؟) يخاطبهم بفصاحة عالية وشرسة.. لكن بدل أن يقول «أنا ابن جلاء وطلاّع الثنايا، متى أضع العمامة تعرفوني» وبسبب ثقافته الفرنسية، كما العربية، ينعطف الى (باسكال) (تعرفوني من أسلوبي. إن للرجل اسلوبه كما يقول باسكال)
لكن رغم بطش الخطاب وشراسته ، ظل الحسن الثاني يتعاطى مع السياسة ولم يقطع معها بسبب الأحداث الانقلابيّة، الاحتجاجيّة والعدائيّة لشخصه ودولته – ظل يتعاطى وفريقه مع السياسة والوقائع. وهذا ما يميزه عن ملوك ورؤساء المشرق من «أشقائه».. فرغم ان تلك الأحداث بعضها جسيم، يدفع أمثاله الى التصفية، تصفية الحياة السياسية القائمة في المغرب من أحزاب ونقابات، واكتفى بتصفية خصومه المباشرين..
لو حصل ذلك في بلاد المشرق، مركز التاريخ الحضاري والروحي ومركز الدم والمأساة، لاستُؤصلت مدن وجهات بكاملها، وأحيلت الى انقاض كما هو الراهن وحروبه الأهلية ووقائعه التي تتناسل من غير هوادة..
هناك وبشكل من الأشكال، ثمة تعامل مع السياسة، صوابه وخطأه. وهنا تعامل مُنجز سلفا مع القتل والتصفية والترهيب بكل أشكاله..
مثل هذا الكلام لا يبرئ المغرب ، واذا نزعنا الى الشمول ، البلاد المغاربية، على بعض التفاوت، ويرفعها وينزهها ، عن مثالب الشرق العربي الفادحة.. وإلا لما كان الحال على هذا النحو من تخلف البلاد عن استحقاقات راهن الحداثة والعصر.
إنها وحدة بلاد العرب مشرقاً ومغرباً، وقد تحولت إلى نقيض الطموحات والأحلام، من قبل النُخب و«الشعوب». أكتب كلمة شعوب بين مزدوجات، متذكراً كلمةً الراحل أنور عبدالملك متحدثاً عن مصر وسائر البلاد العربية، كونها لم تعد تملك شعوباً بمعايير التاريخ والاجتماع، وإنما تجمعات سكانيّة عشوائيّة تعيش الفقر والإذلال..

* * *

مطلع الثمانينات زرتُ المغرب قادماً إليها من دمشق وعائداً إليها. نزلت مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، وهو لا يختلف كثيراً في تواضعه وبساطته عن مطار دمشق الدولي. كنت أحمل معي نسخاً من كتاب صدر لي للتو، (الجبل الأخضر) وحين لاحظ شرطي الجمارك السوري ، كثرة النسخ في الحقيبة، أخذني الى غرفة جانبية حيث سألني الضابط عن سبب كثرة النسخ وطبيعة الكتاب. أوضحت أنني كاتبه، وانني مقيم في الشام … الخ. حتى ضجر لعدم أهميّة الموضوع بالنسبة إليه، فأفرج عني وعن الكتاب الذي حملته الى المغرب والأصدقاء..
لحظة وصولي المطار المغربي ، وأنا في طريقي إلى منطقة تفتيش الحقائب، اندلقت الحقيبة التي أحملها وهي غير مقفولة كالعادة التي استمرت حتى هذه اللحظة، تطايرت نسخ الكتاب متبعثرة على أرضية المطار، مما جعل شرطي التفتيش يدعوني متجاوزاً الذين قبلي في الطابور. سألني بدوره عن الكتاب ولماذا هذا الكم من النسخ المتشابهة؟، أوضحت له مثلما أوضحت لزميله السابق في دمشق.. تركني أمضي في حال سبيلي من غير مشاكل وأسئلة اضافية تحفل بها مثل هذه المناسبات.. مضيت الى الردهة الخارجية للمطار حيث كان في انتظاري زاهر الغافري وأصدقاءآخرون مقيمون في المغرب من أجل الدراسة.
منذ تلك الفترة التي بدأت في التعرف فيها على الوسط الثقافي المغربي، أخذت الصلة في التوثيق والحميمية جمالياً ومعرفياً، عبر أطوار الزمن وتقلبات أمكنته..
وبدار توبقال، مع الصديق محمد بنيس أصدرت ديوان (رأس المسافر) الذي استقبل بشكل رائع وفريد . اتسعت العلاقة وتشعبت حضوراً مكثفاً… كنت أحضر في العام أكثر من مرة، من مراكش، فاس، الرباط، الدار البيضاء، وحتى أصيلة وطنجة خاصة في موسم الصيف والمهرجان الذي سيكمل عامه الأربعين، حيث يتجمع الأصدقاء من كل الأنحاء المتشظية والبلاد..

