“جياكومو”: جيمس جويس – ترجمة وتقديم حسّونة المصباحي

تقديم:

James Joyce

يشير ريتشارد ايلمان، كاتب سيرته، أن جيمس جويس كتب هذا العمل خلال سنوات إقامته في مدينة ترياستا الإيطالية. وقد يكون فعل ذلك في نفس المرحلة التي كان فيها على وشك إنهاء: ”صورة الفنان في شبابه”، ليشرع في كتابة عمله ذائع الصيت: ”يوليسيبس″. وهذا العمل الذي يبدو كما لو أنه قصيدة حب، هو محاولة من جويس لتثقيف فتاة سمراء وجدانيّأ، أو قد يكون وداعا لمرحلة من حياته. كما أنه يمثّل اكتشاف جويس لشكل جديد من التعبير الفني.
ترك جويس المخطوط في ترياستا. وقد تمكن أخوه ستانيزلاوس من انقاذه من الضياع. بعد ذلك امتلكه جامع مخطوطات فضل عدم الكشف عن هويته. وقد كتب جويس عمله هذا بخط يده الجميل من دون تعديلات على وجهي 8 صفحات كبيرة وضعت بداخل غلاف دفتر مدرسيّ أزرق اللون. وهذه الأوراق تذكرنا بتلك التي كتب عليها جويس قصيدة “موسيقى الغرفة” عام 1909، والتي أهداها إلى زوجته نورا. وعند الزاوية اليسرى للغلاف، كتب: ”جياكومو جويس″ بخط شخص آخر. ولم يكن جويس قد استعمل من قبل إسما إيطاليا. ولعله فعل ذلك في عمله هذا لكي بعبر ربما عن إحساسه بالغربة كإيرلنديّ يعيش في ترياستا ، ينشدالتعويض في كلا اللغتين. وواضح أنه كان قانعا بترك ما كتبه تحت هذا العنوان. ويبدو ذلك أمرا معقولا طالما أن نغمة الإنكماش الذاتي تلائم العمل. ولم يترك جويس مجالا للشك من أن البطل يجسده لأن الإسم الذي اختاره له قريب من إسمه.
يقول ريتشارد ايلمان إن هذا النص يبرز هياجَ البطل الجنسيّ العاشق لتلميذة كان يدرّسها اللغة الإنكليزية. وكان لجويس عدة تلاميذ في ترياستا، إلاّ أنه بركز موضوعه على تلميذة محدّدة هي أماليا بوبر التي عاشت في شارع سان-ميكائيل. وربما يكون والدها، ليوبولدبر هو الذي أوحى لجويس بالإسم الأول لـ”بلوم” في “أوليسيس”. وحسب الوثائق ، كانت أماليا بوب قد أمضت سنتي 1907و1908 قي تعلم اللغة الإنكليزية بمساعدة جويس. بعدها التحقت بجامعة فيينا، ثم بجامعة فلورنسا، ولم تلتقي مرة أخرى بجيمس جويس إلاّ في عام 1909. ومعلوم أن أغلب أحداث روايات جويس وقصصه تدور في دبلن، مسقط رأسه. إلاّ أن ترياستا هي فضاء أحداث جياكومو. وما نلاحظه هو أن المؤلف تعمد عدم ذكر أسماء الأحياء والشوارع ، ليكتفي بالإشارة إلى: مستشفى، طريق مرتفع، ميدان أو سوق. لكن الأحياء تصبح لها أسماء عندما تمرّ بها الفتاة وحدها أو برفقة عائلتها. وتحضر في القصة مدينة ترياستا بشوارعها الصاعدة والنازلة، وبسقوف منازلها الرمادية المتشابكة. وهناك أيضا المقبرة اليهودية، والغضب الوطني ضد الإحتلال النمساوي. كما تحضر باريس التي كان جويس قد أقام فيها قبل رحيله إلى ترياستا، معتزما دراسة الطب. فيها. وهناك أيضا اشارات إلى بادو، وحقول الرز في فرسيلي، وباريس التي أقام فيها جويس سنة واحدة بهدف دراسة الطب، إلاّ أنه تركها عائدا إلى دبلن ليعدذ نفسه لسنوات المنفى الإختياري الطويلة.
