ليو شانغ: ثماني عشرة أغنية لناي منغولي ترجمة عاشور الطويبي

حكاية السيّدة وين شيِ التي خُطفت عام 192 ميلادية من قبل قوات من المغول عند هجومهم على أرض الصين. تزوجها أحد قادة المغول الكبار وانجبت له ولدين. بعد اثنتى عشر عاما تمّ دفع الفدية وحرّرت وارجعت إلى بيت أهلها. كُتبت أشعار عن حياتها لكن أشهرها التي قام بها الشاعر ليو شانغ قرابة عام 773 ميلادية. Liu Shang 1773 ميلادية

1
اختطاف وين شِي

أصاب عشيرة هان الهوان، صار برابرة الجهات الأربع خصوما؛
رفعوا الأسلحة، الحروب لا تتوقف ؟.
أشفقُ على أبي وأمي اللذين أنجباني وربياني:
إذ يشهدان الفراق والفوضى-هي اللحظة إذن.
أجلس بجانب النوافذ المغلّقة بالشاش، أتطلّع في المرايا، لا خبرة لي بالعالم؛
ظننتُ أن أستار الخرز تحميني.
ذات يوم دخلت ْكتائب البرابرة أرض الصين؛
المغول في كلّ مكان.
حياتي الشقّية على نصل السيف،
يا ويلتاه! امرأة بلا سند تؤخذ إلى أرض غريبة.

2
الرحيل عن الصين

أُخِذتُ إلى آخر الأرض على ظهر حصان؛
منهكة من العيش، اشتهيتُ الموت، لكنّ الموت لم يأت.
يا لرائحة البرابرة. كيف نحسبهم بشرًا؟
فرحهم وغضبهم كفرح وغضب الثعالب والذئاب – لا يحتمل!
نرتحل إلى أقصى تيان-شان، نواجه كلّ الصقيع والجليد؛
العادات فجّة، الأرض موحشة – قريبون نحن من مناطق المغول البدو الرحّل.
سماء ملبّدة تمتدّ إلى ما وراء عشرة ألاف ميل. لا أثر لطائر واحدٍ.
لا نهاية للرمال الباردة: لا أحد يقدر أن يعرف الجتوب من الشمال.

3
مخيّم في الصحراء

أنا السجينة في الأصفاد،
غارقة في القلق ولا أحد أبوح له بذلك.
يمكنهم اجباري على العمل، يمكنهم قصّ شعري؛
يمكنهم أكل لحمي، ويمكنهم شرب دمي.
أدري أن ّهذا موت، سأحتمل كلّ شيء راضية،
لكن أنْ يأخذني زوجة له هذا أشدّ سوءًا من قتلي.
يا حسرتي، كيف جعلني وجهٌ جميلٌ أعاني،
ما يغيضني أنّي ضعيفة ورقيقة كالماء.

4
الحنين إلى الوطن

الجبال وجداول المياه البعيدة البعيدة – من يذكرها؟
أين، على حافّة السماء، موطني الأصلي؟
ما أصابني من نَصب أضعف قوتي.
على مهلٍ، أتلفّتْ الريح والصقيع ملامحي.
في الليل أحلم بالعودة، مِن وإلى؛
هل يمكن للواقف على شفا حلم أن يبعث الرسائل؟
في سماء البرابرة الشاسعة لا صدى لصرخاتي،
هذا البدر المنير بدر هان، أزعمُ أنّه يعرفني.

5
النزول عند جدول ماء

بجانب الماء نومي وعلى العشب جلوسي؛
الريح القادمة من الصين تمزّق ملابسي.
أغسل شعري بشحم الضأن، شَعري قليلاً ما يمشّط.
ياقة ردائي من جلد الخراف مزرّرة على اليسار؛
ثنيات فراء الثعالب وأكمام فرو الغرير كلّها كريهة الرائحة.
ارتدي هذه الملابس نهارًا، أنام في هذه الملابس ليلا.
تُبدّلُ أماكن أستار اللبّاد مرارًا، لا مسكن ثابت؛
يا لطول نهاراتي ولياليّا – كأنّها لا تمضي.

