“الطريق إلى المتعة” قصة للكاتب المصري جمال مقار

Gamal Makar

لم يكن الرجل الريفي يظن وهو جالس عند حلاق القرية يرنو إلى انعكاس وجهه في المرآة المثبتة في الحائط المبني باللبن؛ إنه سيعيش تلك الأحداث الغريبة التي حدثت له بعد أيام قليلة .
**
خفض الحلاق رأس زبونه، وأعمل الموسى في الشعيرات القليلة النحيلة التي تكسو مؤخرة عنقه، ومشى بفرشاة بودرة التلك على القفا، ثم مد أصبعيه إلى الذقن وفحص قصة الشعر، وقال للفلاح مداعبا:
ـ نعيما، والله، عريس ومن حقك يا عم أن تعرس الليلة.
ـ شكرا يا مطاوع.
نهض وهو ينفض بقايا الشعر العالقة عن جلبابه، ومد يده إلى خرجه، وأخرج كيسا به قدر قدح من الشعير؛ ناوله للحلاق الذي ودعه حتى باب المحل.
**
الآن؛ بعد شهور من التجهز لرحلته سرا، اكتمل استعداده للهبوط إلى المدينة البعيدة، ربت بكف يده على حافظة نقوده الكبيرة التي تنام في جيب صداره الداخلي، فأصابه ذلك بالطمأنينة، همس لنفسه:
ـ النقود هي الصديق الوحيد الوفي الذي يحمي الانسان من الفقر والمرض.
في طريقه للمحطة القديمة التي أنشأها جيش الاحتلال بمظلتها الخشبية الكبيرة، راقب الطيور المهاجرة وهي تقف على أطراف المظلة ، دائما تجيء إلى البلدة في نهاية الخريف وتظل حتى مطلع الصيف، يبعث بعضها بلحنه الناغم لأنثاه غازلا شباك حبه ليوقعها في حبائله.
أهاجت نداءات الطيور الأشواق في قلب الرجل الريفي، فأغمض عينيه وغرق في أحلامه العذبة بنساء المدينة البعيدة.
ذهب إلى شباك قطع التذاكر، وحصل على تذكرة، ثم عاد ليجلس على الأريكة الخشبية في انتظار مجئ القطار.
داعب الوسن عينيه، فغفا، قبل أن يوقظه زعيق صافرة القطار، انتفض من نومته، وعاود الاطمئنان على شيئين: حافظة نقوده وخرجه الذي جمع فيه أشياءه.
ركب القطار، جلس بجوار النافذة، ودس خرجه بين قدميه، وهمس لنفسه: النوم يقتل المسافات ويميت الزمن.
وأسلم مرة أخرى عينيه للنعاس ، وسرعان ما غط في نوم عميق، روادته الأحلام، رأى نفسه في حدائق القصر الملكي يمشي بين صفوف من الأزهار اليانعة المتعددة الألوان، ومن خلفه وأمامه وبجانبه صفوف أخرى من الغيد الجميلات، يتقافزن حوله ويغنين له، سبح في أحلامه ، وارتفعت به إلى مقابلة الوجه الملكي الكريم، تماما كما رآه في المجلات المصورة الحائلة إلى صفرة أصابها بها الزمن والقدم معا، انحنى يقبل الكف الملكي الممدودة إليه، غير أن زعيق صافرة القطار دوى في أذنيه معلنا الوصول إلى محطة النهاية.
تمطئ وفرك عينيه بكفيه، قال له الرجل الذي كان يجلس قبالته:
ـ هنيئا لك كل هذا النوم يا رجل.
ابتسم له شاكرا، وقال :
ـ حمدا لله على السلامة.
**
ها هي المحطة الرئيسية للقطارات بالعاصمة تضج بأصوات محركات القطارات التي تستعد للرحيل، بينما تذيع الميكروفات مواعيد الرحلات وتنبه عن قرب انطلاق رحلة منها، نظر منبهرا إلى كل هذه الحشود من البشر وهم يتحركون في عجلة، وصعد بعينيه لينظر إلى الشدات الحديدية التي تحمل المظلات الكثيرة العالية التي تغطي المحطة كلها، ثم بدأ في التحرك نحو أحلامه، سيبدأ بزيارة الحدائق الملكية.
خرج من المحطة، فأعشت شمس ذلك النهار القوية عينيه، مال على واحد توسم فيه الأريحية، سأله :
ـ كيف لي أن أذهب إلى الحدائق الملكية ؟
نظر إليه الرجل متعجبا مندهشا وبدا كأنه لم يفهم السؤال، فأعاد الرجل الريفي السؤال عليه :
ـ أود أن أذهب إلى القصر الملكي.
ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجه الرجل وازداد العجب، عاد بجسده خطوة إلى الخلف ليشاهد ذلك المخلوق القادم من خلف الأزمنة، وسأل ليتأكد من ظنونه:
ـ أتسأل عن القصر الملكي؟
ـ نعم.
ندت من الرجل صيحة تعجب، انقلبت إلى ضحكة مجلجلة، وأصابت الرجل الريفي بالارتباك والحرج، لكنه سأل:
ـ وما في هذا ؟
ـ الملك خُلع عن الحكم منذ عدة عقود.
ـ لا بأس، لابد أن ملكا جديدا اعتلى العرش بدلا منه.
ـ لم يعد هناك ملك في هذه البلاد.
ـ كيف؟ أيمكن لبلد أن يكون بلدا بلا ملك؟!
ـ يا عم من أي حقب التاريخ أنت؟ لقد قامت ثورة نزعت الملك عن كرسيه، وتغير نظام الحكم وأصبح جمهوريا.
ـ جمهوريا؟! كيف؟ أكل هذه الجماهير تحكم البلد معا؟ ألا إنها الفوضى.
ـ هي كذلك، إنها الفوضى.
ـ والقصر الملكي من بات يسكنه؟
ـ رئيس الجمهورية.
ـ آه قلت لي، ملك جديد إذن .
ـ هو كذلك.
ـ إذن لا فرق بين ملك ورئيس.
ـ صدقت في هذه البلاد لا فرق ساولس وباولس، لكن قل لي من أين جئت؟
ـ أنا من قرية خلف الجبال، لا يسوءها أن يكون من يحكم هذه البلاد ملك أو رئيس.
ـ جميل جدا، أنت إذن مبعوث هذه القرية لرئاسة الجمهورية ؟
ـ لا، أنا جئت لأستمتع بزيارة المدينة.
قال، ونظر حواليه متلفتا، وقال :
ـ لا أخفيك سرا، لقد رأيت عند حلاق القرية صور لنساء جميلات كالورود اليانعة، فقررت أن أجئ إلى المدينة بعد أن بعت محصول عجوة التمر الذي كان هذا العام وفيرا.
زم الرجل الأريحي شفتيه وهمهم، ثم قال:
ـ جئت َ إذن لتستمتع.
ـ نعم، أيمكن أن تشير على ببيوت تبيع المتعة؟
ـ بالطبع، يمكنني مساعدتك، أنظر إلى تلك البوابة العريضة هناك، أتراها؟
ـ نعم، أراها جيدا.
ـ أذهب إليها، وستجد هناك خلف مصراعيها المتعة كل المتعة.
ـ أحقا؟
ـ بلا شك.
بعد كثير من التشكرات توادعا الرجلان، وتمنى الرجل الأريحي للرجل الريفي كل الهناء والحظ السعيد.
**
هكذا مضى الرجل الريفي في سعيه نحو السعادة، وراح يرقب أجساد رجال تلك المدينة، فلم يسره مشهدهم، كانت لا تماثل تلك الوجوه التي عرفها طيلة سني عمره في قريته البعيدة خلف الجبال، هنا كانت الوجوه غاضبة والجباه مقطبة،والعيون تضج بنظرات أرواح ترزح تحت ثقل هائل من الألم والتعب والآمال الضائعة المفقودة، تحملها أجساد غير متسقة الأبعاد، تمشي كأنها تهرول للحاق بشيء ما، شيء ما لم يستطع خيال الرجل الريفي أن يدركه، زم شفتيه وتساءل:
ـ فيم العجلة والنهار مايزال في أوله.
ثم انصرف عن مراقبة وجوه الرجال إلى وجوه النساء، كانت وجوههن أكثر غضبا وحزنا، وعيونهن تحمل نظرة عتاب دائم على الحياة التي يعشنها كأنها هم مقيم يحملنه على أكتافهن، ومع ذلك عندما التقت نظراته بنظراتهن؛ كن قادرات على مواجهته بنظرات ساخرة مزدرية، مما جعله ينكمش ويلملم حاله ويمضى مسرعا نحو الباب الكبير ليلحق بالمتعة والإثارة..
**
مشى بخطوات متسارعة نحو البوابة التي تختبئ خلفها الأحلام، حتى وقف عندها، كانت هناك صندوق صغير معلق إلى أحد المصراعين، اقترب الريفي منها وراح يقرأ ما كتب عليه من كلمات:
ـ أيها الرجل الذي جاء إلى مدينتنا يبحث عن المتعة والإثارة، ضع ما يمكنك دفعه من نقود في الصندوق، وادخل لتحصل على نصيبك من الامتاع.