وتقول المعلومات التي قدمها ريتشارد المان إن المخطوطة غير مؤرخة، إلاّ أنها تصف سلسلة حوادث صغيرة، وعواطف شغلت تفكير جويس شهورا عدة. وهي تبدأ بالدرس الأول الذي حضرته تلميذته الجديدة. ويمكن تحديد تواريخ البعض من الأحداث. فمثلا كان جويس قد زار المقبرة اليهودية برفقة ميسيل الذي جاء لزيارة قبر زوجته. وميسيل هذا هو فيليبو ميسيل الذي انتحرت زوجته آدا هارش ميسيل في 20 أكتوبر-تشرين الأول 1911. وتظهر الإشارات أن وصف مدينة بادو تم اعتمادا على زيارة كان جويس قد قام بها الى المدينة المذكورة في نهاية شهر أبريل-نيسان 1912. أما مزارع الرز في فرسيلي فيمكن مشاهدتها من القطار بين ميلانو وتورينو. وقد سلك جويس هذا الطريق في سفرته إلى إيرلندا في صيف عام 1912. وهناك أيضا إشارة إلى المحاضرة التي ألقاها عن هاملت حيث كانت تلميذته الجميلة بين الحاضرين. حدث ذلك في شتاء 1913. وهناك إشارة الى ناقد موسيقي يدعى أتوري ألبيني طرد من عمله لأنه رفض الوقوف عند عزف النشيد الملكي الإيطالي، وكان ذلك خلال حفل خيريّ أقامه الصليب الأحمر في 17 ديسمبر-كانون الأول 1911 تكريما للجنود الإيطاليين الذين قتلوا أو جرحوا في ليبيا خلال غزوهم لها.
وكان جويس قد أطلع تلميذته على أجزاء من روايته “صورة الفنان في شبابه”. والجدير بالذكر أنه لم يتمكن من وضع اللمسات الأخيرة لروايته هذه إلاّ عام 1914. ويعتقد ريتشارد ايلمان أن جويس قد يكون كتب جياكومو” بتأثير من صديقه إيطالو سفيفو الذي كتب له بعد أن قرأ مجموعته القصصية “أهالي دبلن”، وفصولا من “صورة الفنان في شبابه”، رسالة فيها يقول: ”متى ستكتب عملا إيطاليا عن مديتنا؟ لمَ لا؟”. وكان جويس يحب التحريض. ولعله كان معجبا بالطريقة التي عالج بها سفيفو قصة حب عاشها رجل كان قد أدرك سن اليأس مع فتاة تصغره بسنوات كثيرة في رواية حملت عنوان”الشيخوخة”. كما أنه نوه بالنبرة الساخرة التي وسمت هذه الرواية من البداية إلى النهاية.
وكان جويس قد شرع في كتابة “جياكومو” بعد أن تجاوز سن الثلاثين، أي تلك السن التي كان يخشاها لأنها تفصله عن سنوات الشباب. وأكثر من مرة كان يذكر أصدقاءه بأن الرومان كانوا قد جعلوا من السنة السابعة عشرة، الحد الفاصل بين الصبا والشباب، ومن سن الثلاثين بداية سن اليأس. وفي قصيدة كتبها في هذه المرحلة من حياته، يقول جويس:
شبابي له نهاية ،
وكذلك مرحي وحزني
ستغادر روحي المسكينة جسدي بسرعة.
لن تستطيع حياتي الصعود أكثر،
إنها هشة ويجب أن تهلك وتذوي
في أسى الموت وصراعه

