ياسر عبد اللطيف عن علاء الديب – شجرة كافور باسقة في المعادي

تتقاطع سيرة علاء الديب الأدبية والمهنية مع مدرستين كبيرتين في الثقافة المصرية المعاصرة. وأعني مدرسة “روز اليوسف” الصحفية أولًا، وثانياً حركة جيل الستينيات الأدبي في مصر كما تمثلت في مجلة “جاليري 68” الطليعية والمستقلة. وعندما أتكلم عن مدرسة روز اليوسف، فانا لا أقصد تلك المؤسسة في طورها الليبرالي في العهد الملكي كما أنشأتها المسرحية الرائدة فاطمة (روز) اليوسف على جهود كّتاب أمثال عباس العقّاد أو محمد التابعي، ولا المؤسسة نفسها في طورها الأخير كما انتهت على يد الصحفي عادل حمودة في التسعينيات كرائد في نشر صحافة صفراء تمزج السياسي بالفضائحي، ولكن في طورها خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، عندما تولاها إحسان عبد القدوس، الصحفي الجريء وكاتب روايات البيست سيلر الأشهر في ذلك العصر.

حشد عبد القدوس للمؤسسة والمجلة التي تولى إدارتها خلفا لوالدته الرائدة، قبيلةً كبيرة من الكتاب والفنانين الموهوبين، معظمهم يساريون ناشطون. ضمّت المؤسسة في ذلك العهد أسماء كفؤاد حداد الشاعر، وصلاح حافظ الطبيب والكاتب وحسن فؤاد المصمم وزهدي العدوي الرسّام. وعلى الرغم من أن إحسان في تصنيفه الأخير يُعدّ ليبراليًا، لكن أي هوى يدفعه لتشكيل هذا الفريق من خريجي معتقلات كلّ العصور غير هوى اشتراكي؟ ومن نتاج ذلك التأسيس الثاني للمؤسسة ولدت مجلة جديدة هي “صباح الخير” بشعارها البراق عام 1956 “للقلوب الشابة والعقول المتحررة”! تعنى بالرسم الصحفي والفن التشكيلي والكاريكاتير بقدر قد يفوق عنايتها بالكتابة الصحفية الجديدة جدًا في حينها، والمواكبة لجيلّ تصور أنه برحيل الاستعمار والإقطاع قد بدأ يملكُ زمام الدنيا. وقد قامت المجلة الجديدة على جهود مواهب كبرى بالفعل كصلاح جاهين الشاعر والرسام، وأحمد بهاء الدين الصحفي الاستثنائي، والروائي فتحي غانم.
كانت هذه المجلة تجرؤ على إرسال كاتب كعبد الله الطوخي في رحلة بطول نهر النيل من القاهرة حتى منابعه في أوغندا، ليكتب نصوصا تنشر أسبوعيا على صفحاتها عن هذه الرحلة التي يصوّرها بصحبته رسام (لا مصور فوتوغرافي!)، أو ترسل روائي آخر كصبري موسى إلى الصحراء الشرقية ليكتب رائعته الفريدة “فساد الأمكنة” أو كاتب شاب كعلاء الديب ليكتب تحقيقًا مصورًا عن جريمة قتل غريبة في الصعيد.
في عام 1987 كنتُ خارجًا لتوي من الدراسة الثانوية ومن مراهقة مضطربة أحاول مبتدئا كتابة القصص والبحث في الأدب عمّا يملأ الفراغ العنيف المميز لحقبة الثمانينيات الراكدة، عندما أخذني عمي الأصغر، الذي كان يشغل منصب المدير المالي لروز اليوسف، إلى مبنى المؤسسة لمقابلة أدباءها وعرض محاولاتي القصصية عليهم. وفي غرفة بالطابق الخامس، حيث مكاتب مجلة “صباح الخير”، قابلت الثلاثة المذكورين أعلاه تحديدًا: الطوخي وموسى وعلاء الديب! كنت أقرأ أعمالهم وأعرفها من صفحات المجلة أو بعض كتبهم التي وقعت تحت يدي، ومن بينها رواية “زهر الليمون” لعلاء الديب التي كنتُ قرأتها مسلسلة قبلها ببضع سنوات مصحوبة برسوم إيهاب شاكر. قرأت عليهم بعض كتاباتي الأولى. شجعني صبري موسى بكلمات طيبة واكتفى الطوخي بابتسامة صامتة لم تعلن عن استياء على الأقل، أما علاء فقد دعاني لزيارته في البيت في الصباحات عندما أكتب شيئا جديدًا. ولدهشتي اكتشفت أن هذا الكاتب الذي أقرأ عروضه للكتب أسبوعيًا، والذي افتتنت بروايته الصغيرة، يسكن على مبعدة خمس دقائق على الأقدام من بيتنا في المعادي، وأنه ليس سوى والد سارة علاء زميلتي في المدرسة منذ الطفولة، وانا لم أكن أعرف ذلك. كنتُ في السابعة عشرة تقريبًا، وهو كان في مثل عمري الآن، بأواخر أربعيناته.
