حازم كمال الدين: عجاج الصراط المستقيم إلى الحرية!

Hazim Kamaledin

اسمي داليا رشدي. أُرسلتُ للعمل في مستشفى يقع على خطوط المعارك الأمامية. سبب إرسالي إلى هناك هو عقيد القوات البريّة الشهير “أبو سفيان الموسوي”.

وأبو سفيان الموسوي هذا رجل متعدد التخصصات المواهب والمناصب. فإلى جانب رتبته الحربية يشغل موقع مدير “مستشفى القوات العسكرية الخاصة” الواقع على خطوط المعارك الأمامية، ويحتل مركز طبيب أخصائي بالأمراض النسائية: التوليد وغير ذلك.
وبما أنّه مدير مستشفى تطوّق عنقه ربطة عنق أرجوانية، وحيث إنّه طبيب أخصائي بالتوليد تتدلّى من رقبته كمّامة سماوية اللون، ولأنّه عقيد لوحدات المشاة تعلو كتفيه أربع نجوم وشعاران للدولة، ولكونه خاض ما لا يحصى من المعارك تتطافر على صدره صفوفٌ من أنواط الشجاعة.
مواهبه المتعددة سأتركها مؤقتا.
فلابدّ أن أعترف بأنّي لا أجرؤ على تقليب أكداس من التساؤلات كمثل غرابة العلاقة بين عقيد عسكري مقاتل وطبيب متخصّص بالأمراض النسائية، أو سرّ تفريخ مستشفى “قوات عسكرية خاصة” للأطفال وبلا توقفٍ ولا مصدرٍ معلوم، أو استحالة وجود اسم “أبو سفيان الموسوي”، أو لا منطقية استقدامي للعمل كـ “راقصة” في ردهات مستشفى عسكري يقع في خطوط القتال الأمامية.. مهنةٌ لا أظنّ أنها موجودة إلاّ عندنا.
نعم.
عملي الأساسي في هذا المستشفى هو الرقص في الردهات.
العقيد الطبيب المختص بالعمليات القيصرية لا يتطرّق للتناقضات والمغالطات التي أتيتُ على ذكرها للتو على الرغم من كرمه الفائض في الثرثرة عن كل ما صغر وكبر من الأسرار والقصص بعد أن يرمي حيواناته المنوية داخلي، ويستأنس لغابة من دخان سيجار ينفثه منخراه ويترك رأسه يجول داخل الغابة كأنّه يقطف من أشجارها تلك القصص التي لا يحكيها أحدٌ لأحد.. إنّه يأتمنني مائة بالمائة بحكم استحالة خروجي من مكان إقامتي داخل الجناح حيث يعيش هو، وبموجب المعلومات المدوّنة عني وبسبب حقيقة أنّني مقطوعةٌ من شجرة، بلا أسرة ولا أصدقاء.
وإذ أرقص في الردهات تلك الساعات الطوال أسأل نفسي كلما رأيتُ وليدا محمولافي أحضان واحد من رجال القوات العسكرية الخاصة:
ترى هل يحبل هؤلاء الذين أرى واحدا منهم يدخل كل مرة إلى غرفة التوليد، بعد أن يمرّ بي ويشفطني بنظرة سائلة اللعاب، ثم يخرج حاملا ذلك الطفل الذي جاء توا إلى الحياة؟ هل تضع زوجات رجال القوات الخاصة أطفالهنّ في مستشفى منتصب في خط النار؟ هل من أرى من الرجال آباء حقيقيون لأولئك الأطفال المدثّرين بالأقمطة؟
أمور غير منطقية!
فمنازل رجال القوات العسكرية الخاصة مشيّدة في أماكن نائية عن خط النار، إضافة إلى أنّني لا أرى دخول أيّ شخص إلى غرفة التوليد ماعدا عقيدَ الطب النسائي، وواحدا من رجال القوات العسكرية الخاصة، وقابلةً ممنوعة من الكلام إلاّ مع العقيد، إذا ما وجّه لها سؤالاً، ومع رجل القوات الخاصة الذي ترافقه كل مرة إبان خروجه بالخطوات العسكرية المضبوطة وهو يهدهد طفلا وليدا بتلك الطريقة الموحية أنّ الطفل ابنه.