وتستجيب قصة “جياكومتي” لضرورتين إثنتين: التعبير عن قصة حب ،وتجريب أسلوب جديد في الكتابة سوف يتجلى على أبهى صورة في”أوليسيس″. ويتمثل هذا الأسلوب في اختيار جمل قنفودية، قصيرة، مُنغلقة على نفسها.. كما يتجسد في إنتفاء الإنفصال بين الداخلي ( حوار، وصف) والخارجي (مونولوج). والفراغات بين الفقرات تشير إلى الصمت بين كل واحدة منهما. كما أن جويس أظهر قدرة فائقة على تجاوز الفرق بين الرواية والشعر، مانحا نصه نبره موسيقية بديعة.

جياكومو

من؟ وجه شاحب مُطَوّق بفراء ثقيل مُعَطّر. حركاتها خجلة وعصبيّة. تستعمل نظّارات بماسكتين. نعم: قصير المقطع اللفظي. قصيرة الضحكة. قصير رَمْشُ الجفون.

كتابة عنكبوتيّة ، منبسطة مديدة ودقيقة باستخفاف وهدوء واستسلام: فتاة يافعة بمنزلة رفيعة.

أنطلق في موجة سهلة لخطاب فاتر: سويندبورغ(1) البليغ المُزيّف، ميغال دو مولينوس (2)، جواكيم عباس(3). الموجة تدحرجت. زميلتها التي لا تزال تسويّ ثوبها لينسجم مع قدّها ، تهرّ بلكنة فيينا الإيطالبة مُلامسة الحروف بخفة:Che coltura تخفق الرموش الطويلة وترتفع: حدّ إبرة حامية يخز ويرتعش في الحدْْقة المخمليّة.

كعوب عالية تطقطق على السلالم الصخريّة الرنّانة. جوّ شتويّ في القلعة. دروع معلقة، حاملات مصابيح حديديّة خشنة فوق منعطفات سلالم البرج الملتوية. كعوب مطقطقة رنانة، صوت مرتفع ومقعّر. هناك شخص في الأسفل يودّ الحديث مع السيدة.

هي لا تتمخّط أبدا. شكل من أشكال الخطاب: الأقل من أجل الأكثر.
مكورة وناضجة: مكورة بنسق الزواج من السلالة ، وناضجة في عصير إنفصال جنسها.

حقل رزّ قرب فرسيلي تحت ضباب صيفيّ قشديّ اللون. أطراف قبعتها المتدليّة تظلّل بسمتها المزيفة. ظلال تخطّط وجهها ذا البسمة الخادعة، يصفعها النور الحار القشدي اللون ،ظلال رمادية ملوّنة بلون حليبي خفيف تحت الفكين، خطوط صفراء بلون أصفر البيض على الجبهة المبللة، خلط أصفر زَنخ في البؤبؤ الملطف للعينين.

وردة مهداة منها لابنتي. هدية هشة، هشّة من منحتها، هشة الصبية ذات العروق الزرقاء.

بادو بعيدة من الجانب الآخر من البحر. القرون الوسطى الصامتة،الليل، وعتمة التاريخ كلهم ينامون على ال”البيازا دال أربا” تحت القمر. المدينة نائمة. تحت الأقواس في الشوارع المظلمة قرب النهر عيون البغايا تتلصّص على الزناة. Cinq servizi per cinq franchi(خمس مضاجعات بخمسة فرنكات)موجة شبقيّة غامضة، ودائما دائما دائما.

عيناي لا تميّزان في الظلمة. عيناي لا تميّزان
عيناي لا تميّزان في الظلمة، يا حبي.
مرة أخرى. كفى. حب غامض، رغبة غامضة. كفي. غموض.

