محسن حنيص عن “زبيبة والملك”

محسن حنيص

قرأت “زبيبة والملك”، الرواية التي كتبها السيد الرئيس قبل سقوطه ، واخفى اسمه تحت عبارة ( رواية بقلم كاتبها). حاولت أن أتجاهل قدر الامكان هوية كاتبها.

تدخل زبيبة (رمز الشعب) القصر بدعوة من الملك ، تنتظر اشارة الحاجب كي يؤذن لها بالوقوف بين يدي الملك ، وحين تستولي على قلبه يحدث ذلك بنفس الآلية التي يمارسها شعراء البلاط. هنالك نمط واحد للدخول الى قلب الرئيس هو الحفاظ على مكونات هذا القلب وعدم جره الى تسارع في النبض او ذبحة صدرية. في النص كانت المواجهة بين زبيبة والملك هو لقاء بين عاشق متيم (الشعب) ينتظر لقاء حبيبه (الرئيس). شيء طبيعي أن تقع زبيبة في حب الملك. بعد كلمات مبطنة عن الحب ينتقل الملك وزبيبة الى الحديث عن المؤامرات.
يختصر الكاتب مأزق البلاد في مؤامرة يقف وراءها مجهولون على الدوام ، او يشار اليهم بأسماء عبرية (حسقيل وشميل) وينفذها موظفو القصر والخدم والزوجات السابقات. وكان على زبيبة ان تحل هذا المأزق كل مرة بتذوق زهورات ( البابونج) قبل الملك لتتأكد من خلوها من السم ، او تلقي سيوف محاولات الاغتيال بصدرها قبل وصولها الى الملك. بين تلك المحاولات هناك حوارات طويلة ومملة تقدم فيها زبيبة اطروحات مجانية عن ضرورة التقرب من الشعب والأحساس بنبضهم. ليس هنالك أية أشارة الى ماهية النبض. يرى الملك في زبيبة خلاصة الحكمة ونهاية المطاف فيتحول الأصغاء الى عشق. ويعرض الزواج على زبيبة( الزواج من الشعب) ووضعها بديلا للملكة السابقة (ساجدة خيرالله طلفاح على الارجح). هنا علينا ان نحبس الانفاس بانتظار النتائج. تؤجل زبيبة ردها لتفكر في الموضوع. وعلى حياء تقترح على الملك شكلا للحاكم من بعده، شكلا لا يقوم على الوراثة بل الاهلية. تقترح عليه ان يعين عددا( ثلاثين) من الذين يثق بهم كمجلس شورى. واذا ما مات بعد عمر طويل لا يكون هناك فراغا. يقبل الملك المقترح وتخرج زبيبة من القصر على أمل أن تعود بعد ان ينفذ الملك وعده. في الطريق يخرج عليها المتآمرون الملثمون و يغتصبوها. تتواصل المؤآمرة التي تقودها زوجة الملك وزوج زبيبة. يهجم المتآمرون على القصر. تحصل( منازلة كبرى). يقف الشعب بقيادة زبيبة الى جانب الملك. تقتل زبيبة في المعركة لكن تنتهي المعركة بأنتصار الملك على أعدائه وأسر الملكة المتآمرة وحبسها.
( من هذه الطاولة الصغيرة التي تنتصب فيها الخمرة الهولندية المحلية (الجنيفر) التي لا تسمح الا بالصدق والأمانة. أوجه نداءا خالصا وليس له اية علاقة بالسياسة الى السيدة ساجدة خيرالله طلفاح للأدلاء بأية معلومات عن هذه الحقبة. ذلك أنها الرمز الوحيد المتبقي والذي يطفو في ذهني. أقسم بشرفي انه ليس لي أي غرض سوى الفضول المعرفي. وسأحفظ كل الأسرار. وسأحترم حزنك واقدر كل مشاعر الغيظ التي تمزق قلبك. وسأكون ممتنا وشاكرا لك ايتها الزوجة والأم الثكلى. مع تحياتي – محسن حنيص – هولندا).
