“تآخروا” نص للكاتب السوري حارث يوسف

حارث يوسف Hares Youssef

لم تكن أمّي تعرف السبب الذي دفعني إلى الهجرة عن وطني. كان أعمق من ظروف حياةٍ تحيط بي. بل أنا نفسي، لم أكن آنذاك أُدرك مدى اغترابي في أعماق نفسي.
كنتُ فتىً طائشاً عندما كتبت لها قصيدة هذا بعضٌ منها:
أُمّي دعيني للرياح تقودني أنّى تشاء ولو بليل مظْلمِ
إنّي خُلِقْتُ لكي أطير بلا هدى عُمْراً إلى سرٍّ عجيب مُبْهَمِ
فدعي لمن رفضَ انتماءً رَفْضه وأنا إلى رفض انتمائي أنتمي
واليوم لا أزال طائشاً. لكنّني لم أعُدْ فتىً.
فلا أزال أبحث عن شيء آخَر.
لا أزال أتآخَر. واغترابي المستمرّ حتى اليوم ليس اغتراب مكان بل اغتراب روحٍ هي الأُخرى تعيش حياتها بحْثاً عن سكن آخَر. وها أنا أقف اليوم وجْهاً لوجه مع “الآخَر”.
كلّ شيء يتآخَر! كلّ شيء خاضع لسلطة الآخَر. فالآخَر علّمني أنّه فعلاً مضارِعاً لا يتحقّق.
هو طاقة خلاّقة تتوالد من ذاتها تاركةً إيّاها فارغةً لجنينٍ آخَر.
علّمني الآخر أنّه صيغة جامعةٌ للفرد، وفردٌ يصوغ الجماعة ، وجمْعاً يُفَرْدِنُ الصيغ كلّها.
تآخَرتُ حتّى تآخيت معه، فعلّمني لعبته الخارجة عن القانون ولغته الهاربة من القواعِد .
قال لي يوماً: أنا حريّة الحريّة من اسمها.
هو حدود المُمكن الهاربة من المُمكن.
هو بيت الشكّ والوجه الآخَر لليقين.
هو اسمٌ يتّسع لكلّ شيء وصفة تنطبق على كلّ موصوف.
هو “ليس″، هو “غير”، هو “أيضاً”، هو “كلّ”، وهو “أيّ”.
هو الثاني إذا أشرنا له من الأوّل والأوّل إذا نظرنا إليه من الثاني.
هو احتمالٌ يحلّق بجناحَي الممكن و اللّا ممكن .
هو مَنْ يستطيع الجلوس في كلّ مكان، فيجعل من كلّ مكان أيَّ مكان.
سألته يوماً :
قُلْ لي أيّها الآخر لماذا كلّما خاطبتك أشعر أنّي أبتهل، وكلّما تحدّثتُ عنكَ أدخلُ في صلاةٍ لا شريعة فيها إلاّ ما هو آخَر.
أراك في الخلاف.
أراك في الاختلاف.
وأراك في الفرق بينهما.
وعندما أُحاور نفسي أقترب منك كثيراً. فأراكَ تهرب مني عندما أسال لِتُجيب وعندما أُجيب لِتسأل، فأكتشف أنّي أختبئ بينكَ سائلاً وبينكَ مُجيباً. فهل ازدواجيتُكَ بي هي ما يوحّدني أم اتّحادك هو ما يفرّقني؟ فأنا بذلك أتآخَر ويتآخر محيطي كلّه.
عندما يُصاب الحوار بالخَرس داخلي يأتي صوتك من صدى لا منبع له ليقول :
أنا أنتَ قبل ثانية، وأنتَ بعد ثانية، ولستُ أنتَ.
ــــ أنا سرابٌ ثوبه الزمن وحذاؤه الوقت. لا أبواب أدخل منها، ولا أرض أمشي عليها. فلا يُغيّرني الماضي ولا يؤثِّر فيَّ المستقبل. أنا عالَمٌ ولسْتُ كوناً، وما عالَمُ إدراكك إلاّ بعضٌ من عالَمي.
ـــ الحوار معك أيّها الآخَر، يُخْرجُني من أنَاي فأُصبحُ مسْتمعاً لاثنين آخَرين كلاهما ليس أنتَ وليس أنا.