غروب. مجتازة الميدان. مساء رماديّ يزداد عتمة على الإمتداد الأخضر الناعم للمراعي، ساكبا في صمت، الليلَ والنّدى. هي تسير خلف والدتها برشاقة تنقصها البراعة، الفرس تقود مهرتها. الغروب الرمادي يشكّلُ بنعومة الخصرين الممشوقين المشكلين بطريقة بديعة، الرقبة خانعة وديعة مرنة، العظْمُ الجمجميّ البديع. مساء، سلام، ليل الأعاجيب،ة هيلّو! أيها السائس! هيليهو!(4(

الأب والبنات ينزلقون على المنحدر، منفرجي السيقان كأنهم على زلاّقة: الباشا التركي وحريمه. قبّعات مشدودة وياقات مرفوعة، أحذية نصفية مربطوبة بتقاطع متناسق على اللّسيّن الساخن على اللحم، التنّورة القصيرة مشدودة على العقد المدورة للركبتين.إلتماعة بيضاء. ندفة.ندفة ثلج:
وإذا ما واصلت الطواف بعيدا
فلأكن هناك لكي أراها!

اندفع خارج محلّ التبغ وأنطق باسمها. تستدير وتتوقف لكي تستمع إلى كلماتي المضطربة عن الدروس، والساعات، الدروس، والساعات:وشيئا فشيئا يحمرّ خدّاها بلهب النور اللبنيّ اللون. صغيرتي،يا صغيرتي، لا تفزعي!

Mio Padre: هي تؤدي الأعمال السهلة بتميّز. Unde derivatur؟ mia figlia ha una grandissima ammarazione per il suo maestro inglese إبنتي تكنّ إعجابا كبيرا لمدرّسها في اللغة الإنكليزية. وجه الرجل العجوز ، جميل، محمرّ، بملامح يهودية قوية، وبسالفه الطويل الأبيض، يستدير نحوي ونحن ننزل المنحدر معا.أو! خطاب متميز: كياسة، كرم، فضول، ثقة، ارنياب، فطرة، وهَنُ السن، يقين، صراحة، تمدن، إصرار، مبالغة في إظهار العواطف، حنو،:خليط متكامل. أينياص دو لوولا(5)، أسرعْ لإغاثتي!

هذا القلب متوجّع وحزين. مصلوبا بسبب الحب!

شفاه طويلة بتعبير شبقيّ:رخويّة بدم أسود.

أكوام من الضباب متحركة على الهضبة بينما أنا أحوّل نظري عن الليل وعن الطين. أكوام من الضباب معلقة على الأشجار المبللة. ضوء في أعلى غرفة. هي تهيئ نفسها للذهاب إلى المسرح. هناك أـشباح في المرآة…شموع! شموع!

كائن نبيل. عند منتصف الليل، بعد الموسيقى، صاعدا شارع سان ميكائيل، قيلت هذه الكلمات بحنوّ ولطف. ترفّق بنفسك يا جامسي! ألم تسرْ أبدا في شوارع دبلن في الليل مُنْتَحبا باسم آخر؟

جثث يهود منتشرة حولي تتعفّنُ في ثرى حقلهم المقدس. ها هو قبر شعبه، حجرة سوداء، صمت من دون أمل. ذو البثور ميسيل جلبني إلى هناك. هوخلف الأشجار مغطى الرأس أمام قبر زوجته المنتحرة، متسائلا كيف أن المرأة التي ترقد في فراشه آلت إلى تلك النهاية..قبر شعبه وقبرها: حجرة سوداء، صمت من دون أمل: كل شيء جاهز. لا تمت!

ترفع ذراعيها في محاولة لشبك فستان بحجاب أسود في الجزء الخلفي من جيدها. لا،هي لا تستطيع. تتقدم نحوي متراجعة بخطواتها في صمت. أرفع يديّ لمساعدتها:تنزل يداها. أمسك بطرفي القماش الناعم وساحبا إياهما إلى الخلف لكي أشبكهما أرى من خلال فتحة الحجاب الأسود جسدها اللدن المغلف بقميص برتقالي. والقميص ينزلق على شرائط رُسُوّه عند الكتفين ثم يسقط ببطء: جسد ناعم ليّن بصدفات فضيّة. هو ينزلق ببطء على فلقتي المؤخرة الصغيرتين الفضييتين الناعمتين وعلى أخدودهما ، ظل فضة بهت لونه. …أصابع، باردة وهادئة تتحرك..لمسة…لمسة واحدة فقط.

