“أرقام لا تنام” فصل من رواية “شعرة من جلد خنزير” للكاتب العراقي محسن حنيص

الفصل الافتتاحي للرواية

Muhsin Hnes

بعين واحدة افاق من غيبوبة طويلة، فابصر سقفا كونكريتيا يتدلى منه مصباح يشع صمتا عتيقا باردا وغبارا بلون الرماد. حاول ان يفتح العين الاخرى فلم تستجب له، كأن قفلا يطبق على جفنه اليسرى. مد اصبعه الى محجر العين فارتطمت بورم موجع له ملمس الصمغ المتحجر، اضافت اللمسة جرعة اخرى من اليقظة، فتطلع حوله بعين واحدة مفتوحة واخرى مطفأة، يمسح مصيره افقيا وعموديا، ابصر بابا موصدا بلون الصدأ، وستة جدران خرساء تخرج من احداها كوة صغيرة مغلقة.
هذا اذن هو المكان الذي خصص له من قبل الدولة ليقضي فيه بقية عمره.
وجد نفسه حبيسا في قفص كونكريتي.
كان المكان اضيق كثيرا من الفضاء الذي تسبح فيه مخيلته. ويقف بالضد من كل توقعاته.
مثل حلزون اعور زحفت اصابعه لتسجل ابعاد المكان المخصص له. شبرا شبرا راح يقيس ابعاد القفص. توقف عند عشرة اشبار طولا، وسبعة عرضا. وضع الرقمين في رأسه وضربهما ببعض، خضهما جيدا ليخرج الزبدة : حصته من هذه الارض.
ثلاثة امتارمربعة فقط ؟ǃ
ماذا يحصل ؟
هل اخطأ السيد وزير الاسكان في فهمه ؟ او أخذ كلماته حرفيا. لقد طالب فعلا بثلاثة امتار ولكن بعد موته (لزوم القبر )، وليس قبل ذلك.
هل يمكن ان يكون هذا قبره ؟ وانه ميت دون ان يدري ؟.
شعر انه يتعرض الى عقاب من جهة تتابع منذ زمن بعيد كل مايدور بخاطره، فلقد كانت تملأ رأسه على الدوام فكرة اخرى عن حصته في هذه الارض.
كان هناك رقم كبير اشبه بالورم، اكبر بكثير مما وصل اليه في نهاية المطاف، ولقد دخل هذا الورم الحسابي منذ وقت مبكر الى جمجمته، وتحديدا منذ اول درس في الجغرافيا حيث كان عليه ان ينقش في دفتره و ذاكرته رقمين مهمين :
الاول هو مساحة العراق البالغة (450 الف) كيلومتر مربع، او ما يساوي (450) مليار متر مربع،
والرقم الثاني نفوس العراق البالغة (9 ) ملايين نسمة في ذلك الوقت.
من هذين الرقمين استخرج حصته النظرية من ارض بلاده بعد قسمة المساحة على النفوس، فوجدها (50.000) متر مربع، وتنطق : خمسون الف متر مربع، او 20 دونما.