تنتهي القصة بمؤتمر تجتمع فيه الحكومة والمعارضة. هنا يخرج السيد الرئيس تماما عن السياق الروائي ويوجه حزمة من الشتائم والتهم الى (نوري الجلبي) الذي يرمز به الى المعارضة في كل العصور. أي قارئ ساذج سوف يحدس ذلك الجمع بين نوري السعيد وأحمد الجلبي. يضعنا المؤتمر امام الثوابت الأزلية لعقلية الحزب الواحد ونظرية المؤامرة ووجود (حسقيل وشميل) في كل حركة من حركات المعارضة. هذه الاسرائيليات التي تبرز كلما دعت الضرورة هي الجواب الوحيد الذي تحمله السلطة لأي فكر معارض. وهكذا تنتهي الرواية لتتطابق تماما مع المفاهيم الراسخة لعقل السيد الرئيس ، وعدم التنازل شعرة واحدة عن الشعور اللذيذ واليقين المطلق بأنه على حق دائما.

تمارس زبيبة نفس الدور الذي يمارسه ارقى شعراء البلاط ، اما ذكاؤها وحكمتها فتبدو شيئا تافها أزاء حكمة ودهاء وزراء الملوك في العهود القديمة. يحاول السيد الرئيس استعارة شخصية شهرزاد او بعض من ظلالها. وارجو ان يعذرني السيد الرئيس على هذا التجني على شهرزاد.
كنت أتمنى لو ألتقي بالسيدة (سميرة الشابندر) طليقة السيد نور الدين الصافي مدير الخطوط الجوية العراقية والزوجة الثانية للسيد الرئيس. ربما كانت هنالك بعض من الظلال التي ترسمها شخصية زبيبة. فالسيدة سميرة هي معلمة سابقة في مدرسة المكاسب الابتدائية في الرضوانية. وهي من عائلة متوسطة الحال ، فوالدها كان يعمل موظفا في الشركة الافريقية العراقية. بأختصار هي (أبنة الشعب). والطريقة التي ألتقى بها الرئيس هي الى حد ما نفس الطريقة في الرواية. وفي لحظة ما شعرت ان هذه السيدة هي الشخص الوحيد الذي أحبه الرئيس طوال حياته. لا أعرف أن كانت السيدة سميرة الشابندر قد أحبته فعلا. أعتقد ان التحقق من هذا الأمر يبدو شبه مستحيل. ذلك ان الرئيس أحاط قلبه بمجموعة هائلة من الاسلاك وحقول الألغام لا تقل شناعة عن أجهزة الحماية التي شيدها. لايمكن لأي مخلوق ان يصل الى قلب السيد الرئيس.ليس بسبب ضخامة قسوته او طبيعته الجلمودية الصخرية بل بسبب صعوبة الوصول. فالرئيس قد استبعد هذا العضو الهش كليا من وجوده.
لا يوجد في سيرة السيد الرئيس ما يشير الى حبه للشعب. هنالك في العاصمة وحدها يعيش اكثر من مليونين ونصف عيشة الجرذان وأنا على رأسهم. اما في المحافظات والقرى النائية فهناك شعب كامل يعيش على هامش الحياة. شعب ينام فوق بحيرة من الذهب الاسود ولا يصله من عوائدها فلسا أحمرا. لا أعرف ان كانت زبيبة تعرف عنهم شيئا. كان مصدر رزقهم الوحيد هو القطب الشمالي. كل شتاء يقفوا بأنتظار اسراب الطيور المهاجرة من القطب الشمالي والباحثة عن الدفء لقتلها او قنصها. هنالك عقيدة راسخة منذ ربع قرن لدى هؤلاء الناس ان الرئيس يحتقرهم وهم يبادلونه نفس الشعور.