نفْثَة صغيرة، واهنة، من دون نجدة، رقيقة. لكن إنحنوا وانصتوا: صوت. طائر الدوريّ تحت دواليب “دجاغرنات”وهي ترجّ الأرض. يسرّ ذلك السيد الربّ، السيد الربّ الهائل الإتساع! وداعا أيها العالم الشاسع!…Aber das ist eine Schweinrei لكن هذا قذر وخرائي !

عقد كثيرة على فردتي حذائها الرقيقتين بلون أخضر برونزي:صيصة عصفور مُدَلّل.

السيّدة تسير بخطى مُسْرعة، بخطى مسرعة، بخطى مسرعة… هواء نقيّ على الطريق المرتفع . ترياستا تصحو من دون نظام: ضوء فجّ فوق سقوفها المتلاصقة بقرميد بني، لها أشكال السلاحف. جموع من البقّ ساجدة في انتظار خلاص وطني. بلّيمو ينهض من فراش زوج عشيق زوجته : الخادمة مُنهمكة في عملها. عينها لوزية، صحن صغير يحتوي على الحامض المُخَلل في يدها،..هواء نقي، وصمت على الطريق المرتفع: ووقع حوافر.فتاة على ظهر حصان، هيدّا! هيدّا غابلير!

على مناضدهم يعرض التجار فاكهة الموسم المبكّرة: ليمون منقّط بالأخضر، جواهر من الكرز، خوخ خجول بأوراق مجتثّة. العربة تشقّ طريقها بين الأكشاك القماشيّة، وبرامق عجلاتها تدور في الضوء. إ فسحوا الطريق! والدها وابن والدها جالسان في العر بة. لهما عيون البومة وحذرها. حذر البومة يحدّقُ في العيون الفزعة تجْتَرّ معرفة Summa contra Gentiles

هي تعتقد أن النبلاء الإيطاليين مُحقّون في جذب أيتوري ألبيني، الناقد في صحيفة “سكولو”، من فوتيات الأوركسترا، لأنه لم يقف عندما عزفت الأوركسترا النشيد الملكي. هي سمعت بذلك عند العشاء. أواي. هم يحبون بلادهم عندما يعلمون أيّ بلاد هي.

هي تنصت: عذراء أكثر من أن تكون حذرة.
تنورة ارتفعت بحركة فجئيّة من ركبتها. شريط أبيض ينزلق من قميص ارتفع من دون مُسَوّغ. حُبْكة جوارب مبسوطة على الفخذين. ؟Si poil هل أستطيع؟

أعزف بخفوت،بهدوء أغني، أغني الأٍغنية الفاترة لجون داولاند. مغادرا رغما عني(6)أنا أيضا أغادر رغما عني. هذا العصر، هنا والآن. هنا، مكحّلتان بظلمة الرغبة، العينان اللتان تكدّران لمعان الشرق المصروع، نورهما، نور الزّبَد الذي يغطي وسخ ساحة جاك الأخرق. هنا الخمور العنبريّة.، الشلالات الميّتة لهواء خفيف، الرقصة البافانية المجيدة، الآنسات الفاضلات، يتغزلن من شرفاتهمن، شفاههن منفرجة للقبل، البغايا اللاتي دمرهن السلفس والمتزوجات الشابات يخضعن لمن يفتنهن، ومعانقات والمزيد من المعانقات .