وذات صباح من يوم جمعة حملت قصصًا جديدة سوّدتها، وذهبت إلى منزل علاء الديب. بيتهم يقع في شارع 73 وبيتنا في شارع 68 علما بأنه لا يوجد شارع تحت رقم 69 فيكون بيننا أربعة مربعات سكنية فقط في نظام التقاطع الشبكي لشوارع المعادي المرقّمة. يتفرع شارع 73 من شارع 9 أشهر شوارع الضاحية وأطولها وينتهي في طرفه الآخر بحائط في المواجهة هو سور عال لدير تسكنه راهبات ألمانيات، يختفي بشكل تام بين الأشجار وجغرافيا البيوت. فلو أنت قادم من محطة مترو المعادي بشارع تسعة فستنحرف يمينا في 73 لتجد حائط الدير في مواجهتك، وفيلا ” Rève de nuit” على يمينك. ليست فيلا كسرايات آل لوزة أو آل موصيري من مليونيرات الضاحية القدامى في جزئها الجنوبي، لكنها أقرب لبيت أنيق في تواضع بحديقة صغيرة يشير للحس الجمالي للطبقة المتوسطة المصرية في أربعينيات القرن العشرين، ابتناه حبّ الله الديب والد علاء، ومدير هندسة الحدائق بمحافظة القاهرة، يوم كان بمحافظة القاهرة إدارة لهندسة الحدائق.
وخلال علاقتي بالأستاذ علاء والتي امتدت نحو ثلاثين عاما، ومنذ تلك اللحظة بمكتبه بالمجلة، لم أره خارج ذلك البيت أو بالأحرى خارج المعادي، سوى مرتين فقط. وكنتُ أندهش عندما يحكي لي صديقنا المشترك من الإسكندرية عن مقابلاته مع الأستاذ في شرفة فندق “كريون” في الإسكندرية في رحلة الصيف، أو عندما أرى صوره في أسوان مع يوسف فاخوري في رحلة الشتاء، كما كانت للديب رحلة ثالثة في الخريف إلى مرسي مطروح. لكنه كان دائمًا هناك، في غرفته، مواطن المعادي الأبدي. أقرب تكوين عرفته لنموذج المعتزل، يعكف طوال الأسبوع على القراءة، ليكتب مقاله. ولأنه كان صاحب أشهر باب في الصحافة المصرية لعروض الكتب، فقد كانت تجيئه بشكل أسبوعي من ناشريها أو مؤلفيها بالعشرات. فتمتلئ الأرفف والطاولات وتصطف أبراجًا على الأرضية الخشبية القديمة، ويصير لزامًا التبرع بكميات منها كلّ بضعة أشهر واستبقاء فقط الضروري والحميم.