6
كوكبة الدبّ الأكبر

يغيظني الربيع القصير هنا؛
في بلاد البدو الرحّل القليلُ من الأزهار والصفصاف.
من يدري أنّ السماء والأرض لم تقلبا رأسًا على عقب؟
هنا نلمحُ الدبّ الأكبر في الجنوب.
أسماؤنا، أصواتنا، إشاراتنا مختلفة تمامًا،
طوال اليوم وطوال العام أحافظ على فمي مقفلًا.
“نعم” و “لا” وأخذ وبذل الأشياء يعتمد
على إيماءات الأصابع؛
للتعبير عن مشاعرنا، صار الكلام أقلّ نفعًا من اليد.

7
حفلة في البرّية

يحمل رجالهم ونساؤهم القصيّ والسهام؛
واقفة خيولهم القصيرة العريضة وأغنامهم على الجليد.
أأنا حرّة لآخذ خطوة واحدة في أيّ اتجاه؟
لا أرغب العيش خلسة ولا استجدي موتا مبكّرا.
استمع إلى مقطوعة شي أو تزو بي لي في حزن؛
الـ بي با لـ سوي يه تصنع أصواتا جنائزية في عمق الليل.
عبر الليل الخالي من السحب يصعد القمر عاليًا في السماء؛
آه، يجب أن أرى مدينتي ثانية!

8
فجر

أتذكّرُ الماضي، عندما كنتُ الطفلة المدلّلة الجميلة في بيتي.
اتخذت من طائر نادرٍ جيء به إليّ، طائرًا أليفًا.
الآن، ضائعة ومبعدة، أفكّر في بيتي القديم؛
نادمة أنني لم أطلق سراح طائري في الغابة.
ريح الشمال تصفّر و الشمس البارد تغرب؛
يبقى نهر النجوم الموحش معلّق في الأعالى،
إلى أن يجيء الفجر ثانية في سماء البدو الرحّل.
نهارًا وليلا أفكر في العودة، يا لعجزي!
لا شكّ، قلبي الموجوع، يشبه ذلك الطائر في قفصه.

9
الكتابة للوطن

في الماضي، عندما استجوبَ الخان سو وو،
قيل أنّ الأوزات المهاجرة عرفت كيف تحمل رسالة.
مقلّدة سو وو، اجرح اصبعي وبدمي أكتب رسالة؛
في هذه الرسالة أكتب ألف أسىً وعشرة ألاف أسىً أخرى.
لكن الفتيان البرابرة الملتحين خيّالة مهرة؛
يشدّون أقواسهم ويصيدون الطيورًا المحلّقة القريبة والبعيدة.
الآن أوزات الحدود تخاف البشر؛
كيف لي أن أجعل قلبي مسموعًا من نهايات الأرض.

10
ولادة طفل

كم أنا حزينة مما عانيته من إهانات، وكم هي مقززةّ هذه الروائح العفنة؛
كم ازدري أرض البدو الرحّل وأكره سماءهم!
عندما حبلتُ بولد بربري، أردتُ أن أقتل نفسي،
لكن، بحمله، وجدتُ حبّ الأم والطفل.
ملامحه غريبة، كلامه مختلف، صارت كراهيتي حبّا؛
عميقًا في داخلي، أشعر بوتر قلبي ينقطع .
معي صباحا ومساء:
كيف لا أشفق على الذي حمله رحمي وغذته يدي؟

11
رؤية الأوز يطير جنوبا

أيام تجيء وشهور ترحل، يركض معها الوقت؛
عند سنة النجم، يكون قد مرّ اثنتا عشر عاما.
شتاء وصيفا، نستلقي في الجليد والصقيع:
عندما يتجمّد الماء ويذوي العشب أعلّم مرور سنة.
في الصين لدينا تقويما حلقيا لنعلّم على البدر والهلال،
في هذه الأراضي البعيدة الشمس، القمر، والنجوم فقط معلّقة في السماء بلا معنى.
مرّات عديدة الأوزّات المهاجرة تجيء وتمضي؛
يتكّسرُ قلبي حين يغيب القمر وحين يصير بدرا.

12
وصول الرسل

ضائعة أبداً الزجاجة المكسورة المرميّة في البئر.
بلا أمل منظور، تخلّيتُ عن كلّ أفكار العودة.
كيف لي أن أعرف أنّ وفدًا سيأتي من بعيد، يسأل عن أسماء؟
كلام الهان، ممتع للأذن، يجلب أخبارًا سعيدة.
كيف في أحلامي مرّة هامت روحي في موطني؟
وكلّ وقت بعد أن استيقظ أجدُ حزني ما يزال عميقا.
الآن وأنا أواجه ما حلمتُ به،
حزن يأتي بعد فرح؛ يجعل مشاعري لا تحتمل.