في الصبيحة الربيعيّة الباردة المغشاة بالضباب تتموج الروائح الخفيفة في هواء باريس : يانسون، نشارة خشب رطب، عجين خبز ساخن: ثمّ وأنا أقطع جسر سان ميشال، اليقظة الفولادية جدا للمياه تُرْعش جسدي. هي تنزلق وتدور حول الجزيرة التي عليها عاش الناس منذ العصر الحجري.. ظلمات صهباء في الكنيسة الشاسعة المُقَرْقرة. الجو بارد كما في هذا الصباح: quia frigus erat. على مدارج المذبح العالي البعيد، عراة كجسد الله، الرهبان ساجدون ، في صلواتهم الخافتة خاشعين. صوت قارئ لا مرئيّ  يرتفع مرددا الدرس من “خوسيا”.لأنني أطلب الرحمة لا التضحية،وشكرا لله لا للقرابين(7). هي تقف بجانبي، شاحبة ومرتجفة، مرتدية الظلالات القاتمة لذنوب الكنيسة، مرفقها النحيف على ذراعي.لحمها يتذكر ارتعاشة هذا الصباح البارد، المغلف بالضباب، مصابيح متعجلة، عيون قاسية. روحه مفعمة بالحزن، ترجف ولعلها ستبكي. لا تبكي من أجلي، يا فتاة أورشليم!

أستعرض شكسبير في ترياستا المطيعة: هاملت،أقول، الذي هو الأفضل خلقا وأدبا تجاة الأفضل نبلا وتواضعا ليس فظا سوى تجاه بولونيوس ، ربما ، كمثالي مفعم بالمرارة، هو ليس باستطاعته أن يرى لدى والدليْ حبيبته غير محاولات بشعة من جانب الطبيعة لأنتاج صورة المحبوبة… هل سجلتم ما قلت؟

هي تسير أمامي في الممر وبينما هي تسير انحلّت عقدة سوداء من شعرها ببطء وارتعشت. خصلة منحلة، ساقطة،. هي لا تنتبه لذلك وتسير قدامي ، بسيطة وفخورة. هل هكذا كانت تسير قرب دانتي، بسيطة في مجدها، هكذا، غير ملطخة بدم الإغتصاب، أبنة شنشي، بياتريس باتجاه حتفها:
شدّ
حزامي واربطْ شعري بعقدة بسيطة(8)

الخادمة قالت لي أنه كان عليهم أن يحملوها في النهاية إلى المستشفى ، يا للمسكينة، لقد كانت تتألم كثير كثيرا ،الأمر خطير جدا…أبتعد عن المنزل الفراغ. يبدو أنني على وشك أن أجهش باكيا. آ..لا! هذا لن يكون هكذا، في لحظة ، من دون كلمة، من دون نظرة. لا، لا! الحظ الجهنميّ لن يخذلني بالتأكيد .

أجريت عليها عملية. مبضع الطبيب الجراح تفحّص أحشاءها ثم انسحب مخلفا حزّات مروره في بطنها. أرى عينيها، مفعمتين بألم قاتم، عيناها جميلتان مثل عيني غزالة. أوه، يا لقسوة الجرح! أيها الرب الشبقي!

مرة أخرى في كرسيها قرب النافذة ، كلمات فرحة على الشفتين، ضحك سعيد. عصفور يزقزق بعد العاصفة المطرية، هو سعيد بأن حياته الصغيرة المجنونة خفقت بعيدا عن خطر مخالب سيّد مصاب بالصرع ومانح للحياة، مزقزقا بسعادة، مزقزقا ومزقزقا بسعادة.

هي تقول،” صورة الفنان”(9) كان عملا صادقا فقط من حيث أخذ صراحته بعين الإعتبار. وكات تحب أن تسألني لمَ أنا أعطيته إياها لتقرأه .هل كان عليك، هل كان عليك؟ سيدة عارفة بالآداب.

هي واقفة بفستان أسود تتكلم في الهاتف. ضحكات خجولة قصيرة، صرخات قصيرة، جولات خجولة وخطابات تنكسر فجأة. …Parlora colla mamma…تعالوا! تعالوا! أيها الصغار! أيها الصغار! الفرّوجة فزعة: جولات صغيرة انكسرت فجأة، صرخات صغيرة خجولة:هي تنادي أمها، الدجاجة الضخمة.

