“بحثا عن السعادة” لحسونة المصباحي أو رحلة العودة الى الينابيع

سفيان رجب

يعتبر الكاتب التونسي حسونة المصباحي، من أكثر الكتّاب الذين استفادوا من حياتهم اليومية ليصنعوا منها تجربة أدبية لها فرادتها وخصوصيّاتها، فمنذ كتابه الأول هلوسات ترشيش وصولا إلى كتابه بحثا عن السعادة الصّادر هذه الأيام عن دار نقوش عربية بتونس، حافظ على أسلوبه البسيط في السّرد وعلى احتفائه بالتفاصيل اليومية الهامشية، وهذا ما يمنح كتاباته تلك المعادلة القاسية بين المُعاش والمكتوب.
يورد الكاتب في نصّه الإشراقات الأولى قولة لمارسيل بروست من نصّه أيام القراءة، يقول فيه: ليس ثمة أيام في طفولتنا عشناها تمام العيش كتلك التي ظننّا أننا تركناها دون أن نعيشها، تلك التي قضيناها بصحبة كتاب هو الأفضل عندنا. هذه القولة تلخّص كتاب “بحثا عن السعادة”، والذي يأخذنا عبره كاتبه إلى الكتب التي فجّرت ينابيع مخيّلته الأدبيّة، ممسكا بالخيوط التي تتقاطع بين الكتب وبين التفاصيل اليومية لحياته التي توزّعت بين الطفولة الريفيّة في الوسط التونسي ومراحل الشباب بين العاصمة التونسية والمدن الأوربية متوقّفا في مدينة ميونيخ الألمانية التي عاش فيها سنوات، ثم مرحلة العودة إلى بلده تونس وقد تحدّث عنها طويلا بين نصوصه، في مدينة بنزرت ومدينة الحمامات خاصة.

يمتلك حسونة مصباحي قدرة عالية على السرد وعلى جذب قارئه دون تكلّف ودون نصب فخاخ فنية داخل نصوصه، هو فقط يستعيد لحظات متعته بالكتب فاتحا أقواسا داخل نصوصه للحديث عن الكتّاب الذين أثّروا فيه، وهذا ما يجعل من سيرته الروائية هذه تتجاوز التداعيات النوستالجية التي تغلب على كتابة السّيرة، لتلامس تخوم الملاحم الإنسانية، فنحن هنا لا نقرأ سيرة شخص واحد، وإنما نقرأ نسيجا سرديا تغزله كلّ أصابع الكتّاب والفلاسفة الذين صافحهم المصباحي في كتابه هذا، بل وحتى أولئك الذين ربّت على أكتافهم وهم يجلسون على قارعة الدّنيا، وما كانوا من الكتبة وما كانوا من القرّاء.

حسونة المصباحي Hassouna Mosbahi

يقول “بول فيرلان” الذّئب خراف مهضومة، وكذلك الكاتب يكون نصوصا مهضومة، وعمليّة الهضم هنا هي الفارقة بين أن تكون ذئباً أو أن تكون أشلاء خرافٍ لمْ تُهْضم، والمصباحي في المقاربة الفيرلانيّة هذه يبدو هاضم نصوص بامتياز، فهو لا يستعرض معرفته وإنما يهضمها ويحوّلها عطراً ودماً في عروق نصوصه، وهو يمنح المعرفة بلذّة الحكّائين، لا بقسوة المدرّسين.

لا يخفي حسونة المصباحي افتتانه بحياة العزلة والهامش وبسير المهمّشين والهامشيّين والمنبوذين من الكتّاب ومن الشّخصيات الرّوائيّة، مثلما حدّثنا عن شخصيات ديستوفسكي وتولستوي ونجيب محفوظ وهنري ميلر ومحمد شكري وكواباتا… وهي تتقاطع كثيرا مع حياة الكاتب التي يسردها في كتابه هذا، والتي تمثّل شهادة عن جيل ما بعد الاستقلال، جيل الرّهانات القاسية والذي كان قدره أن تُثبّت أعمدة الجمهورية الناشئة على أكتافه، ودفع أبناؤه ثمن ذلك من أحلامهم وطفولتهم ودمهم أيضا، وقد توقّف الكاتب طويلا للحديث عن فترة أواخر السبعينات التي قضاها متشرّدا في العاصمة التونسيّة، بعد فصله من التّعليم، تدفعه أحلامه بالثورة، ومشتعلا بسعير الكتب الحمراء التي كان يقرؤها مع رفاقه الكتّاب أيامها، والتي نقلها في قصصه الأولى. يحدّثنا المصباحي عن صديق له في الدّراسة هو خليفة الرّزقاني والذي كان ضحيّة لأنظمة التعليم القاسية في منتصف القرن العشرين، وإنّك تقف عاجزا هنا عن التّمييز بين هذه الشخصيّة الواقعيّة وبين الشخصيات الرّوائيّة التي يستحضرها المصباحي في كتابه، حين نقرأ هذا المقطع الذي يتحدّث فيه الكاتب عن صديقه: ثمّ انقطعت عنّي أخباره من جديد، قبل عام على ما أظنّ، نشر له أحدهم صورة على الفايسبوك بدا فيها عجوزا أشيب، محنيّ الظّهر، وعلى وجهه الأسمر المحفور بالتّجاعيد حزن بحّار فقد نهائيّا الأمل في العودة إلى البحر. ألا يذكّرنا هذا المقطع بصورة الشيخ في رواية الشيخ والبحر لهامنغواي، وهو يعود إلى الميناء الصّغير بهيكل عظميّ للحوت الذي اصطاده؟. إنّ هذا الكتاب يلخّص مكتبةً وتجربة إنسانيّة عميقة، فهو استحضار للقارئ داخل الكاتب، وهو استعادة للتشكّل الجنينيّ للكاتب في رحم الكتب. وهو رحلة إلى الينابيع الأولى والتي لا تخلو من صدمة التيّارات المضادّة، تماما مثل سمك السّلمون الذي يندفع في الضوء وهدير التيّارات حين يكون فتيّا، لكنه يترك كلّ طاقته للعودة إلى الوطن، وكذلك فعل حسونة المصباحي، يقول في خاتمة كتابه: نعم سأعود إلى قريتي، والكتب التي سأحملها معي، والتّجارب التي اكتسبتها في الغربة، سوف تساعدني على اكتشافها من جديد، وهو يقتدي بالكاتب الفرنسي “جان جيونو” الذي اختار العودة إلى ريفه الفرنسيّ، وأخذا بنصيحة أحد أصدقائه الذي يعرّفه الكاتب فيقول، هو غرس الله الذي ساح طويلا في الأرض حافي القدمين، وأمضى الشطر الأكبر من حياته في المقابر والكهوف وليس على جسده الهزيل غير برنس قديم، يستعيد الكاتب هذه الجملة التي قالها له غرس الله: إذهب… لكن الهجرة سوف تعلّمك أنّ المكان الأوّل هو الأفضل حتّى وإن قست الحياة.
ثمّ يختتم حسونه المصباحي كتابه، بهذه الجملة الحاسمة: سأعود إلى قريتي. ربما تكون هذه السعادة التي ظلّ يبحث عنها بين الأسفار والكتب.

 

سفيان رجب، ناقد من تونس
sofiene.rajab@hotmail.fr