أمام انبثاق أولئك الأطفال بهذه الطريقة اللا معقولة، لا يتبدل شيء مما يحدث سوى شكل رجل القوات الخاصة: مرة قصير، وأخرى عملاق، وثالثة عادي، ورابعة مقطوع اليد، وخامسة بساق اصطناعية، وسادسة بعين واحدة أو نصف أنف، وهكذا دواليك.. والكثيرون منهم سبق لي أن رأيتهم في إحدى ردهات المستشفى غارقين بدمائهم أو غائبين عن الوعي أو محمولين على أكتاف رجال يهرولون أو يجرجون بعضهم بعضا حتى يكادون أن يمزقوا الجسد الآزف على الاحتضار.
كلما احتدمتْ المعارك الرهيبة بين الجيشين المتحاربين حول “مستشفى القوات العسكرية الخاصة”، كلما تضاعف أعداد الولادات. لكأنّ المعارك لا تنتج قتلى، بل تلد أحياءً رغم أنّي لا أرى في المستشفى أيّ فتاة، ماعداي والقابلة الموميائية المعتمرة بالعمامة الميثولوجية.
ما أقصده بالعمامة الميثولوجية هو وشاحٌ غامقٌ تلفّه على رأسها على طريقة النساء الجنوبيات، وما أقصده بالمومياء هو أشرطة كتانية تغلّف فخذها الحنطي البضّ حفاظا على صفاء لونه ودرءا للترهل.
أوقات عزلتي الطويلة هناك معبأة بضروب من الخيال.
أتخيّل أنّ الأطفال يجيئُونَ من أرحام سبايا العدو المتحصن خلف غابات عائمة فوق الماء تتحرّك صوب معاقلنا، وأتخيّل أنّ الدنيا تمطر في خط النار أطفالا رحمة للعالمين وتعويضا عن خسارة الرجال بالجملة، وأتخيّل أنّ العدو يقصف جيشنا بالأطفال بدلا عن القنابل والصواريخ والأسلحة الكيمياوية، ثم أتخيّل طفلا يصل بقفّة طافية بعدما تخلّى عنه والداه هربا من نبوءات عرّاف أعلن أنّ الطفل سيقتل أباه ويتزوج أمه، بل وأتخيّل طفلا ينطّ من ضلع رجل القوات العسكرية الخاصة فينتزعه الجندي أو يقطعه كغصن شجرة ويشذّبه ويضعه في دثار أو قماط.
دماغي يعيد الأخيلة مرارا ويلوكها لكنّه يصطدم باستمرار بصورة أشنات في غابة متنقّلةٍ تثمر أطفالا يحصدهم رجال القوات الخاصة ويأتون بهم إلى غرفة التوليد لأغراض الغسل والتلميع والتصدير.
لكن خيالي تهشّم.
حدث ذلك بعد أيام من اتخاذ العقيد قرارا بنقلي من الهزّ والوزّ في ردهات المستشفى إلى الرقص في غرفة التوليد والعمليات القيصرية، وتوجيه التعاليم لي بترك “ذلك البزخ والردح الوضيعين” واستبدالهما بالتثني على طريقة نجوى فؤاد، واستورد لي عدّةً رآها مناسبة للغرض: سوتيان بلاستيك شفاف، وتنورة عبارة عن خصلات كتانية قصيرة متدلية، وكلسون خيطي، وحذاء كعبه عالٍ مدبّب.
تعاليمه تقضي أن لا أرقص في غرفة العلميات إلاّ بناءً على إشارة من عصا قصيرة أنيقة يحملها دائما بيده اليمنى. لكنّ تعاليمه تقضي أيضا أن تستلم القابلة إشارة البدء بالتوليد من العصا النحيفة ليصدح صوتها بغناء مواويل ميثولوجية ممزوجة بزغاريد، ثم بعد ذلك تؤشر العصا لي فأتبع إيقاعها وإيقاع غناء القابلة، فأطوف حاملة وركي وتاركة نهدي يتدلى مطوّحة بفخذي في الهواء حتى ظهور ما بين فخذيّ تماما.