* * *

وجدت في المغرب والبلاد المغاربية عامة، ما لم أجده في المشرق. ذلك الشغف حدّ الهوس والجنون بالفنون والفلسفة، الطليعي منها واللامألوف الذاهب صوب المغامرة والخطر والمجهول. هوس عبر عنه أصحابه كتابة وسلوكاً، حياة وموتاً..
أحيانا يفيض هذا الهوس والاندفاع اللاغائي بالمعرفة، على الكتابة فتتراجع هذه الى آخر الهموم وهواجسها. كم من مثقف مفعم بالقراءة المبحرة في شتى المعارف والأنماط التعبيريّة، يزهد بالكتابة والشهرة، فتتحول هذه الحصيلة المتراكمة الى حياة وأسلوب حياة. الى خطاب يومي شفوي، يرفد الثقافة بهذا العمق الزاخم أكثر مما يكتب. هذا الرافد من روافد هذه الثقافة، يصب في متنها العريض بأسمائه البارزة في ساحة الثقافة والفكر العربييّن .. فقد أعطت هذه المناطق في الثلاثين سنة الأخيرة وأمدّت ثقافة العرب وفكرهم الذي وصل في بعض أقانيمه الى التنميط الايديولوجي وضجر التكرار العقيم، بكل ما هو جديد، مبعث سجال مضيئ..
الأسماء في هذا المنحى من فرط إلحاحها وحضورها، ليست بحاجة الى إيراد وتسطير..