بغرفة مكتبه المطلّة على الحديقة، في ضوء نهار “ساج”، كوب شاي طويل وممتلئ لمنتصفه على طاولة تستقر به ورقتا نعناع خضراوان، وموسيقى تنبعث من خلف المكتب: باخ في الأغلب، وربما أم كلثوم، أو هو القرآن بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل. نبهني مرة لدخول الموسيقى المفاجئ في فيلم “الصمت” لبيرجمان. رجل مسنٌّ في ملابس سوداء يظهر في ردهة فندق للأم وابنها الطفل، ويقول: يوهان سباستيان باخ مُعلقًا على المقطوعة المصاحبة، فيما نرى دبابات النازي تذرع الشارع من النافذة. وفي غرفة المكتب نفسها، يحكي علاء الديب، كان يجتمع شقيقه الأكبر الكاتب بدر الديب في الأربعينيات وهو بعد طالب في الجامعة مع رفاقه وشلته الأدبية الأولى (هل قال يوسف الشاروني وفتحي غانم؟). من شقيقه بدر ، تلقى علاء الإلهام والدرس الأول: الكتابة كفعل وجودي، لا مجرد صنعة أو مهنة. أن تكتب لا أن تؤلف! الكتابة تكون بالدم كما كان يقول علاء. والدرس نفسه من فتحي غانم أيضًا، فهو لم يكتب “زينب والعرش” ليقدم فقط بانوراما لمجتمع الصحافة في العهد الناصري، كما قد يقول ناقد رديء، لكن تحديدًا ليرسم شخصية “يوسف”، المثقف المنقسم بحدة على ذاته، والطافي على سطح الأحداث كمراقب محايد فيما هو متورط فيها و غارق حتى أذنيه في لعبة “العرش”. كذلك لم يكتب بدر الديب “أوراق زمردة أيوب” ليصنع أيقونة قبطية من الزجاج الملون، ولكن ليحاكم نفسه وجيله كله من خلالها في حساب وجودي عسير. يكبر بدرُ علاءً بثلاثة عشر عاما، وكان صديقه فتحي غانم هو من ألحق الأخ الأصغر، الشاب الموهوب، بالعمل في مؤسسة روز اليوسف.
وفي الغرفة نفسها التي كان يجتمع فيها بدر الديب ومجموعته الأدبية في الأربعينيات، سيجتمع علاء وإبراهيم منصور وغالب هلسا في نهاية الخمسينيات ليتداولوا كتبًا وأفكارًا أخرى. ففيما اهتم بدر ورفاقه بالشعر الإنجليزي الحديث وبالسوريالية والوجودية والأدب والفكر الفرنسي والألماني، بتأثير من أساتذتهم المباشرين في كلية الآداب كعبد الرحمن بدوي ويوسف مراد ومن اقترابهم الحثيث من جماعة “الفن والحرية” الفرع المصري للسوريالية العالمية؛ فقد اهتم الجيل الجديد في غرفة المعادي بالأدب الأمريكي: هنري ميلر وهيمنجواي وشتاينبك وفوكنر وكابوتي وحتى سالنجر الذي ترجمه هلسا بنفسه. ولاحقًا سيصير منصور وهلسا من “قيادات” حركة الستينيات الأدبية، كما تبلورت في مجلة “جاليري 68”. وعلى الرغم من كونهما ماركسيَّين ناشطين إلا أن تصوّراتهما عن الأدب كانت شديدة الانفتاح والمعاصرة، على خلاف ما كان سائدًا لدى نقاد اليسار وقتها من التزام حرفي بتعاليم الواقعية الإشتراكية. لكن هلسا كان في النهاية روحًا عابرة مرّ بالقاهرة في واحدة من محطاته العديدة ، ومن تبقى لعلاء هو إبراهيم منصور مواطنه ابن المعادي. عن تعارفهما حكى إبراهيم، أنه وجد شابًا يصغره بسنوات قليلة واقفًا على محطة قطار المعادي في الصباح المبكر يقرأ جريدة “ذا اجيبشيان جازيت” فقال لنفسه، هذا صيدي اليوم! ونجح إبراهيم، المُسيّس من نعومة أظافره، في تجنيده للتنظيم الماركسي الذي ينتمي إليه. لكنّ علاء لن ينسجم طويلًا مع العمل السري، وسرعان ما سينسحب من التنظيم. وفي نهج المهنة والسياسة لن يتبع ثورة إبراهيم وغالب وتمردهما الدائم، وسيكون أكثر إخلاصًا لنموذج بدر الديب. لكن متخففًا في الأدب من نخبوية شقيقه الثقيلة بفضل ممارسته للكتابة الصحفية في أرقي صورها، وبفضل المؤثرات الجديدة التي طبعت توجهات جيل الستينيات الأدبي. سيشير يومًا لمستنسخ من لوحة بيتر بروجل الابن معلق على الحائط فوق كرسيّه المفضل ويقول: أريد أن أكتب روايةً في وضوح هذه اللوحة، الرواية الأفيش! مدنٌ تنبثق من غياهب العصور الوسطى وتتشكل علاقات وتظهر أنماط بشرية جديدة. كلّ هذا في مساحة لوحة كهذه!