عينا العقيد مشدودتان دائما إلى اتجاهين: بحلقةٌ بالشعر الناعم المحيط بالشفرتين ما بين فخذيّ حيث يحزّ الكلسون الرفيع، ومعاينة القابلة المستغرقة بالغناء والأهازيج وتلقين تعاليم التنفس شهيقا وزفيرا، ونصائح الطلق بالاستقبال والاستراحة، وعملية حشر المنشفة في الفم وإغلاق الفكين حولها.
العقيدُ لا يريد أن يصدقني عندما أهمس له بأنّ الكلسون الخيطي يجرحني هناك أثناء الرقص، وسوف يتسبّب بالالتهاب. لا. إنّه يصدق فقط ما تمليه عليه آيات رغباته الجنسية.
المرة الأولى التي رقصتُ فيها كدتُ أن أتسبّب بكارثة في غرفة العمليات.
هكذا حدث الأمر:
مرتعدة الفرائص رقصتُ.
عيناي محشورتان تحت أجفاني المغلقة بشدّة.
ضربتْ يدي اليمنى مصباحا كبيرا بشكل عشوائي وزلّتْ قدمي اليسرى فتكربحتُ وأغمي عليّ.
كنت مذهولة وأنا أنفذ الأوامر العسكرية بالرقص وأدور حول رؤوسٍ التمّتْ على بعضها البعض في غرفة عمليات قيصرية وسط آلات غريبة وعياطٍ وطلقٍ هذياني وأوامر صارمة بالاسترخاء وتوزيع التنفس بطريقة حسابية: عدٌّ حتى الرقم 4 أثناء الشهيق وعدٌّ حتى الرقم 8 أثناء الزفير: أربعة شهيق← ثمانية زفير. ثم أربعة شهيق← ثمانية زفير. ثم أربعة شهيق← ثمانية زفير.
ولكن لا مفرّ!
عليّ أن أغرق في بحر الرعب وأرقص كما ينبغي الرقص في ملهى ليلي نزولا عند أوامر العقيد ورجل القوات العسكرية الخاصة وخزرات العسكري الحجري اللابد في زاوية ما. أقصد بكلمة حجري جمود الجندي التام وهو في حالة استعداد عسكري كما لو تمثال في متحف شمع لا تتحرك إلا عيناه أثناء عملية الولادة وخطواته إبان ظهوره واختفائه السحري.
بعد ترويض نفسي على طاعة الأوامر العسكرية هناك تجرأت تدريجيا على فتح عيني وتركيز انتباهي لكي لا تلتوي قدمي. أمرٌ جعلني أستعيد إدراكي ببديهية أنّ الأطفال لا يولدون من أضلاع رجال القوات الخاصة، وهم ليسوا ثمار أشناتٍ مقطوفةٍ من قاع غابات متحرّكة.
إنّهم أطفال خارجون من أرحام فتيات ظننتُ أنّهن سبايا العدو في لحظات الإدراك الأولى، لكنّي عرفت أثناء كلّ ولادة أنّهن عكس ذلك. فحين تصرخ الواحدة وتكفش شعرها وقت الطلق والمخاض وتشتم الجندي المجهول الذي زرع النطفة في أحشائها أتبيّن لهجتها وأعرف من أيّ مدينة هي.
لهجاتٌ من كل أصقاع البلاد.
فتياتٌ سعيداتٌ تظهر الواحدة منهنّ في غرفة التوليد، بلا مقدمات، من أخدودٍ ضيق يتسّع في أرض الغرفة فتنتزع القابلة طفلا من رحمها، وبعد استراحة أمدها حوالي ساعة، يترك الحاضرون غرفة التوليد، ليبتلع الأخدود الضيق الفتاة من جديد وينكمش.
الاثنان يُبتلعان من هناك بمثل لمح البصر!
من ينظر إلى غرفة التوليد من الخارج لا يعرف ذلك، ولا يرى شيئا غير ماكنة خرساء يدخلها عقيد ورجل قوات خاصة وقابلة وراقصة، ويخرج منها طفل رضيع!
سرّ الشرخ أو الشقّ اكتشفته بصدفة بلهاء.