13
الوداع

أولادي يتشبثون بتلابيبي، واحد في كل جانب؛
لا استطيع أخذهم معي، اتركهم ورائي، كيف سأفتقدهم!
العودة إلى الوطن والفراق الحزين – مزيج مشاعر.
عليّ أن أترك أطفالي كي أعود إلى أهلي.
عبر عشرة ألاف جبل ونهر، سأصل إلى حدودنا.
بالابتعاد، تنقطع أخبار أطفالي.
بوجه ملطّخ بالدموع أتلفّت ناحية الشمس؛
هناك وقفتُ طوال اليوم، ناظرة للجنوب وللشمال.

14
رحلة العودة تبدأ

لا تظنّن أنّ أطفال البدو الرحّل يعيرونني؛
كلّ واحد يتكلمّ عن أطفاله بحبّ أو كلّ واحدة تتكلم عن أطفالها بحب.
أصابع اليدين العشرة مختلفة الطول،
لكنّ الألم واحدٌ عند القطع.
عند عودتي، سألتقي بأهلي،
وهذه الجزء من حياتي سيكون بعيدًا كبعد الميت من الحيّ.
ريح الجنوب تهبّ عبر عشرة ألاف ميل لتهيّج قلبي؛
سيتبع قلبي الريح ويعبر نهر مياو.

15
الزوج المغولي يعود أدراجه

أتنهّد لأنّ مشاعري غامضة:
كنتُ حزينة من ذهابي بعيدًا، والآن أكره العودة؛
لم أعد أفهم مشاعر القلق والأسى،
أحسُّ فقط بسكّين حادّ يطعن قلبي.
أسىً مع فرح ،شعور غير مبهج.
أفكاري عند مفترق الغايات. أعيدُ مساءلة نفسي هذا:
ربّما القدر الذي بارك زواجا كهذا،
صرتُ مرتبطة بعدوي المحبة والثقة.

16
الرحلة تستمرّ

لم ألاحظ في طريقي إلى هنا سوى السماء الزرقاء الشاسعة.
في أيّام عودتي عرفتّ كم هي بعيدة بلاد البدو الرحّل.
في السماء الملبّدة ليس سهلا معرفة أين تغرب الشمس،
الجنوب إلى حيث تطير الأوزات.
مدّ البصر في كلّ الاتجاهات، عبر الرمال المنبسطة، يجعل المرء حيران،
وهكذا نتبع الأوزّات، القريبة والبعيدة.
قبل نهاية الرحلة بمسافة كبيرة لا أثار لخيول.
لا أناس غيرنا في المدى، فقط عشب السهوب الأصفر.

17
مرأى مدينة صينية

سافرنا ألاف الأميال تحت سماء البدو الرحّل،
لا نرى إلا رمالاً صفراء وسحبًا بيضاء تصعد.
الخيول جائعة؛ تتسابق عبر الثلج لترعى على جذور الأعشاب.
الرجال عطشى؛ يكسرون الجليد ليشربوا الماء.
عند يِنْ-شانْ بدأنا نرى نيران حصون الحدود؛
أصوات طبول الجيش تخبرنا أنّنا نسمع حصون الصين.
نحتشد ونأخذ طريقنا، متأكدين أن أرض الامبراطور أمامنا.
الحياة أمامنا، وأنا نجوت من الموت بين البرابرة.

18
وِنْ-شي تعود إلى بيتها

أعود إلى بيتي وأرى أهلي؛
الحقول والحدائق وحشية، غير أنّ عشب الربيع أخضر.
شموع ساطعة أوقدت من الرماد والخراب؛
ماء الربيع البارد يغسل حجر يشب غاص في المستنقع.
وأنا أمسك بفوطة ومشط، أعيد اكتشاف أصول اللّياقة الحسنة؛
لمْس الـتشين ثانية يجعلني أحيا أو أموت بلا ندم.
من ذهابي وعودتي اثنا عشرة سنة؛
الآن كلّ أساي وحزني صدحتُ به في هذه الأغنية
أغنية الناي المنغولي.

شاعر ومترجم ليبي، النرويج
bashirmetwebi@gmail.com