الشرفة العليا في الأوبرا. الجدران المبتلّة تنزّ برطوبة بخار. سمفونية روائح كريهة تختلط بكتلة الأشكال البشرية المتراصة،، رائحة إبط عنيفة ، عصير برتقال شرب بالموْص، خليط مرهم خاص بالثديين، ماء معجون أسنان، رائحة كبريتية لحساء بالثوم، غازات بذيئة متفسفرة، عطر الكاوَشير، عرَق نسائيّ حاد، نساء متزوجات ومعروضات للزاوج، رائحة صابونية نتنة للرجال…طوال الليل كنت أنظر إليها، طوال الليل سأراها، خصلات الشعر مضفورة ، وجه زيتي بيضويّ الشكل، عينان عذبتان هادئتان. خيط أخضر على خصلات الشعر وعلى الجسد فستان مطرّز بالأخضر: لون وهم مرآة نباتية للطبيعة وللعشب الغزير شَعْرُ القبور.

كلماتي في فكرها: أحجار باردة تغوص في مستنقع.

أصابعها الوديعة الباردة لامست الصفحات، بذيئة ووفية، عليها سيحمر وجهي خجلا إلى الأبد. وديعة، باردة ونقيّة تلك الأصابع. ألم تضع أبدا؟

لا رائحة لجسدها: زهرة بلا عطر.

في المدارج. يد نحيلة وباردة: خوف، صمت: عينان داكنتان مفعمتان بالفتور: تعب.

أكاليل بخار رمادية مدوّمة فوق المرج. وجهها، كم هو رمادي وحزين! خصلات الشعر متلبّدة ورطبة. شفتاها تنضمّان بهدوء، نَفَس ، زفرة تشقّهما. قبلات.

صوتي المُحْتَضر في صدى كلماتها، يموت مثل الصوت الحذر والفاتر للرب الخالد مناديا إبراهيم عبر التلال التي تُرْجع صدى صوته. تتكأ على الجدار الوسادة:شبح جارية في العتمة المشعة بالترف. عيناها شربتا أفكاري: الظلمة الحارة، الرطبة، الوديعة، المضيافة، لأنثوتها ، لروحها، متحلّلة، انتشرت ، وفاضت، بذْرَة خصبة وسائلة…الآن لينلْها من يقدر على ذلك!

!وأنا طالع من عند “رالي”، وجدت نفسي أمامها كما لو أننا نُقَدّم الصدقة لمتسول أعمى. هي تردّ على تحيّتي فجأة مستديرة وخافضة عينيبها السوداوين كعيني المُليْكة(10) لا تستطيعين النظر إلى الرجل عندما تكون نظراتك قاتلة. أشكرك على الكلمة، سيد بريناتو.

يبسطون تحت قدميّ سجادا لابن الإنسان. هم ينتظرون مروري. هي تنتصب في الظلّ الأصفر للمدخل وقبعة اسكتلندية تحمي ذراعيها الهابطين من البرد.ولأنني توقفت ، مُنْذهلا، ناظرا حولي، حيّتني ببرود وصعدت المدارج ، راشقة إيّاي بقذفة سم كحولي منحرفة من عينيها الفاترتين.