مَنْ هذان الآخَران ؟ ولماذا عندما يتحاوران يُصبح الجنون ملعباً يلهو العقل به ويتحوّل الإدراك إلى شظايا مرآة تعكس الوعي إرَباً إرَباً في كلّ شظيّة منها عالَمٌ لا ينتهي من المعاني والصور ؟
ــ حقّاً. فأنا لا أملك وجهاً ! ولكي تراني أسرق أيّ وجه يُصادفني ، حتَى وجهكَ. أنا ما يُغلّف جسدك ويُبطّن نفسك, ولسْتُ أنْتَ.
أنا سطح لبيتك إن كنتَ داخله، وسقْفٌ له إن كنتَ خارجه.
أنا صدى الصوت إذا سمعتَ وصوت الصدى إذا نطقتَ.
أنا كالقمر! وجهٌ لِمَن يدركني وآخَرُ لِمَن يعيني.
أنا قبلُ وبعدُ هناك ولستُ الهُناك .
أنا الحقيقة ولستُ الواقِع.
ــ وما الواقع إذاً ؟
ــ هو أنا عندما تُدركني أنتَ !
ــ وكيف لي أن أُدرككَ وأنا لا أستطيع الإمساك بكَ. فكلّما حاولتُ تصبح آخَر.
ــ عليكَ أن تصبح أنتَ آخَر فتتعرّف عليّ. حرّر نفسكَ من إدراكك. اخرج من قوالِب علمكَ لتعومَ في محيط معرفتي.
ــ أوَليس علمي معرفة ؟
ــ كلّ معرفة علم، وليس كلّ علم معرفة !
ــ وما الفرق ؟
ــ كالفرق بين معرفة العلم وعلم المعرفة, هل تعرف الفرق بين ما تعرف وما لا تعرف ؟
ــ الرغبة !
ــ كلاّ. الرغبة هي الوصل بينهما.
ــ وما الفرق إذاً ؟
ــ الفرق !
ــ الفرق ؟
ــ نعم الفرق. فالفرق موجود بين كلّ ما تعرفه. و لا وجود له في ما لا تعرف بل ما لا تعرف خارجه .هو جدران أجزاء المطلق وغلاف المطلق .
كالقشىرة بين حبّات الرمّانة و خارج كلّ حبّاتها
ــ الفرق هو حدودك، فالآخَر يُحَدَّد الآخَر، بالفرق.
ــ ها أنتَ تقترب من الإمساك بي. لكن إن كان الفرق هو حدودي فهذا يعني أنّي داخله. وإن كان الفرق يحدّد ما هو خارجه وما خارجه هو الآخَر، فهذا يعني أنّي خارج حدودي.
ــ هل هذا يعني أنّك أنتَ مَن يُحدّد الفرق ؟
ــ ألَم أقُلْ لكَ أن تحُرّر نفسك من إدراكك لمعرفتي، فأنا اللّامكان وإدراكك هو المكان.
أنتَ تتعلّم بالإدراك والآخَر يُعرَف بالوعي.
ــ والعقل ؟
ــ العقل فعلٌ. العقل عمليّة وليس مكاناً. هو آليّة حَبْك الوعي بالإدراك وربط المعرفة بالعلم. هو فعلٌ يشبه الطيران ؛ فبالدفع نحو الأسفل يحلّق، وبالتوازي بين جناحيه يطير. آليّةٌ كالتجذيف ! بدفع الماء نحو الوراء ينطلق إلى الأمام، وبتوازي المجذافين يحافظ على سلامة الاتّجاه. هو ميزان له كفّتاهُ : الوعي والإدراك، فلا يسلم الحكم إلاّ بتكافؤ الكفّتين.
أمّا بالإدراك وحده فلا تستطيع الحكم، كما لو أنّك تمشي برِجْلٍ واحدة، وعدم المساواة بين الرجلين تعيق عمليّة السير.
ــ وكيف نحقّق التكافؤ بين الوعي والإدراك في العقل؟
ــ بالتآخر. فالتآخر هو التطوّر، ولا سلامة لعقلٍ بلا تآخر.
ــ الآخَر ما لا يُدرك. والذات لا تُدرك إلاّ بمعرفة الآخَر.
ــ بالخروج من الإدراك تستطيع أن تعي الآخَر، وبالخروج من الذات تستطيع أن تعيها، وكلّ ما تعيه تدركه تلقائيّاً، وليس كل ما تدركه تعيه تلقائيّاً.