يحدثنا التاريخ ان الشعب اذا دخل قصر الملك فغالبا ما يدخله بشكل صاخب ومباغت. لا يسمح للشعب بالدخول للقصور ومكانه الطبيعي هو الخرائب والاكواخ. وأذا ما دخل قصرا ملكيا او جمهوريا فغالبا ما يدخل عنوة. وغالبا ما يكون المشهد عصابيا تخريبيا ولا يسمح بأي قدر من الحوار. وتاريخ بلادنا هو افضل مكان لتوكيد هذه المقولة. غير ان السيد الرئيس يقلب المعادلة كليا. يحاول ان يصمم شعبا على غرار شعراء البلاط. يكون دخولهم بمنتهى الأدب. يمر بسلسلة المراجع والحاجبين مثل راقص باليه. يختزله الى زبيبة التي تستهلك اكثر من مئة وخمسين صفحة في التغني بالمزايا الفريدة للملك : السيد الرئيس طبعا وهل هنالك غيره. لا تخبرنا زبيبة عن ماهية أعمال الملك التي تجعل منه ساميا. الملك هو حقيقة سرمدية لا تحتاج الى اية أدلة ، وهي موجودة بالفطرة. ينبغي للشعب ان يتحلى بكل صفات الكمال لكي يدخل القصر ويحوز على قلب الملك.. ولكي يصل الشعب ذروة المجد عليه أن يموت من أجل الملك وهذا ما يحصل في الرواية. الشعب يموت ويحيا الملك وليس العكس.
لم أتفاجأ بشيء. كان السيد الرئيس هو نفسه داخل الاوراق وخارجها.
من الصعب أخذ كتابات السيد الرئيس على محمل الجد. لا تحمل الاوراق سمات الكتابة التي من أهم خصائصها البوح ومواجهة الذات او تعريتها. انها في الواقع امتدادا لخطاباته المعتادة. وبدل الميكروفون وشاشة التلفاز هنالك الورق والقلم. هناك محاولة للتقرب من عالم الكتابة لكنها محاولة فاشلة ومضحكة. لذلك وضعت النص جانبا لأنه لا يستحق الوقوف عنده وعدت افتش عن الرئيس نفسه. فشلت في ان انظر الى الكتاب بعيدا عن كاتبه. كان هناك كاتب فقط ولم يكن هناك نص. كشف لي النص بشكل واضح خلو السيد الرئيس من ملكة الخيال. ورغم تفاهته الادبية لكن يمكن اعتماده كوثيقة تؤكد الكثير من الخصائص التي دأب معارضوه على التعرض لها. هنالك شلل محوري في عقل السيد الرئيس هو خلوه من التناقض. لا توجد في لحظة واحدة فكرتان متعارضتان في رأسه.
يخرج السيد الرئيس كثيرا عن النص. يترك الكتابة ويمارس الخطابة دون أدنى حرج.يرتد الى مزاج البيانات العسكرية. ففي خضم الدراما يتألق الكاتب فيقذف بوجوهنا بصقة لزجة ورطبة حفظناها جميعا وسأمنا منها طوال ربع قرن.
(الله اكبر..الله اكبر، وليخسأ الخاسئون).
هذه البصقة تأخذنا فورا للحروب.أراجع النص مرتين فلا أعثر على ما يبرر هذا الخروج. لا أعرف بالضبط لماذا في تلك اللحظة حضر ببالي بيلنسكي الناقد الروسي المتخصص بأعمال دوستويفسكي. سألت صديقي و نديمي المفضل جليل :
“ لو أعطيت بيلينسكي رواية (زبيبة والملك) وطلبت منه كتابة دراسة عنها مقابل شقة في بغداد. هل سيقبل ؟”
هذه الافتراضات تنعشني وتضاعف سكري. أبثها في وجه جليل فيزداد غما. لا يضحك. يظل ساكتا. ينظر على الدوام الى العوائد. ماهي النتائج المرجوة من أية نكتة ؟ يقطب حاجبيه بينما اواصل ضحك ملئ بالمرارة. أقرأ في عينيه الاحباط واليأس من شفائي.