غطاء ناعم، مجعّد، أخضر جلباني، يغطي الأريكة. غرفة باريسيّة ضيّقة جدا. الحلاّقة تمددت عليها قبل لحظة. قبلت يدها، وطرف تنورتها المسودّ من الصدأ ومن الغبار. إنها الأخرى. .هي. غوغارتي جاء البارحة ليتمّ تقديمه. أوليسيس هو الحافز. رمز الوعي الثقافي…وايرلندا إذن؟ والزوج؟ يروح ويجيء في المعبر أو يلعب الشطرنج ضد نفسه. الحلاقة تمددت قبل لحظة، ضامة رأسي بين ركبيتيها كثيرتي العقد…رمز ثقافي لجنسي. إسمعْ! الظلمات الغاطسة سقطت.إسمعْ!
-لست مقتنعا بأن نشاطات الفكر والجسد يمكن أن توصف بالمؤذية-
هي تتكلم. صوت واهن قادم من أبعد النجوم الباردة. صوت الحكمة. واصلي! قولي المزيد ، يجعلني رصينا! هذا الصوت الذي لم أسمعه من قبل أبدا.
تتموّج نحوي على طول الأريكة المجعّدة. ليس باستطاعتي لا أن أتكلم ولا أن أتحرك. إقتراب متموج لجسد وُلد من النجوم. خائنة الحكمة. لا. أريد أن أذهب. أريد.
-جيم، حبي ! شفاه ناعمة شرهة تقبل إبطي الأيسر: قبلة متموجة على عروقي هائلة العدد. أنا أحترق! أنطوي مثل ورقة في النار.من إبطي الأيمن ينبثق مخْلب من لهب. ثعبان نجميّ قبلني: ثعبان بارد ليليّ. لقد فقدت رشدي!
-نورا!(11)

يان بيترس شفيليك. الإسم الجذاب للموسيقار الهولندي يبُرز جمالا أنيقا وبعيدا. أنصت إلى تنويعاته على البيانو في لحن قديم. الشباب بلا نهاية. في الضبااب المبهم للأصوات العتيقة نقطة نور واهية تظهر: لغة الروح على وشك أن تُسْمع. الشباب له نهاية. لن تكون أبدا. أنت تعلم ذلك جيّدا. وماذا بعد؟ أكتبه، أيها البائس،أكتبه. لأيّ شيء آخر أنت صالح؟

“لماذا” ؟
“لأنه عكس ذلك ليس باستطاعتي أن أرىّ.
إنزلاقات-فضاء-قرون-وسماء تشحب-تهدئة-وتهدئة أكثر عمقا-تهدئة الإلغاء-وصوتها.

Non hunc Barabbam
تعطيل. ضوء نهار كئيب. بيانو طويل أسود: تابوت موسيقيّ. موضوعا على حافة قبعة سيدة ، ملونا بالأحمر، ومظلة مغلقة. خزاناتها: خوذة، أشكال، ورمح مثَلّم في حقل. من رمل.

إرسال: أحبيني، أحبي مظلتي.

هوامش:
-1: هو ايمانويل سويندبورغ (1688-1772) فيلسوف وعالم سويدي
-2: هو ميغال دو مولينوس 1535-1600) راهب ومتصوف اسباني
-3: جواكيم عباس :(1135-1202) راهب ومتصوف اسباني اهتم جويس بتنبؤاته
-4:هيلو!أوستلر!هيليهو! يصرخ ستيفان ديدالوس في رواية”أوليسيس″ تحت تأثير شكسبير في”هاملت”: هولاّ، هيليهو”.وتعني هنا :مرحبا! أيها السائس!مرحبا!
-‘5 ‘هو اينياس دو لوولا (1491-1556) رجل دين اسباني ،أسس طائفة الآباء اليسوعيين وترك مؤلفا مهما في التراث المسيحي بعنوان :”تمارين روحية”.
-6: عنوان الأغنية الأصلي: الآن،آه،الآن … عليّ أن أغادر…
-7: سجود الرهبان،والقراءة من العهد القديم تشكل بداية قداس الجمعة العظيمة.
-8: حديث بياتريس عند موتها في نهاية قصيدة شيلي “آل شنشي”
-9: يعني روايته”صورة الفنان في شبابه” التي أنهاها في ترياستا عام 1914
-10:المُليْكة هي حيّة أسطورية نسب إليها القدامى قوة خارقة بنظرها وشبهوها بالملك لسطوتها.
-11: هي نورا بارناكل زوجة جيمس جويس

 

حسونة المصباحي، كاتب ومترجم تونسي،

hassounamosbahi@hotmail.fr