٭٭٭

لم يعثر على سطح صقيل ليرى ماحل به، ولذلك بقي يحمل عن نفسه صورة لموظف حكومي يراها في مرآة الحمام وهو يحلق ذقنه. ترك صورته العتيقة متجمدة هناك قبل ان يخرج الى عمله للمرة الاخيرة. لم يكن يخطر بباله ابدا ان بضعة ساعات تفصله عن جلسات تحضير الارواح والامتحانات العسيرة التي سيتعرض لها جسده. ادرك ان العذاب ليس سوى مصادفة ذهبية عذبة، ليس اكثر من قنطرة للعبور الى الضفة الاخرى من الوجود، وغدت اليقظة جسرا عائما بين وحشتين، او جلستين عامرتين بالسياط، او دائرتين مفرغتين من المعنى، وقد فقد احساسه بالتسلسل الزمني بعد ان جعلوا من اذنه منفضة لسجائرهم، واسفر هذا المزاح الثقيل عن عطل جزئي في جهاز الذاكرة، فلم يعد يتذكر الا ماهو بعيد جدا.
اين وصل في رحلة التكايا الضيقة ؟ ومعلقات السقوف الحديدية وهي تؤرجح جسده بالمقلوب؟، وتلك الجلسات الصوفية المفعمة باصوات القابلوات المحورية وهي تنزل على الدفوف العارية الحية لتخرج منها الاعترافات؟.
كان يود ان يعيش اقصر مما قدر له. نهض من رقدته ضاربا كفا بكف، وساق بساق ليضع حدا لذلك التردد بين الحياة والموت . خطا نحو الكوة، دفع مصراعيها فدخل اليه خيط رفيع من الدنيا. مد انفه بين القضبان فلمح طرفا من نهر تضرب امواجه جدار السجن ثم تتراجع مدحورة.
هل هو نهر فعلا، ام ذكرى بعيدة ؟
هل هو امام كوة في زنزانة، ام ثقب في قبر يدخل منه النمل ليأكله؟
وجد انه فقد الكثير من مزاياه. هناك اثنان اوثلاث من حواسه الخمس لم يعد يثق بها. كور فمه واطلق صفيرا ارتطم بالجدار وارتد اليه، لكنه لم يسمعه. حفر في اذنيه فعثر على اعقاب سجائر مطفأة. انتبه الى ان السقف يحوي فرصة للانتحار. المصباح الكهربائي يتدلى بصمت مطبق كأنه حبل مشنقة. وقف لصق الجدار، وباصبع مبلول وضع اشارة لطول قامته. تراجع خطوتين ليرى ماتبقى له من قدر، وجد انه لم يعد ذلك الموظف المحترم. بل كائن متهريء، ضئيل، و معزول مثل بعير اجرب. ورأى ان الوصول الى السقف يتطلب قامتين، او مجيء نزيل ثان يصعد على كتفيه كي يمسك بطرف المصباح. هذا السخاء في العلو هو التحوط الذي وضعته الادارة ازاء محاولة السجين تقرير مصيره بنفسه . لم تكن فكرة الانتحار راسخة تماما. بل كانت ردة فعل للعذاب الجسدي الشديد، تصعد مع صعوده، فاذا انتهى انتهت معه . وفي مرحلة لا حقة سوف يتوصل الى ان العذاب المكثف هو الجسر الوحيد للوصول الى اللذة، وان الهروب او الامتناع المطلق عن تذوقه هو الخطأ الفادح، وهو جريمة بحق الذات وفرصتها في السمو والخلاص. سوف يجد بديلا عن الانتحار في تحطيم البناء الفوقي لكيانه والابقاء على القعر، وهو شكل من الوجود يقترب كثيرا من التلاشي، انه العيش في درجة الصفر.
في البداية كانت الحسبة بريئة وعفوية وساذجة الى حد ما، لكنها صارت تزداد قسوة مع الايام حتى تحولت الى معول يحفر في النفق المظلم لنظام الملكية المقدس. وكانت الارقام المرة تخرج من فوهة جمجمته كلما ضاقت الامكنة، ولكي يقبل بالزنزانة ينبغي ان يكون نفوس العراق مئة وخمسين مليار نسمة “وهو ناتج قسمة مساحة العراق (450 مليار متر مربع) على مساحة الزنزانة ( 3 متر مربع). “، لكن هذا الناتج (150 مليار نسمة) كبير جدا، و من الصعب وصول الامة العراقية اليه، بل ربما لا تصل اليه البشرية نفسها قبل ان تفنى.
هل الامتار الثلاث هي حصته من هذا الكون اللامتناهي؟.
هل هي الجواب للتساؤلات الوجودية المبكرة التي احتلت جمجمته ؟
الارقام التي لاتنام اصابت سعدون الراهي في محور ذاته، فغيرت مجرى حياته.
اضافت الخلفية العلمية التي يحملها بعدا آخر الى الخلاصة المرة التي وصل اليها، فقد كانت طفولته وصباه حافلة بتأمل كل ماهو بعيد و مطلق مثل الله، و النجوم و المجرات. وقد جذبته نظرية تمدد الكون لادوين هابل، وحاول اسقاطها على الجانب العقاري في الارض. اذ قد تكون وراء التوسع المضطرد في ملكيات الاقطاعيين التقليديين والحزبيين الجدد. وقد كتب لنا تلك التأملات الكونية على ورق يقطر بالأسى. حيث يختلط الحبر بالدمع، والجنون باليأس. وفي ذروة الشعور بالعدم كانت مخيلته تتسع مع توسع الكون المفترض. كان يعلق املا على نظرية هابل في توسع الزنزانة الانفرادية التي يقبع بها.

٭٭٭

كان المطلوب منه وهو تلميذ صغير ان يحفظ رقمين هما مساحة ونفوس العراق، وحين وقف امام السبورة ليدونهما طرأت في باله فكرة استخراج الحصة النظرية، فقام بعملية حسابية فورية اربكت المعلم والتلاميذ. رسم على السبورة دائرة كبيرة مساحتها عشرون دونما تمثل ملعبا للكرة بساحته ومضماره ومدرجاته وكتب اسمه في الوسط.
في درس الرسم اعاد وبالالوان نقش اسمه في الملعب الكروي بعد ان فرغ مدرجاته من الجمهور.
لقد طرأت تبدلات هامة على الرقم الطفولي و العفوي (20 دونم) المفترض لحصته من ارض بلاده.
زحفت الواقعية تدريجيا لتحجم تلك المثالية المفرطة والمراهقة الثورية، فراح الرقم يتراجع تدريجيا مع زحف الواقعية. القسم الاكبر من هذه التبدلات كان طبيعيا املته زيادة السكان، والقسم الآخر يتعلق بالتصحيحات التي اجريت بعد طرح الاراضي الزراعية والانهار والمسطحات المائية والمباني العامة ومعسكرات الجيش والمناطق المحضورة وما الى ذلك. اما الهبوط الدراماتيكي في الرقم فقد حصل بسبب الاكتشاف المبكرللصلابة غير المعهودة التي تتسم بها الملكية الخاصة، وخضوع الدولة المطلق لها. ولقد ادى هذا الاكتشاف الى تنازل تدريجي وصل حد المطالبة بخمسين مترا مربعا للفرد الواحد.
تراجعت الارقام النظرية بشكل دراماتيكي، الملعب الكروي ومدرجاته التي تزيد على تسعين الف متفرج سوف يصغر مع كل صدمة جديدة بصخرة الواقع. لم يبق لسعدون الراهي سوى مطلب الحد الادنى : خمسون مترا لمعيشة عائلة من سبعة افراد. في نهاية المطاف كتب الى وزير الاسكان رسالة بذلك موضحا رغبته القديمة في مد جذوره بهذه الارض.
هل يمكن ان يكون السيد وزير الاسكان قد اخطأ في فهم قصته؟.
كيف تحولت الخمسون مترا الى ثلاث؟
وحلم البيت الى زنزانة انفرادية؟
اين اخطأ؟
في الحلم، في الحساب، ام في الكتابة الى الوزير ؟
هل يمكن ان تكون رسائله قد حولت الى جهة اخرى للنظر فيها؟

 

كاتب عراقي، هولندا
shoka57@yahoo.com