يقول لي:
“ علام تضحك ؟، لو كان بيلنسكي يعيش في جحر مثل جحرك ، فلا أظن أنه سيرفض”
كان هناك رغبة للكتابة غير ان القدرة الفائقة وتحطم الحواجز وخلو السيد الرئيس من الهزيمة جعل تلك النزوة تقف على اعتاب التردد ولا تخرج عن حدود المحاولة.
كان رأس السيد الرئيس خاليا من الاماني. الاماني عيب شنيع بالنسبة لسيد كلي القدرة. كان السيد الرئيس بحاجة الى هزيمة مرة كي تتحول نزوة الكتابة الى حقيقة.
لم يكن لقاء الرئيس بالأدباء مكرسا كليا للتعبئة ، كان هناك جزءا شخصيا يختبر على خفر وبقدر من الحذر ، سوف تتحول هذه العلاقة الى علاقة جدية غير متوقعة ، سوف تتأخر ثمرة هذه النزوة عددا من السنين العجاف ، سنوات القحط والجفاء الدولي ، لكنها بالنسبة للطامحين والمغامرين من ممتهني الكتابة هي منجم من ذهب.
غير ان ذلك كان نصف الحقيقة ، أما الحقيقة كاملة ، المرة والاكيدة ، ان الكتابة هي تاريخ الهزائم.
كان على السيد الرئيس ان يخوض في وحل الهزيمة ويتجرع مرارتها قطرة فقطرة ليصل الى تلك الذروة المقدسة ، الى اللحظة التي ترتعش فيها الاصابع لتبدأ مشوارا كاسحا وغريبا ولا يشبه الحياة باي وجه أسمه الكتابة. حين ترتعش الاصابع سوف تبحث مثل مدمن المخدرات عن المسكن الفوري الذي هو القلم. سوف تنهال عليه الهزائم ، وسيكون عليه ان يتحملها لوحده ، ذلك انه اصر ان يكون الانتصار ملكه لوحده، لن يشارك فيه احد، والذراعان الذان انبثقا من الارض وهما يحملان سيفين من فولاذ يشقان الفضاء هما ذراعاه وحده. سوف توضع جميع الهزائم على رقبته ، و لن يشاركه احد في حمل هذا العبء الثقيل. لن يكتب اي من اعوانه قصة الهزيمة ومرارتها، وسيكتبها هو بنفسه. واكبر هزيمة هي لجوئه للورق. قبل ذلك كان يخط على الارض كل ما يريد قوله ، وكانت الكلمات هم بشر يتحركون بمشيئته ، يعطيهم المعنى والقوة ، فاية لذة كانت.
لا اهمية لكل ماكتب السيد الرئيس فهو في النهاية يستخدم وسائل تعبير لا يجيدها. لايمكن ان يتحول طاغية الى كاتب الا أذا سقط كليا وخسر سلطته تماما. الكتابة هي فن التلاشي والانزواء والضمور والانحسار والقبول بالظل.
الكتابة هي التوقف عن الفعل.
سوف يوضع العمل الاول للرئيس بعنوان( زبيبة والملك) على جميع اكشاك و ارصفة الكتب في البلاد ، وسوف يرفق مع رواتب الموظفين ، ومع كل مراجعة للدوائر الرسمية ،وسوف يوزع على جميع السفارات ويرسل بالبريد الى العديد من المكتبات في العالم العربي . سوف تتسابق كالعادة الاقلام لتعلن ظهور عمل روائي لا يدانيه عمل آخر ، بل الافضل في التاريخ الروائي العراقي ، وستكتب مئات المقالات والدراسات في مجلة الاقلام والطليعة الادبية والف باء والصحف الرسمية. أمتلأت الصحف والمجلات في وقت واحد بأطنان الكتابات. لم يبق في البلاد قلم لم يجرب حظه. لا أعرف هل كان الرئيس يقرأها جميعا. عدا المسرحيات المعدة عنها والمسلسلات والبرامج الاذاعية ورسائل الماجستير.دخلت اقلام عربية محترفة على الخط. دخل مترجمون أيضا. نقلها أحدهم الى اللغة الصينية. وظهرت بالانجليزية والفرنسية. قدمت دار الازياء العراقية عرضا خاصا عن فساتين زبيبة وفوطها. أستطاعت المصممة ان تلتقي بالرئيس وتستقرأ منه الشكل العام لمظهر زبيبة. خلال يوم واحد انجز عزيز الرسام بورتريت لزبيبة قال أنه استقى ملامحها من الوصف الفائق والدقيق في الرواية. أهدى اللوحة طبعا الى السيد الرئيس. الشيء اللذيذ الذي رافق ظهور الرواية هو افتتاح محل كبير في كورنيش الأعظمية لبيع شربت الزبيب ،يحمل أسم زبيبة. المحل يقدم عصير عنب مجفف خالص وبأسعار رمزية فقد كان مدعوما من الدولة.