ــ وكيف عليّ أن أُدرك عن طريق الوعي ؟
ــ التآخر عن طريق الثاني.
ــ الثاني ؟
ــ كلّ ثانٍ هو آخَر. ولكلّ ذات ثانيها، هي الأُخرى في عالم الآخَر، فأنتَ في عالَم الآخَر ثانٍ.
ــ هل هذا يعني أنّ مطلق الآخَر ثانٍ ؟
ــ نعم . مطلَق آخَركَ هو مثيلكَ، هو ثانيكَ. فالثاني هو مطلَق الآخَر الفرد.
ــ يعني أنّ آخري هو أنا الثاني بكَ ؟
ــ نعم. هو من يحاوركَ فتظنّ أنّ الآخَر يختبئ بينكما.
ــ وما الفرق بين آخَرِ غيري وآخَري أنا ؟
ــ لا فرق إن لم تعِ ثانيكَ. فآخَر غيرك وآخَركَ يمتزجان في الوعي ويتفرّقان في الإدراك، وما عليك إلاّ أن تتعلّم أن تفرّقهما في الوعي، وهذا هو التآخر. فمتى وعيتَ ثانيكَ وعيتَ آخَرك فتحصل على الفرق بينه وبين آخَر غيركَ.
ــ وماذا عن الآخَر في عالمي المُدرك ؟
ــ تسألني عن الآخر الذي ليس أنتَ قبل أن تحصل مني على أنتَ الآخَر.
ــ لكي أعرف من أنا، أحتاج إلى معرفة الآخَر.
ــ ثانيكَ هو معناك، وهو ما يجب الحصول عليه. هو مدخلكَ إلى عالَم معرفة الآخَر، ومدخلك إلى معرفة العالم الآخَر، ومدخلكَ إلى عالم المعرفة الأخرى.
ــ يعني أنّ معنى ذاتي موجود في عالم آخَر.
ــ نعم. في العالمَ الآخَر “عندي” لك شرفة تطلّ على كلّ ما فيه ! حجرة فارغة لها شكل جسدك، متى ملأتها بذاتكَ أصبحتَ آخَراً وحصلتَ على ثانيكَ فيصبح عالم الوعي هو عالمكَ الثاني، كما هو عالَم إدراككَ عالمكَ الأوّل.
ــ حجرةٌ لها شكل جسدي ؟
ــ نعم كما هو جسدكَ حجرة لك في عالم إدراككَ. أنا محيط بلا حدود. لكلّ أوّلٍ ثانٍ، ولكلّ صورة أصل. فكلّ باحثٍ عندي حجرته، ولها شكل جسده، فارغة من الذات، متى امتلأت حصلت الذات على معناها، فتصبح قيمتها مطلقة بانطباقها على قيمتها المدركة الأولى. فيصبح الباحث قادراً على رؤية أعماقي ببصيرته،
فينفتح الضمير على عالم مليء بالمعرفة الحقيقيّة. وهنا يبني علاقاته مع غيره من سكّاني.
ــ وكيف أبني علاقة مع الآخر الذي لم يحصل على ثانيه عندكَ ؟
ــ عن طريق حُجُراتهم الفارغة. فمتى تعلّمتَ الوقوف على شرفتكَ في عالمي وملأت حجرة معناك، واكتسبتَ قيمتكَ تحصل على الطاقة الكافية للظهور في عالمه المدرك عن طريق ثانيةٍ، أي عن طريق شرفته المجاورة لشرفتكَ.
ــ باردٌ يا أخي عالمكَ هذا. وحدتي فيه تمنعني من التفاعل مع غيري. فهنا في عالمي الأوّل، أتلمّس بيدي صدر حبيبتي ولا احتاج لرحلة شاقّة للوصول إلى إحساس الدفء الرائع الذي يملأ إدراكي بوجودي. أنا لا أُصدّق أنّ هذه الأحاسيس ممكنة عن طريق شرفاتك المظلمة الباردة !
ــ أنتَ على حقّ. فعالمي باردٌ ومظلمٌ لأنّه جهل لإدراككم. فهو فارغٌ منكم، ولن يصبح دافئاً مضيئاً إلاّ عندما يعي كلّ منكم الآخَر عن طريق ثانيه. فلو لم تكن حبيبتكَ آخَر لما شعرت بدفء اللمسة وروعة الإحساس. فما بالكَ لو ضاعفتَ هذه الروعة عن طريق ثانيها، فاللمسة تصبح أوضح ودفؤها أعمق فتكون اثنتين ؛ واحدة في عالمك الأوّل وأخرى في عالمي فيتّخذ الواقع روعة الحلم ويرقى الإحساس إلى سموّ الشعور.