بعد أيام من واقعة الإغماء عليّ في غرفة التوليد طلبتُ من العقيد أن أمارس تمارين الرقص في الغرفة لكي لا يتكرر ما حدث، فسمح لي وأوصلني بنفسه إلى غرفة العلميات، وفتح بابها ثم أقفلها عليّ وذهب.
وعندما وجدت نفسي وحيدة هناك انهدّ حيلي بوجه الأثاث المعدني المهيمن وطاولة الأدوية والأقفاص الزجاجية المخصصة للخدّج والمحاليل والمشارط والسكاكين والأحواض، والأضواء المنبعثة من كل حدب وصوب، والمصابيح البيضاوية الكبيرة المشغولة بالدوران بلا هوادة حول الطاولة المخصصة للتوليد والعمليات القيصرية، وأصوات المكيّفات الهوائية وأجهزة الإنعاش وتخطيط القلب والضغط والكي والموسيقى التي يقشعر لها البدن لا لأنّها تخلق الفزع، بل لجمالها المناقض لآلات الرعب.
رقصتُ على وقع الموسيقى، عيناي مشدودتان إلى الآلات، رأسي مليء بكوابيس اليقظة وأغرقت نفسي بتذكر ما كان يقوله لي مدرّب الرقص من ملاحظات فالتوتْ قدمي ذات لحظة وسقطتُ بطريقة رعناء فوق سجادة بلاستيكية شقّها كعب حذائي المستدق.
انحسرتْ السجادة وانكشفت بلاطات ليّنة في أحدها أُكرة باب.
أثناء البحث عن طريقة لرتق فتق السجادة وقعت يدي على الأُكرة فاستدارتْ وانفرجتْ البلاطات عن فراغٍ وانبعث هواءٌ معتمٌ باردٌ رطبٌ أراد أن يمتصّني، ثم ترآى لي وكأنّي أمام أخدود أو شقّ ناعم رخو يتّسع. سحبتُ يدي بهلع مفاجىء وأعدتُ السجادة كما كانت ووضعتُ طاولة صغيرة فوق مكان الشقّ وتجنّبتُ الاقتراب منها كلما وجدتُ نفسي في الغرفة.
بيد أنّ فضولي “المذعور” أقوى مني.
فقد ظلّ يراودني عن نفسي ويلحّ على مراقبة السجادة والأُكرة والبلاطات الليّنة،
ولم أفلح في ثنيه عن ذلك.
نعم!
رغم هيمنة الفزع الهائل تملّكني شيطان المكوث في غرفة العلميات القيصرية.
مضبوعة؟
نعم!
هذا ما أقصده بفضولي “المذعور”!
صرت أعاود طلب التمرين على الرقص في غرفة العمليات القيصرية بإلحاح حتى رأى العقيد أنّي أبالغ وبات يرفض طلبي مما دفعني لاختلاق الحجج تلو الحجج لكي أدخل وأظلّ مشدودة إلى شرخ الهواء المعتم البارد الذي لفحني في المرة الأولى.
ذات لحظة (بعد شهور) رنّ جرس غير مألوف اللحن، وحدث طيرانٌ مباغتٌ للسجادة، وانكفاءٌ لها على الأرض، وسكونٌ تجلّى عن امرأة إلى جانبها عسكري متحجّر.
أمرٌ أذهلني.
وكأنّ الاثنين تكثفا في المكان من العدم.
أعقب الحدث السحري تمدّد الفتاة على سرير العمليات القيصرية، واختفاء العسكري في زاوية من الغرفة، وسماع رنين جرس الإنذار المعتاد، ثم دخول العقيد مصحوبا بالقابلة ورجل القوات الخاصة.
أمسك العقيد بي دون أن يرى حركته أحد ووضعني خارج الغرفة ثم عاد بعد قليل وأمسك بي، وكأنّه سيقتلني، وأدخلني ثانية إلى الغرفة. كنتّ أنظرُ له كمن تقول إنّي أتدرّب على الرقص لأجلك حضرة العقيد.
ابتدأ طقس المخاض.
مغصٌ وإسهال.
انقباضات في الخاصرة.
تقلصات وانقباضات في الرحم.
هدوء وراحة.