٭ ٭ ٭

في بناية المسرح الوطني تتأخر بروفة مسرحية (عربة اسمها الرغبة) لتنسي وليامز. ينتظر الممثلون والممثلات طويلا. هذه ليست المرة الاولى التي يتأخر فيها الأستاذ (ناجي عبد المجيد) مخرج العمل. كل مرة تكون سيارته هي السبب. سيارة الأستاذ هي (فولكسواغن) من العهد الملكي ، يطلق عليها العراقيون أسم (الرگة) بالقاف الاعجمية والتي تعني السلحفاة. كلما جرت الى الورشة يخبره الميكانيكي ان لا أمل يرجى في سيارته لأن محركها استحق بجدارة التقاعد.
يتصل المخرج من ورشة التصليح لألغاء البروفة ، في نفس الوقت يخرج من جعبته بضعة شتائم يرميها هنا وهناك.
يعود المخرج الى داره مشيا على الاقدام. وفي الطريق يتوقف عند مكتبة المثنى في مدخل شارع السعدون. ينظر الى واجهة المكتبة فلا يرى سوى كتاب واحد. عندئذ يعثر على ضالته. لم يكن الكتاب وكاتبه خافيا على أحد. يستل نسخة ويتصل بشاعر معروف بصوته الجهوري وصوره المروعة من المعركة والتي يبثها لنا مع وجبة العشاء.
كانت الرواية بحاجة الى الكثير من التدخل لتخليصها من المأزق الخطابي والترهل اللغوي. وكان الشاعر موهوبا في التزويق والتدخل في الوقت المناسب. أوقف المخرج بروفات عربة اسمها الرغبة وتخلى عن تنسي وليامز الى أشعار آخر ، وأبلغ تلاميذه عن عثوره على نص آخر. تكلم المخرج مع سهى سالم ، أبلغها أن تنسى الأرملة بلانش وتستعد لدور زبيبة. وانتقل فيصل جواد من ستانلي كوالسكي الى دور الملك او السيد الرئيس على وجه التحديد.
كان العذال والشمات والحساد وملوك التهكم ينتظرون هذه الفرصة للنيل من المخرج. تسلل أحدهم الى اللوحة الكبيرة التي مازالت واقفة على بوابة المسرح الوطني. شطبوا كلمة ووضعوا أخرى. أصبح عنوان المسرحية الملغاة (عربة أسمها الرگة).
أتى التعاون ثماره. تحرك الشاعر بسرعة البرق ، فقد كان محرك سيارته هو الآخر ينفث دخانا أبيضا ويهدد بين الحين والآخر بالتوقف. جاءت النتائج مذهلة واول الدعوات ارسلت الى القصر الجمهوري. حضر الرئيس ومرافقوه العرض الافتتاحي. وحضر ثلثي الفيلق الاعلامي الثامن ، وبعض الاسماء العربية. في ختام العرض صفق الرئيس فتعالى تصفيق الحاضرين ووقفوا جميعا تحية للمخرج الذي أنحنى بتحيته الاكاديمية واضعا كفه على قلبه ونزل من الخشبة ليصافح الرئيس. هنأه على النجاح وسأله عن سيارته (الرگة).