وفي ذلك الوقت عندما بدأت أتردد على بيته نحو نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كان قد توقّف عن الذهاب إلى المجلة نهائيا، واكتفى بإرسال مقالاته الأسبوعية بالفاكس، ليجيء له عامل من المؤسسة براتبه عند نهاية كلّ شهر، فلم يكن نظام تحويل الرواتب إلى البنوك معمول به بعد في مؤسسات الحكومة المصرية. تقاعد مُبكّر واختياري. التقاعد والمنفى سمت أبطال روايات علاء الديب الخمس الأخيرة. عبد الخالق المسيري، بطل “زهر الليمون” نفى نفسه اختياريًا في مدينة السويس. والرواية هي تصوير لعطلة نهاية أسبوع يعود فيها إلى القاهرة ليلتقي بعض معارفه ويزور أمه العجوز في بيتهم القديم. فيتداعي الماضي الأليم كله. في تلك الرواية رسم علاء بيت المعادي نفسه بتفاصيل تكاد تكون مطابقه، وإن جعل موقعه بحيّ الدقي على الضفة الأخرى من النهر، بيت الديب هو نفسه بيت المسيري.
على المكتب مشروع مقاله القادم، وقصاصات صغيرة من الورق دوَّن بها ملحوظات تخصّ الرواية التي يعمل عليها. في تلك الأثناء كانت روايته “اطفال بلا دموع” قد صدرت بالفعل وهو عاكف على كتابة جزئها الثاني “قمر على المستنقع”. فاق إعجابي بـ “أطفال…” إعجابي بزهر الليمون، لا سيما مشهد النهاية على باب المطار، عندما تسقط حقيبة السفر الكبيرة من الدكتور منير فكّار، العائد إلى منفاه النفطي وتتبعثر كل محتوياتها على الارض كتبعثر حياته أمامه، فيما هو مسرع للّحاق بالطائرة. لكنّ زهر الليمون رواية ماكرة، يخدعك سطحها الهادئ وانسيابها. ولن أُدرك أثرها النافذ إلا بعد أن أقرأها ثانية بعد عشرين سنة وأرى كيف تسرّبت شعرية علاء وأسلوبه السهل الممتنع لجملتي في عملي السردي الأول “قانون الوراثة”.
إثر واحدة من وعكاته الصحية، في منتصف التسعينيات، خرجت معه في جولة صباحية للتريٌّض والتسوّق في شوارع المعادي. سرنا في شارع 10 ثم انحرفنا يسارا في شارع دمشق حتى ميدان “سوارس” ثم يمينا في شارع وهيب دوس ثم العودة عبر شارع 9. في شارع دمشق وقف أمام فيلا ضخمة تعود لعائلة إيرانية قديمة من تجار السجاد، وأشار لشجرة كافور باسقة بجذع أبيض يمتد عشرات الأمتار، فيما تُشكل أوراقها رأسًا أخضر كرويًا في الأعالي. أشار لها وقال: أنا أعرف هذه “الحلوة” منذ كانت صغيرة! في شارع تسعة يمر بجميع المتاجر التي يعرف أصحابها من عقود، فيشتري السجائر من عيّاد، والبراندي من عزيز، والجبن من اليمني، والخبز الأسمر من الصاوي، وإن تبقى متجر لم يبتع منه شيئا افتعل له سلعةً رمزية يشتريها كعلبة ثقاب مثلا، ثم يعوّضه في يوم تال بشراء السلعة الأساسية منه. ولاحقًا ستظهر كافورة الأيرانيين بشخصها في روايته “أيام وردية”. وفي هذا الكتاب يذهب بمفهومي العزلة والتقاعد إلى التطرف، حيث المصحة النفسية واحة وسط خراب العالم! تتبدى الخطيئة وعقدة الذنب المترتبة عليها في عمل علاء متعلقة بببراءة