* * *

أشرتُ إلى أن الحنين المفرط الذي يشبه المازوشيّة التاريخية، لم يعبرني هذه المرة، ذلك الذي يخترق العربيّ التائه بين العصور والحضارات.. لكنني وأنا أقضي الليل على سطح منزل من منازل (اشبيليا) القديمة، بدعوة من صابر الفقيه وزوجته الفرنسية (دافني) كان جو المدينة حارا بالمقاييس الأوروبيّة، لكن حين تهب نسائم الليل الباذخة تنسي سكانها حرارة النهار الصيفي.
لم أستطع الهروب من استعادة ليل السطوح الصيفي بأنسامه العذبة الرحيمة في دمشق خاصة وكذلك بغداد. حين يلوذ الساكنة بشرفات المنازل وسطوحها هرباً واستراحة من لهب القائلة، في تلك البلاد التي أعطت الأندلس وشبه الجزيرة اللإيبيريّة، مجدها وحضارتها معماراً، علوماً وفلسفة.. هذه الاستعادة تستدعيها تجربة الراهن قبل أن تنقض الحروب المتناسلة مفترسة كل شيء، السطح والقاع، الروح والجسد.. في الراهن، فكيف بالتاريخ، حين كانت بغداد مدينة السلام، مركز الحضارة والمعرفة. وقبلها دمشق الأموييّن الذين أسسوا كل ما هو ملحمي ونبيل. أولئك الذين اذا ضاقت بهم الدنيا ألحقوها ببستان هشام- حسب سعيد عقل- هشام ابن عبدالملك ابن مروان.
موضوعياً وتاريخياً هم بعد المؤسسين الأوائل، من أرسوا دعائم مشروع الحضارة العربي الاسلامي الذي في غضون عشر سنوات ، هيمن على العالم من حدود الصين حتى جبال (البرانس) في القارة الأوروبيّة، ما لم يتحقق زمنياً في أي حضارة أخرى قبلهم بما فيها روما العظيمة. ومن مفارقات الزمن الذي نعيش، والذي تحتدم فيه حروب العبث الطائفي البشعة سارقة أحلام التغيير الحقيقية، النبيلة .. تمتد المجزرة إلى ذلك التاريخ ، فيما يشبه تصفية حساب انتقاميّة، حين شاهدت ذلك المسلسل التلفزيوني الذي يتعاطى مع تلك المرحلة الثرية، وقد أظهر عبدالملك بن مروان بشكل هزيل شخصية (شرشوح). مثل هذا التعاطي سبق اليه كتاب وأدباء تفننوا في التنكيل بالتاريخ، الذي أضحى ماركة مسجلة لمصانع الحقد وغرائز الانحطاط الطائفي الذي تغذيها وقائع الانكسار الجاثمة.. هذه المجزرة التي تترحّل من الراهن بأبعاده الواقعيّة والرمزيّة الى التاريخ البعيد والقريب، عبر هذه الطائفة من الكتاب و«المفكرين» العرب الذين تفوقوا بشكل ساحق على مرجعياتهم الاستشراقيّة، في أسوأ أحوالها. رسخوا ما يشبه المعطى الجاهز والنمط، حيث متن هذا التاريخ لا يزخر، إلا بالشرّ والدم، والانحدار القيمي والقمع والفجور والوحشيّة بالمطلق (كذا) تقابل هذا المتن الهوامش التي هي النقاء الثوري الطهراني بالمطلق!!!
هذه الطائفة التي اتسعت رقعتها في ضوء الحاضر، وصار التاريخ العربي نهباً مستباحاً للغرائز الطائفية والعنصرية ولشعوبيّة «الحداثة».. التي تنشد الى نيتشه وأقرانه. نيتشه الذي عبر عن غضبه العميق والجذري تجاه تاريخ البشر قاطبة، حيث لخّصه في كونه عاراً في عار. أما هيجل العقلاني الكبير، فقال ان تاريخ البشر ليس إلا مذبحة.. ليس تاريخ العرب فحسب ولا الأتراك أو الرومان أو الفرس…
لو قرأ أولئك بحد أدنى من الموضوعيّة، وهو مطلب مستحيل على الطائفيين والشعوبيين المحدثين، لكان هناك ضوء ساطع للحقائق المغيّبة..
نهرب من سطوة الحنين ومازوشيته، لكن جفاف الواقع وفظاعته، يدفعك لا شعورياً الى فتح نافذة ولو ضيقة في جنّة الحنين الآفلة من غير عودة.. أعرف انه حنين ساذج، لكنه نازع من نوازع طفولة وفتوة لم يبق منهما إلا خيالات شاحبة تعبر بين الحين والآخر…