هجوم مباغت للمخاض.
اتساع عنق الرحم.
اتساع أكبر.
اتساع أكبر.
إفرازات متخثرة وردية.
تسارع الطلقات.
تفاقم الألم.
تسارع الطلقات.
تعب وإرهاق.
تسارع الطلقات.
ضيق تنفس.
طلقة كبرى.
تسارع الطلقات.
خروج رأس الطفل.
فقدان الفتاة سيطرتها على عضلات مخرجها وتبرّزها أثناء الطلقة الأخيرة ثم هبوط الطفل كله وتغسيله وقطع حبل سرّته، ورمي مشيمته جانبا، ورفعه من ساقيه إلى الأعلى، وختانه إذا كان صبيا، ووأدها إذا كانت صبية، ثم صراخ الأم الهستيري إذا قُتلتْ الطفلة ونشيجها المتضرّع إذا صودر الطفل وتوالتْ تعاليم مغادرة الغرفة يتبعها ظهور العسكري من الزاوية الخفية، وطيران السجادة السحري واختفاء الاثنين في الشقّ: الأم المبهوتة والعسكري الحجري.
تلك النساء المتجسدّات المختفيات مثل السراب التاركات ذكورا أحياءً أو إناثا موؤودات، هنّ في الواقع فتيات يتمّ استيرادهنّ من مختلف المدن إلى خطوط النار رفعا لمعنويات الجيش.
نضال النكاح العقائدي!
هكذا هو اسمه!
نضال النكاح العقائدي يعني أنّ آباءَ الأطفال جندٌ مجهولون، وأنّ أمهاتهم صادراتٌ وارداتٌ إلى خطوط النار بهدف رفع أزباب الجنود. فأولئك الرابضون في الخنادق لا تستقيم معنوياتهم إلاّ بعد استقامة العضلة المتدليّة بين أفخاذهم وتبلّلها ثم اضمحلالها وانزوائها بين بيضتين.
عمليات استيراد أو تصدير مناضلات النكاح تجري من خلال قنوات خبراتها عظيمة ومتنوعة. منها ما هو عقائدي، وما هو نقابي، وعسكري، واجتماعي. ودائما ما تغطي هذه القنوات أزياء عضوات في حزب حاكم، ومؤسسات نقابية متنوّعة، ومؤسسات أمنية ومخابراتية، وجيوشا موازية للجيش المركزي (كمثل الجيش الشعبي والحشد الشعبي والجيش الجماهيري وسرايا الدفاع والمعسكرات الكشفية)، إضافة إلى منتديات خاصة بصديقات الرئيس وبغانيات الملاهي الليلية وبفتاحات الفأل ممّن يقرأن مستقبل الفتاة وفقا لما تقتضيه الاستراتيجيات الراسخة في العقيدة.
أبو سفيان الموسوي هو صاحب مبادرة “نضال النكاح العقائدي”.
في البدء سعى إلى الحصول على موافقة لتأسيس مختبر “دوحة النضال” التجريبي. بعدها تُرجمتْ مساعيه في بحوثٍ تاريخية غرائبية عن دور المرأة الكورية في الحرب العالمية الثانية ودورها في الحرب العالمية الداعشية، وفي بحوثٍ ثقافية عن علاقة الجنس بالموت والحرب وعن الصيرورة الاجتماعية الناتجة عن تحويل الغريزة إلى موضوع عقائدي.
كلمة “مختبر” التي ظلّتْ تسبق اسم “دوحة النضال” هي كلمة في مكانها. فالأسلوب التجريبي لما حدث يرتبط بقرابات واسعة مع التجارب العلمية على الفئران في المختبرات. في مختبر “دوحة النضال” كان “الفأر” قائدا عسكريا مصابا بصدمة “خط النار”، و”المصل” التجريبي فتاةً حسناء، و”المختبر” بستانا كثيفا شاسعا على حافة العاصمة.
النجاح المختبري الأول أصاب أبو سفيان الموسوي بغبطة كبرى كما هو حال مدراء مختبرات فئران التجارب.
نعم.