يقهقه المخرج : ههههههه، هي ذات القهقهة الأكاديمية التي يلقنها لطلابه في دروس الصوت والالقاء في أكاديمية الفنون الجميلة. وهي ذات القهقهة التي أصبحت صفة ملازمة لمسرح برتولد برخت والمسرح التجريبي عموما. قهقهة لا تخرج من القلب بل من فضاء الفم. تسمح للممثل ان يظل واعيا ولا يتقمص دوره بل يشاهده حاله حال المتفرج الذي أمامه.
المخرج : “هههههههههههههه ، رئيس وقائد ومهيب ويقول ( رگة). كم انت رائع سيدي”.
الرئيس : “ ولم لا ، قبل ان اكون رئيسا كنت أحلم ب (رگة).”
المخرج : “سيدي هذه أحلى نكتة سمعتها في حياتي ، هل تسمح لي أن أستعيرها منك ؟.”
أعجبته المفردة وهو يحب ترديدها. الرئيس يحب لغة الشعب. لذلك راح المخرج يسهل عليه الأمر.
ولكن كيف عرف الرئيس بحكاية الفوكسواغن الرگة. كان المخرج يقترب شيئا فشيئا من تلك الامنية القصوى التي تبعد بضعة سنتمترات عنه و على وشك الخروج من شفتي السيد الرئيس. راح يراقبها حرفا حرفا ويستقرأ كل نأمة فيها. الغمزة الساحرة واللفتة الرئاسية الباهرة. في تلك الايام وضعت شركة مرسيدس تصميما اسطوريا بفخامته لسيارتها الخصوصية. وقد ظلت لسنتين تحاك حولها القصص و لا يسمح بركوبها الا لموكب السيد الرئيس وبعض الوزراء والهيئات الدبلوماسية. اطلق عليها العراقيون اسم (الخنزيرة). لا أحد يعرف لماذا ، لكن الكلمة لها وقع شتيمة وتوحي بالمحرمات.
عاد المخرج ليطري على حديث (الرگة) وظرف السيد الرئيس
المخرج : “عفوا سيدي من أخبركم بقصتنا مع الرگة ؟”
الرئيس : “زبيبة بنت الشعب”.
المخرج : “ههههههههههه. سيدي أرجوك ، انا لا أحتمل الضحك ، عندي درقية ،
هههههههههه……ههه….هههه.”

الرئيس : “كم سنة بقيت معك ؟”
المخرج : “من سيدي ، الدرقية ؟”
الرئيس : “الرگة.”
ألمخرج : “ههههههههههههههههههه، ثلاثون سنة سيدي”.
حين اوشك المخرج على السقوط من الضحك حاول الرئيس تهدئته بالسؤال عن اوضاع الفرقة واحتياجاتهم. وأثنى على أداء زبيبة (شذى سالم) وابلغ المخرج ان هناك هدية مفاجئة تنتظرها. مرت لحظة وبدا على المخرج انه استعاد استقرار كرشه بعد تلك القهقهات المحكمة والمتقنة والتي رفعت الرئيس الى اقصى درجات الانعتاق. وقال انه لاول مرة يشهد فرقة محلية بهذا العطاء ويجيد كل دوره بحماس سواء كان رئيسيا او ثانويا.وشبه فرقة التمثيل بفرقة عسكرية ظافرة ووعد بمنحهم أنواطا.
الرئيس : “لابد أنك أنهكتها.”
المخرج : “من سيدي، الفرقة ؟”
الرئيس : “الرگة”
المخرج : “هههههههههههه ، والله ياسيدي هي التي أنهكتني”
الرئيس : “سوف نعطيك بدل الرگة خنزيرة ، هل تقبل ؟”
المخرج: “هه……هه….هه، سيدي هل تسمح لي أن أموت من الضحك: خنزيرة……هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه”

كاتب عراقي، هولندا
shoka57@yahoo.com