الوعي وانخداعه، بخلاف نفس المفهومين لدى بدر شقيقه حيث يرتكزان أكثر على فكرة التواطؤ بمعناها السياسي والأخلاقي. وإن بدت أعمال علاء كهجائية متواصلة لزمن السادات وما جاء بعده، إلا أن هزيمة 1967 تبدو كشبح أسود هائل في الخلفية. وهو ما أفصح عنه بوضوح في كتابه “وقفة قبل المنحدر” الذي يتم تصنيفه عادة كسيرة ذاتية، فيما هو أدخل في باب النقد الذاتي والمراجعة العنيفة للماضي الشخصي المتمحور حول لحظة بعينها. يقول في الكتاب “سألني شاب عزيز يصدّق كلماتي ويتأمل فيها: ماذا فعلت في 67 وماذا فعلت بك؟ قلتُ من دون تدبّر: قتلتني ومن يومها وأنا ميت!” ولا عجب أن يلقى الكتاب نفسه رواجًا هائلا بين الشباب الصغير في مصر بعد انهزام ثورة يناير 2011 ، جنبًا إلى جنب مع كتاب من التصنيف نفسه ولا يقل عنه قسوة وهو “المبتسرون” للكاتبة والمناضلة الشيوعية أروى صالح.
ويصف علاء أزمته دائمًا بكونها أزمة مثقف الطبقة الوسطى، فهو في لحظة معينة حسم الخيار لصالح أمان ما، فيما شاهدنا رفيق عمره إبراهيم منصور يمد الخيط على استقامته ويدفع الثمن غاليًا في المعتقلات والمنافي. كان إبراهيم هو الوجه الجريء لعلاء، وعلاء هو روح الفنان التي غادرت إبراهيم. ومن إبراهيم أيضًا انتقل إليه الاهتمام بالترجمة، وكانا يتدربان عليها منذ شبابهما المبكر بمنهجية. وقد قدم لنا في إسهاماته القليلة والنوعية في هذا المجال، ترجمة رائعة لنوفيلا الكاتب المجري شاركادي إمري “امرأة في الثلاثين” ونصًا قصيرًا آخر من أجمل ما قرأت لهنري ميلر بعنوان “العودة إلى بروكلين” فضلًا عن ترجماته السياسية ومعالجته لكتاب “الطاو” للحكيم الصيني لاو تسو.
كان لقائي الأخير به في أكتوبر 2015 ، قبل وفاته بأربعة شهور، وكنت عائدًا في إجازة بالقاهرة لمدة شهر. كان الأستاذ عاكفا على قراءة أعمال الكاتب الجنوب أفريقي جي أم كويتزي، ولم يكن قد طالعها في الوقت الذي ذاع صيتها بشدة أعقاب فوزه بالبوكر ثم نوبل الآداب. فهو لا يميل لمجاراة ذوق سائد تحت ضغط أي نوع من الدعاية، وإن كان الكاتب جديرًا بهذه الضجة. كان معجبًا للغاية بكتب كوتزي وبداخله في نفس الوقت يتحرك اكتئاب النهايات المصاحب للهشاشة الجسدية التي لازمته طوال السنين الأخيرة. قال: عندما تقرأ هذا الرجل تشعر أن كلّ ما كتبناه مجرد “نشارة خشب”! فهمت من أين تخرج عبارته والأسى الذي يعتريها. ولم أرد أن أزكيه هو حتى لا يعبر على ما أقوله عبور المرء على عبارات التملق. فقلت له أيمكن أن نعتبر بدر الديب نشارة خشب؟ هل يصدق هذا على “أوراق زمردة أيوب”؟ ابتسم من تحت الغمامة وقد أدرك مكري وقال : معك حق!

هذه الشهادة الأدبية كتبها ياسر عبد اللطيف خصيصا لمجلة بانيبال، التي خصصت ملفها الرئيس عن الكاتب المصري الراحل علاء الديب، ننشر هنا النص العربي بالاتفاق مع الكاتب.

كاتب مصري مقيم في كندا،
yaslatif@hotmail.com