لقد تماثل أول قائد عسكري للشفاء من صدمات أهوال الحرب وطلب العودة إلى “خط النار” شريطة أن تصحبه الفتاة الحسناء. وهناك، برفقة الحسناء، أبلى القائد بلاءً حسنا ثم جيدا ثم رائعا ثم مهولا. نجاحٌ دفع أبو سفيان الموسوي للمطالبة بتكثير الأمصال وتعميمها. فكان صدى المطالبة بتعميم الأمصال مدوّيا في أوساط الجيش.
ورغم ذلك لم تصل تلك الأمصال (النساء) إلى ساحات الحرب قبل خضوعها لأطوارٍ عمادها بلورة استراتيجية تمهّد لظهور هذا النوع الطليعي من النضال وتؤصله نظريا.
على رأس هذه الاستراتيجية مفكرون تنبؤوا بها، ومنظّرون تناوشوا النبؤة، وإعلاميون سوّدوا الجرائد عن النبوءة، وعندما آن أوان اجتراح المعجزة، أو التحقق الملموس للنبوءة، هبّتْ حملة تبشيرية في صورة مبادرات “فردية” بطلاتها مناضلات حسناوات اجتاحتْ صورهن الصفحات الأولى من الجرائد وهنّ يتحدثن عن الأبعاد العقائدية للتجربة.
هذه المبادرات “الفردية” رفعتْ أصوات مواطنات ماجدات غيورات طالبن بدور محوري في معارك المصير. ولغرض حصاد ثمار تلك المبادرات وإعلاء أصوات المواطنات النجيبات الغيورات شُرّعتْ قوانين وأُصدرتْ فتاوى وأُعلنتْ تحذيرات لمن يعرقل، وعَضّدتْ التحذيرات عقوبات سجن لمن يتهامس، وأحكام إعدام بمن يقف في طريق أيّ فتاة تريد الظفر بشرف نضال النكاح.
كان ذلك الشرف مازال في طور الإعداد الفكري والتنظيمي.
وحين دنتْ الساعة وانفلع الوقت وتقرر رحيل المناضلات قوافل إلى الجبهة عبّدتْ طريقهنّ إلى هناك صالاتٌ للتمارين الرياضية وساحات لتداريب استخدام السلاح وجنائن لاستقصاء سلوك الحور العين وغرف خافتة الأضواء تؤسس لثقافة جنسية تشرف عليها أيدي خبراء أجانب.
عمليات وصول المناضلات إلى جبهة الحرب مرّتْ أيضا بمراحل.
في أواخر المرحلة الأولى من الحرب اقتصر النضال على الخطوط الخلفية. أعني أنّ النضال اقتصر على جند الجيش المختارين كالقادة العسكريين وفرق الإعدام. ولمّا تعاظمت أعداد الجنود الفارين من الجبهة في المرحلة الثانية من الحرب اتّسعتْ رقعة النضال فوصلتْ الخطوط الأمامية، فنال الضباط وضباط الصف والجنود منها نصيب.
في المرحلة الثالثة بانت النتائج.
نتائجُ باهرة.
عبقريةٌ أعادتْ بناء المفاهيم الاجتماعية.
فنضال النكاح أسهم في تفتيت أعراف اجتماعية سادتْ قرونا وكبّلتْ حريّة المرأة، وأسهم النضال في تحريرها اقتصاديا وأسريّا، وسمح النضال لها أن تئد المحرمات الدينية والاجتماعية والبيولوجية، حتى اختفى كل أب أو أخ أو ابن عم غامر ومنعهنّ من النضال على خط النار. فمن سوّلتْ له نفسه الوقوف بوجه المناضلة لم يلق مصيرا سوى الإعدام كما أسلفتُ.
أما من تتمرد على النضال فتلك تنزل فيها عقوبة “أمّ المعاصي”.
وعقوبة أم المعاصي تعني إعادة الفتاة إلى أسرتها موشومٌ على جلدها، بالقرب من البظر، كلمة “مومس″، فتغدو جميع خيارات هذه الفتاة تحت رحمة “أم المعاصي” التي تستوجب التفادي المسبق.