ــ وهل في التآخر يصبح الحلم واقعاً ؟
ــ طبعاً. فالحلم في عالمي هو واقع آخر. وجهلكم في مطابقة عالم الحلم بعالم الواقع هو مأساتكم.
ــ وما الذي يمنعنا من القيام بذلك ؟
ــ أنتم في إدراككم كالمخلوقات البحريّة التي تظنّ أنّ سطح البحر هو نهاية الكون.
إدراككم حوضٌ جدرانه مرايا , الماء فيه من ماء المحيط خارجه، أنتم داخله، فلا ترون من خلاله سوى الصور التي تعكسها لكم جدرانه. فالمحيط خارج الحوض يبدو لكم عالماً آخر بينما هو عالمكم. عقولكم الكسولة اكتفت بعالمها الصغير فصار ما ليس منها منبوذاً حتّى تحوّل حوضكم إلى منفى ! وما تحتاجون إليه هو الترحال من و إلى الحوض لتتعرفوا على الفرق بين عالم الحوض والعالم خارجه. أنتم محدودو البصر والسمع والشمّ والإحساس وهذا يجعل من إدراككم حجرة لا تعترفون بما هو خارجها. حاصرتكم عقولكم بين جدرانها فآمنتم بواقع صغير كالقبر واقتنعتم بأنّ الكون كلّه فيه. وجدتم أنّكم أسياده فتهيّأ لكم أنّ عقلكم عظيمٌ وأصبتم بالتهاب الإدراك. فصارت المعرفة غريزة والوعي عقلاً باطناً، وصار فضاء الضمير الواسع ثقباً صغيراً.
فاختلطت عليكم النفس بالروح، والمغزى بالمعنى، والشعور بالإحساس،والعلم بالمعرفة والوعي بالإدراك ففقدت الصورة أصلها، وأصبح الاسم رمزاً هرب المعنى منه، وصارت كلماتكم أدوات تزيد من ضلالكم، فأنزلتم كتباً قلتم إنّها من السماء، واخترعتم رسلاً وأنبياء من صنعكم، وأنجبتم خالقاً لكم بصفات منكم، فصار يغضب مثلكم. وينتقم مثلكم. ويحدّد الخير بالشرّ مثلكم. ويعدل لصشالحكم فقط. ويفضّل أمّة على أخرى على أذواقكم. خدعتكم عقولكم فخدعتكم ,صرتم تتقاذفون بالقيم كما تشاؤون. تغتصبون المطلق وتبنون منه علماً لكم، وتظنّون أنّ ما يسحركم فيه هو معرفة، بينما هو وهمٌ متّفق عليه، فنسيتم أنّكم مجرّد احتمال كغيركم من الاحتمالات التي شكّلت هذا الوجود. أنتم أصبحتم مأساة الأرض والمخلوقات عليها، لا تخلّفون سوى القمامة والأمراض. ولم تفهموا حتّى اليوم أنّكم أعداء أطفالكم، وكلّ ما تقومون به هو أذىً لهم. لا ترون أنّكم أقبح من عليها، فبفضل غبائكم اكتشفتم أنّكم الأذكى. ولكنكم، في الحقيقة، عبيد لآلةٍ اخترعتموها ولسوق تستيقظون وتنامون فيها، ومالٍ ليس مالكم وقيمٍ لا وجود لها إلاّ بفقدانها. وما حضارتكم سوى خطر يحدق بغد صغاركم.
ــ أراكَ أيّها الآخَرُ لا تحبّ الإنسان.
ــ وهل يُحَبّ من لا يُحِبّ نفسه؟ الحبّ كالوعي لا يتحقّق إلاّ بالتآخر، والتآخر تآخٍ وتفاعل. هو الطريق الوحيد للمحبّة والسلام، والوسيلة الوحيدة لمعرفة الذات وبنائها. فتآخروا يا معشر الناس. ثقوا بآخركم تحصل ذاتكم على الثقة بقيمتها.

  • ها المقال نشر أولا في مجلة “ّالآخر”

كاتب سوري مقيم في فيينا