تلفت حوله في حرص، ثم أخرج حافظته، وفي مكر ريفي جذب أقل الورقات النقدية قيمة ووضعها في الصندوق، فإذ بالباب ينفتح، سمع صوت موسيقى تصدح مرحبة به، أصابه ذلك بطرب بالغ، فابتسم ابتسامة كبيرة بلهاء ومشى داخلا بخطوات وئيدة متمهلة.
ثم سمع مصراع الباب يئز ثم ينصفق بقوة أرعبته، أجال البصر في المكان لم يكن هناك شئ سوى بلاطات كبيرة سوداء وبيضاء تشبه رقعة الشطرنج، خطا فوقها مذهولا، همهم:
ـ وما المتعة في هذا؟
لم يكن هناك سوى الصمت وحده يحيط به من كل جانب، فكر الرجل الريفي، وانتهى به التفكير إلى العودة من حيث جاء، استدار عائدا نحو البوابة الكبيرة، هناك وجد صندوقا معلقا، اقترب منه ، قرأ والحيرة تتملك قلبه:
ـ أنت أيها الرجل الذي جاء يبحث عن المتعة والإثارة، ضع ربع ما تملك من نقود في الصندوق، وادخل لتحصل على نصيبك من الإمتاع.
مد يده لحافظته، وهو يبتسم هامسا :
ـ يا أولاد ال …….. ، تمكرون بي، لكن لنرَ، طبعا سأدفع.
رَبَّعَ ما معه من نقود ووضع رُبعها في الصندوق، وللتو انفتح مصراع الباب، وعزفت له الموسيقى مارش ترحيب كبيرا، لكن ذلك لم يدفعه إلى الطرب بل أهاج داخله الشكوك، لكنه خطا داخلا.
انصفق الباب خلفه، فأصابه نوع من الرعب، هدئ من مخاوفه، وهمس لنفسه:
ـ لا بد أن ذلك جزء من قوانين اللعبة.
للمرة الثانية لم تدرك عيناه سوى الفراغ والبلاطات البيضاء والسوداء المرصوفة أمامه كلوحة شطرنج.
دون أن ينتظر طويلا اتجه نحو الباب ليخرج وينتهي من هذه اللعبة السمجة ، لكنه وقف عند الباب، وقرأ:
ـ أنت أيها الرجل المسكين لم تصبر لتحصل على المتعة والإثارة، عليك أن تضع نصف ما معك من نقود في الصندوق؛ وتدخل عالما مثيرا مملوءا باللذات كلها.
قال لنفسه :
ـ الأمر لله.
للمرة الثالثة؛ أخرج حافظته، انتصف ما معه من مال، ودفع به في الصندوق.
هكذا انفتح مصراع الباب على آخره، ولما مشى داخلا؛ سمع دق طبول أفريقية وصيحات ترحيب قوية، فالتزم الصمت ولم يبد فرحا أو ألما، وأجال البصر في المكان وجد حورية من حوريات الجنة ترفل في ثوب شفيف لا يخفي عن البصر شيئا، كانت تتكئ على شيزلونج، أومأت له برأسها، وأشارت إليه بأصابعها الطويلة، وهمست له:
ـ تعال.
مشى إليه كالمنوم، ولما اقترب منها، اعتدلت، مد ذراعيه ليمسك بها، فانفلتت منه، وأرسلت ضحكة غنجة دوخت عقله وذهبت بما تبقى فيه من صبر، مد ذراعيه مرة أخرى ليمسكها، راغت منها، ثم مشت أمامه، فمشى خلفها، وعندما أسرع الخطو ليلحق بها، جرت ، فجرى خلفها، دارت به عدة دورات، وكلما تملكه اليأس، وقفت عند البوابة وابتسمت له مشجعة، أخذه الأمل فأقدم عليها متلهفا فاتحا ذراعيه، كاد يدركها، لكنها تفلتت منه، ومرت كما يمر الشعاع من البوابة، واختفت عن ناظريه.
سقط على وجهه يبكي ويضرب الأرض بكفيه، وهتف بصوت مدو:
ـ الرحمة، لقد لقيت ما يكفي من مومسة نفسي.
لكن أحدا لم يجب نداءه، فامتلك اليأس روحه، وأخذته الحيرة، ولعب به الخوف كما يلعب القط بالفأر، وظل على ذلك الحال حينا، حتى استطاع أن يمسك بلحظة أمل واحدة راودته إذا وجد نفسه مرة أخرى أمام الصندوق المعلق إلى المصراع قرأ في صمت:
ـ ادفع كل ما معك، لتخرج من هنا وتستمتع .
بلا تردد وضع حافظته كلها في الصندوق، مرت لحظات قاسية قبل أن ينفتح الباب، وتركله قدم هائلة، ليجد نفسه جالسا في نفس القطار العائد به إلى قريته الواقعة خلف الجبال البعيدة.

 

gamal_z_m@hotmail.com