* * *

يتناهى الى سمعي هتاف المتظاهرين السلميين وسط طنجة تضامناً مع الحراك المطلبي للحُسيمة..
هذا الصباح أقرأ في إحدى الصُحف المغربية ذات المقروئيّة الواسعة.. وبالمناسبة منذ زمن كانت (الاتحاد الاشتراكي) التابعة لهذا الحزب. و(العلم) التابعة لحزب الاستقلال وصحيفة (أنوال) الحزبيّة هي الأخرى تحتكر هذه الصفة.. أول ما يؤشر لهذا السياق.. جملة التغييرات والتطورات في المجتمع والسياسة، أفسحت المجال لصحف أخرى ليس لها صفة حزبيّة على هذا النحو الكلاسيكي الراسخ تاريخاً أو نضالاً.
أقرأ عن ظاهرة (المغاربة السوريون) في ألمانيا. وهم يعدّون بالآلاف معظمهم من المغرب، والبعض من الجزائر وتونس. وجلهم مراهقون وقُصّر، يشكلون ظاهرة عنف لا نظير لها في بعض المُدن الألمانية. من الاغتصاب والسرقة وانتهاك كافة القوانين والمحضورات.
أحدهم اغتصب مسنة خارجة من الكنيسة، عمرها تسعون عاماً. وفي ليلة رأس السنة بثوا الرعب وأسالوا الدماء، تحرشاً وتدميراً في كل اتجاه..
هذه الفئة المثالية عمراً للممارسات العنيفة، ضمن هكذا فوضى مفتوحة، أو ضمن استقطاب التنظيمات المتطرّفة المتكاثرة من كل حدب وصوب. فرّت من المغرب حتى وصلت الى الطرُق التي يسلكها السوريون الفارون مع أطفالهم وعائلاتهم من جحيم الحرب والإبادة.. عبر تركيا، ومغامرة التهريب، في «قوارب الموت»، قوارب التيه والضياع في خضم ليالي المحيطات المدلهمة بالخطر والاضمحلال. هذه المرة لم يسلكوا في رحلة التيه هذه عبر البحار والمضائق القريبة التي تفصلهم عن أسبانيا وأوروبا أرض الأحلام. ذكاؤهم المبكر قادهم الى الأبعد لاستغلال فرصة المجزرة السوريّة، والرحيل مع ضحاياها وكأنهم جزء من تغريبتهم المأساوية، لذلك قبلهم الألمان على أنهم سوريون هاربون من حرب بلادهم حتى انكشف أمر الهويّة والبلاد التي ينتمون اليها.

* * *

البارحة راودني حلم سرَى عبر سطح الزمان والمكان. منذ الأمويين وحتى ثمانينيّات القرن العشرين، ومن ثم الهنيهة الماثلة في هذا المكان الليلي النائي. مطامر الأعماق واللاشعور تختزن شظايا الأحداث ودخان الكلام الذي طواه النسيان لتقذفه كالحمم الصغيرة في ليل الغرباء..
البارحة حلمت بأنني مع عبدالقادر الحصني، نجلس في مكان ما، ما لبث عبدالقادر أن اقترح الاتصال بأبي الوليد يوسف سامي اليوسف، الراحل عن عالمنا منذ سنوات، أخرج هاتفه الخلوي، من جيبه وأخذ في الاتصال. بدا من صوته أن الخط كان مشوشاً. ثمة تعثر وغموض في الكلام بحيث أن الجمل تتقطع من غير افادة ولا دلالة، يمليها خطاب صديقين فرقتهما المسافة والأيام . في غمرة هذا الارتباك أعطاني قادر الهاتف لأستأنف المكالمة. بدالي صوت (أبوالوليد) بعيداً.. بعيداً موغلاً في البعد وفقدان الحماس للكلام حول أي شيء من أحوال البشر والبلاد. ورغم نأي المسافة والصوت رأيته في جلسته وهو يتحدث بهيئته القديمة على كرسيّ مُحاط بكراسٍ فارغة. لكن كلامه لم يصلني منه مثلما كان عند قادر الذي قال حين توقفت المكالمة: يبدو أننا اتصلنا في وقت غير مناسب. كان مزاجه معكراً وغير راغب في أي حديث، على نقيض الأيام الخوالي.
في هذه الليلة الاشبيلية زارني هذا الحلم الذي يمكن تفسيره. إذا كانت الأحلام لها من معنى، غير كينوناتها الهلامية العابرة.. (أحد الفلاسفة الجدد يعتبر (فرويد) ليس عالِماً مكتشفاً لقارة اللاشعور الفردي، وأحد رموز العصر الحديث، وإنما مشعوذٌ ودجّالٌ).
إن أبا الوليد، في تلك الأزمنة الخوالي التي درسْت كل رسومها وأطلالها، كان كثير الحديث والفخر بزمن الأمويين وقادته، بصوته العالي العميق كان يردد متنزها بمتعة بين ضفاف التاريخ، أحداثه، وعقلِه الصاعد مقابل العقل الهابط الخانع الذي لا ريب كان ينظر إليه في مرآة أزمنة الانحطاط الساحقة.