القتل غسلا لعار الأسرة يستوجب التفادي، فالروح عزيزة كما يقال. تفهّم الأسرة مقامرة تستوجب التفادي، فالعاقبة تعرّضها للنبذ الاجتماعي. الهروب من الأسرة ضربٌ من الجنون يستوجب التفادي، ذلك أنّه قد يضطر الفتاة العزلاء للعمل “كمومس”.
أنا، داليا رشدي، أختلف عن كل الفتيات.
فأنا لا أسرة لي كما ذكرتُ، كما أنّ العقيد “اقتناني” بعد دراسة مستفيضة هدفها أن أكون مقطوعة من شجرة وأن أكون له وحده دون عواقب من أيّ نوع.
– أنتِ زهرةٌ وحيدةٌ في قلب الهلاك.
هكذا يحبّ أن يسميني.
كان عمري 16 سنة يوم اهتزتْ جدران بيتنا بعد منتصف ليل وترنّحتْ على ضوء ركلات رجال مخابرات داهمونا من كلّ باب واعتقلوا أبي وأمي وأخوتي لأسباب سياسية لم أفقه منها شيئا. أما أنا فاصطحبوني معهم وأعدّوني لأصبح محظية له. أسكنوني غرفة في معسكر وسمحوا لي بالخروج منها أربع ساعات في اليوم وذلك لهدف واحد هو التدرّب على أنواع الرقص وإجادتها: ردحٌ، بزخٌ، شرقيٌ، برازيليٌ، سيكسيٌ، سالسا، فولكلوريٌ، وذلك تحت إشراف مدرّب رقص من كبار الفنانين.
الفضل في تطوير شريعة نضال النكاح يعود إلى العدو.
فعندما وقعتْ نساؤه أسيرات في بداية الحرب اقتحمتْ أزباب جنودنا أكساسهنّ بلا هوادة. وعندما حبلن وأنجبن تقرّر أن تُوأد المولودة الأنثى ويُصادر المولود الذكر. ولكن عندما خفّض العدو عدد الأسيرات بسرعة قياسية وصولا إلى الصفر تعبّد الطريق أمام المناضلات. فلولا تصفير أعداد الأسيرات لما تمت الموافقات على مشروع “مختبر دوحة النضال” ولما تمّ التبشير بنضال النكاح العقائدي.
وللحفاظ على وتيرة النضال في الخطوط الأمامية نُظّمتْ مجرياته بدقّة فائقة، ومن أساسيات التنظيم جداول تُعلّق في الخنادق والثكنات وتشتمل أسماء المناضلات ومواقيت النضال وأهدافه. ستة حقول تختصر سوح النضال على الورق: في الحقل الأول اسم المناضلة وفي الحقول الخمسة الأخرى أسماء المستهدفين بالنضال، ولا يجوز للفتاة أن تناضل على أكثر من خمسة عناصر في اليوم. والعنصر لا يحق له تجاوز الساعة مع المناضلة. والطرفان ملزمان بالطاعة “العمياء” لما هو معلنٌ في الجدول، وملزمان بعدم الإخلال بالجدول، بعدم استبدال الأسماء في الجدول، كما لا يحق لطرفي النضال الامتناع عن نكاح الاسم الوارد في الجدول مهما كانت ذرائع الامتناع وتحت أيّ ظرف. وثمة تشديد على عبارة (مهما كانت ذرائع الامتناع وتحت أيّ ظرف) وكأنّها غير مشدّدة بما فيه الكفاية.
الجدول هو الجدول لا مساس فيه ولا هم يحزنون.
طيب!
وإذا وجدتْ فتاةٌ ما اسم أبيها أو أخيها في الجدول؟
هكذا خُطّ طريق الحرية للمرأة. وهكذا أمكن لها أن تأخذ مواقع قياديةً في المجتمع وتسلسلت في المواقع وارتفعتْ وارتفعتْ حتى بلغتْ السيطرة على البيت عندما غاب الرجل، وبلغتْ السيطرة على خط النار عندما حضر الرجل.
عند ذروة السيطرة الأنثوية تلك أُطلقتْ عليها تسمية “المسترجلة”!
أنا،
من أسرد هذه الحكاية،
أنا المسترجلة.

مسرحي وروائي وباحث بلجيكي من اصل عراقي
hazimkamaledin@gmail.com